من نيوديل إلى ساندرز.. حنين أمريكا إلى العدالة الاقتصادية.. قراءة في كتاب

عُرف ساندرز  أيضًا بدعمه القضية الفلسطينية، ورفضه استمرار حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، التي شنها الكيان الصهيوني ردًّا على عملية "طوفان الأقصى"..
عُرف ساندرز أيضًا بدعمه القضية الفلسطينية، ورفضه استمرار حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، التي شنها الكيان الصهيوني ردًّا على عملية "طوفان الأقصى"..
شارك الخبر
الكتاب: لا بأس من الغضب على الرأسمالية
الكاتب:ر برني ساندَرز، ترجمة وتقديم: د. محمد جياد الأزرقي
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى يناير2024، (عدد الصفحات 360 من القطع الكبير).


يجمع المحللون الاستراتيجيون على أنَّ العولمة القديمة أو المتجددة مرتبطة بتطور الرأسمالية التي تُجَدِّدُ ذاتها باستمرار، بوصفها نظاماً قائمًا على التغير المستمر، وهو تغيرٌ كيفيٌ أكبر من مجرَّد تغيرٍ هيكليٍّ ينجم عن عملية تراكم في هذا المجال أو ذاك. والعولمة الرأسمالية الأمريكية المتوحشة التي نعرفها اليوم هي المحطة الثانية في تجربة الرأسمالية:  فقد سجل القرن التاسع عشر ديناميكية قوية يطلق عليها  "العصر الذهبي" للرأسمالية، والممتدة من أواخر القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى، والتي اتسمت بسيادة مطلقة لرأس المال، تشابه حالتنا اليوم: ترافقت أو سبقت حملة ثورات اجتماعية وعلمية وتكنولوجية انتهت بأزمة اقتصادية رأسمالية خانقة هي أزمة (1929 ـ 1933) الشهيرة  التي ضربت الولايات المتحدة وكل البلدان الأوروبية الغربية .

 وكانت الكولونيالية التي هيمنت على البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة هي واحدة من أوجه التشابه مع العولمة كما يحدث اليوم في ظل الهيمنة الأميركية  بوصفها تكييفاً بالعنف، إضافة إلى التشابه على الصعيد الإيديولوجي، بين مفهوم القرية الكونية، وبين مقولة الجولة حول الأرض في ثمانين يوماً، المقولة التي فجرت حقيقة انتصار الرأسمالية في غزو الفضاء .

أما العولمة الرأسمالية الجديدة الناجمة عن النقلة الجديدة التي شهدها الاقتصاد الرأسمالي العالمي، فهي بلا شك قلبت موازين تقاليدنا وأعرافنا السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحتى نمط تفكيرنا . فالمقولة الأساسية لهذه العولمة الجديدة هي ببساطة " ما يفرزه السوق صالح، أما تدخل الدولة فهو طالح". وانطلاقا من أفكار أهم ممثل لهذه المدرسة الاقتصادية الاقتصادي الأمريكي وحامل جائزة نوبل ملتو ن فريدمان، اتخذت في الثمانينات الغالبية العظمى من الحكو مات الغربية هذه الليبرالية الجديد ة النظرية منارًا تهتدي به في سياساتها.

هذا النظام العالمي الجديد الذي بشَّر به دونالد ترامب هو " يوتوبيا " القرن الحادي والعشرين، وهو نظام بالمحصلة النهائية لا يمكن أن يدار من دون تدخل عسكري عنيف أكثر وأكثر، يكفل إدارة الاختلال لمصلحة رأس المال الأمريكي، أي الرأسمال الاحتكاري الأمريكي.
وهكذا صار عدم تدخل الدولة إلى جانب تحرير التجارة وحرية تنقل رؤوس الأموال، وخصخصة المشروعات والشركات الحكومية، أسلحة استراتيجية في ترسانة الحكومات المؤمنة بأداء السوق وفي ترسانة المؤسسات والمنظمات الدولية المسيرة من قبل هذه الحكومات، والمتمثلة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. فقد غدت هذه المؤسسات الوسائل التي تحارب بها هذه الحكومات في معركتها الدائرة رحاها حتى الآن من أجل تحرير رأس المال.

وهذا ما أضفى على العولمة الرأسمالية الليبرالية الجديدة طابعًا سلبيا مرفوضاعلى أوسع نطاق، تتلاقى في ذلك شعوب الدول الغنية نفسها مع دول العالم الثالث التي شعرت بالخوف من طغيان سياسي واقتصادي وفكري يهددها في شخصيتها وتفردها ويلغي التمايزات الغنية المتوزعة بين مختلف الحضارات الإنسانية .

إذا كانت "الحرِّية" هي يوتوبيا القرن التاسع عشر، وكانت "المساواة" هي يوتوبيا القرن العشرين، فإنَّ النظام العالمي الرأسمالي الليبرالي الأمريكي الجديد الذي يعمل على غزو الرأسمال لجميع مجالات الحياة الاجتماعية وإخضاعها لقانون الربحية، بوساطة المؤسسات التي تنظم وتحمي احتكارات الشمال (الشركات متعددة الجنسية) مثل منظمة التجارة العالمية، والثورة التكنولوجية التي تثير في بدايتها موجه عارمة من الحماس، والتي وضعتها مؤسسات الإنترنت، هذا النظام العالمي الجديد الذي بشَّر به دونالد ترامب هو " يوتوبيا " القرن الحادي والعشرين، وهو نظام بالمحصلة النهائية لا يمكن أن يدار من دون تدخل عسكري عنيف أكثر وأكثر، يكفل إدارة الاختلال لمصلحة رأس المال الأمريكي، أي الرأسمال الاحتكاري الأمريكي.

هذا الكتاب الجديد، الذي يحمل العنوان التالي: "لا بأس من الغضب على الرأسمالية"، الذي  يحتوي على عشرة فصول ومقدمة، ألفه بيرني ساندرز عضو مجلس الشيوخ الأمريكي المولود في عام 1941 في نيويويرك لعائلة يهودية من أصول بولندية، ترشح لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عامي 2016 و2020، لكنه لم ينجح في الحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي، عُرِفَ بتوجهه الإيديولوجي الاشتراكي الديمقراطي ومواقفه التقدمية، وعارض الحروب، حيث أعطى مثالاً على إجرام أمريكا في تدخلاتها الخارجية عندما ساعدت في إسقاط نظام العقيد الليبي معمر القذافي في عام 2011،  لتصفية خلافات وخصومات قديمة معه، ثم تركت البلد بعد ذلك للفوضى بيد الإرهابيين والذباحين.

 وأشار ساندرز إلى أن الإعلام ونظام التعليم في الولايات المتحدة يؤسسان الأجيال الجديدة والمجتمع كله على أساس مجموعة من الثوابت المتعلقة بالنظرة إلى أمريكا، أو ما يسميه بالأساطير المؤسسة للسياسة الأمريكية، وقال إن الولايات المتحدة في حالة ليبيا ـ وغيرها ـ تلجأ إلى تسويق معلومات كاذبة عن خصومها هناك، كما فعلت مع صدام حسين قبل غزو العراق في ربيع العام 2003، ثم عادت وقالت إن معلوماتها عن مساعيه لامتلاك أسلحة دمار شاملة كانت غير صحيحة.

يفسر ساندرز هذا السلوك الخارجي للولايات المتحدة من خلال إطلالة على المنظومة التي تتم من خلالها تربية المجتمع الأمريكي، وتأسيسه، وتلقينه القيم الأساسية التي تريدها الصفوة المهيمنة على الإمبراطورية الأمريكية، وهي صفوة مكونة من المجموعات المتحكمة في صناعات النفط والسلاح وصناعة الترفيه وأصحاب رؤوس الأموال الكبرى، بجانب الساسة المؤدلجين المنتمين إلى الأصولية البروتستانتية مثل ترامب، إضافة إلى مراكز الأبحاث والمؤسسات الصهيونية المتجذرة في الإعلام وسوق الأموال والجامعات وصناعة الترفيه.

كما عُرف ساندرز  أيضًا بدعمه القضية الفلسطينية، ورفضه استمرار حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، التي شنها الكيان الصهيوني ردًّا على عملية "طوفان الأقصى" التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزِّة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.وقد دعا مرارا الحكومة الأميركية إلى التوقف عن تزويد الكيان الصهيوني  بالأسلحة، مؤكدا أن ما تم ارتكابه يمثل "إبادة جماعية" بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.وانتقد ساندرز خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاستيلاء على غزة وتهجير الفلسطينيين قسرا منها. وقال إن القطاع، الذي يعتبره ترامب "عقارا"، يجب إعادة بنائه من أجل الشعب الفلسطيني، وليس السياح الأثرياء.

أشار ساندرز إلى أن الإعلام ونظام التعليم في الولايات المتحدة يؤسسان الأجيال الجديدة والمجتمع كله على أساس مجموعة من الثوابت المتعلقة بالنظرة إلى أمريكا، أو ما يسميه بالأساطير المؤسسة للسياسة الأمريكية
كما ينتقد ساندرز إطار النمط الرأسمالي المتوحش الذي تدافع عنه الإمبريالية الأمريكية، وتحاول تسويقه في العالم؛ رغم أنه قائم على أساس الاستهلاك الشرِه، والإثراء غير المحدود الذي يتم في كثير من الأحيان دون تقديم أي خدمات نافعة للمجتمع، هذه هي الولايات المتحدة كما يراها أهلها، ولئن كانت هناك مشكلة حقيقية تواجه المجتمعات الإنسانية، والعربية من بينها، كما يراها ساندرز، فهي تكمن في عدم دراسة النموذج الأمريكي كما ينبغي، وبالتالي محاولة تقليده، أو بالأحرى تقليد ديمقراطيته، بينما كلّ ما يقود إليه ذلك هو المزيد من التبعية للولايات المتحدة!

ويعتقد ساندرز أنَّ العلاقة بين الديمقراطية والرأسمالية علاقة مزعومة، ثم يمضي للقول إن الرأسمالية نفسها الآن في مأزق فكري، وهي أيضاً في مأزق على المستوى المادي، إذ إنها لم تعد قادرة على إنتاج الرفاه الاقتصادي للجميع، إذاً، أزمة الرأسمالية ثلاثية الأبعاد؛ وهي الإنتاج الضائع والتوزيع غير المتساوي والعجز الديمقراطي.

الصفقة الجديدة

يُعَدُّ كتاب برني ساندرز مرجعًا مهمًا لأنَّه يقدم مخططا للتغيير التدريجي على المستويين الاقتصادي والسياسي ويدعو لثورة سياسية ضد النظام الرأسمالي العالمي الليبرالي الأمريكي القائم، من حلال دعوته إلى إبرام "الصفقة الجديدة"، أي تشكيل تحالف طبقي عريض يجتمع فيها العمال للنضال من أجل حكومة تمثل جميع الأمريكيين وليس فقط 9% ، حيث تضمن الدولة الحقوق الاقتصادية لجميع مواطنيها .

يبدأ ساندرز في سرد قصة عدم المساواة في توزيع الثروة في الولايات المتحدة معززًا بالأرقام والأدلة لوصف الحالة قبل وباء الكوفد19،  يمضي للقول بأنه سيطر 3 أشخاص فقط من اصحاب المليارات، وهم جف بيزوس ويل كينز ووارن بقت على الثروة تعادل مجموع ما يمتلكة النصف الأدنى من سكان الولايات المتحدة. وخلال الوباء ازدهرت خطوط هؤلاء الأثرياء بالفعل بشكل هائل، حيث شهدت البلاد واحدة من أسرع حالات الإزدهار في إعادة توزيع الثروة الى أعلى في التاريخ العالمي بينما كان معظم الأمريكيين منخرطين في التضحية المشتركة التي فرضتها الأزمة الصحية العالمية زادت ثروة ما يقرب من 725 مليارديرا أمريكيا بمقدار 2.071 ترليون دولارا (حوالي 70.3%) بين 18 مارس 2020 لغاية 15 تشرين الأول/أكتوبر من عام 2021، أي من حوالي 2.047 ترليون الى 5.019 تريلون دولارا.

يرى ساندرز أن في هذه الحقائق أسبابا كافية لغضب الأمريكيين واستنهاضهم للتخلص من الرأسمالية الجامعة والفئة الأوليغارشية المتسلطة وهو يريد تغيير ذلك لأنَّه يعتقد أنَّ العدالة الاقتصادية هي حق من حقوق الإنسان هذا إلى جانب حق الحصول على العناية الطبية للجميع والحصول على عمل مناسب بدفع أجورا لائقة تضمن حياة كريمة للعمال وأسرهم كما يدعو لجعل التعليم مجانيا والعناية بكبار السن وذوي الإعاقات باعتبارهما من حقوق الإنسان أيضًا وينضوي تحت حقوق الإنسان هذه توفير السكن والعيش في بيئة نظيفة ومكافحة التغيير المناخي للحد من التهديد الوجودي الذي يمثله تغير المناخ وأخيرا تحويل انظمة الطاقة بعيدا عن الوقود الأحفوري ونحو كفاءة الطاقة المستدامة هذه خلاصة لحقوق الإنسان برأي النبيل ساندوز.

يقول ساندرز عن التفاوت في الحقوق، ما يلي: "نعم، يضمن لنا الدستور وقانون الحقوق المدنية، الحق في التصويت والحق في التعبير عن آرائنا والحق في ممارسة معتقداتنا الدينية والحق في التجمع، والعديد من الحقوق السياسية الهامة الأخرى. لكنه لا يضمن لنا حقا في وظيفة لائقة ولا في الرعاية الصحية ولا التعليم ولا الغذاء ولا المأوى. ليس لنا الحق في الضروريات الأساسية التي تسمح للبشر بالعيش الكريم والحياة الآمنة. أعاد إلى الأذهان ما قاله الرئيس الأمريكي روزفلت قبل 80 عاماً بأن، "الحرية الفردية [الحقيقية لا يمكن أن توجد بدون الأمن الاقتصادي والاستقلالٍ]".

نعم، يضمن لنا الدستور وقانون الحقوق المدنية، الحق في التصويت والحق في التعبير عن آرائنا والحق في ممارسة معتقداتنا الدينية والحق في التجمع، والعديد من الحقوق السياسية الهامة الأخرى. لكنه لا يضمن لنا حقا في وظيفة لائقة ولا في الرعاية الصحية ولا التعليم ولا الغذاء ولا المأوى.
يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى موضوع الكساد الكبير الذي تلا الأزمة المالية عام 1929، فقد نجحت المشاركة السياسية التي أطلقها روزفلت، واستطاعت في خضم فترة ذلك الكساد أن تنجز مشاريع بالغة الكلفة ساعدت خاصة الملايين من الناس، حيث تم إقرار قانون الضمان الاجتماعي الذي يؤمن الرواتب التقاعدية لغالبية العاملين في البلد وتنفيذه، كما تم إقرار قانون حكومي آخر مكلف أيضاً لدفع المساعدة المالية لمن يفقد عمله لفترة ريثما يحصل على عمل آخر، كما شرعت الحكومة في تنفيذ مشاريع مكلفة لبناء الطرق الخارجية والجسور، وفتحت بذلك مجالات العمل المباشر لحوالي 12 مليون مواطن خلال سنوات الكساد بعد عام 1934، وفي الوقت الذي كان فيه أصحاب العمل والعمال ومسؤولو الحكومة يرفعون الشكوى في السابق من عدم توفر الأموال للإنفاق العام، تمكنت واشنطن بسرعة من توفير مبالغ كبيرة، وصرفتها مباشرة لتخفيف الأعباء عن عاتق العمال، وبعث الحياة في اقتصاد كان يعاني ركوداً عميقاً.

ثم يمضي المؤلف إلى مقارنة ذلك بالأزمة الحالية للنظام الرأسمالي في عهد ترامب التي لم تتمخض عنها مبادرات على منوال ما قدّمه روزفلت، ولذلك في رأيه أسباب عدة، أولاً، شهدت السنوات الخمسون الماضية ضعف الحركة العمالية واتحاداتها الذي يرجع أصلاً إلى الغياب الكامل تقريباً للحركتين الاشتراكية والشيوعية اللتين عبّأتا في السابق الجماهير العمالية وحركتاها للمطالبة بإيجاد الحلول.

 لم يقترح الرئيس ترامب خلال فترة رئاسته الأولى إطلاقاً أو يقدم على مشروع لخلق فرص العمل، بل حدث العكس؛ لأنه عمل على تقليص، وليس توسيع منافع الضمان الاجتماعي، ثانياً، لم تجد غالبية أصحاب الأعمال والأغنياء أية ضرورة للدخول في مفاوضات أو إيجاد حلول وسطى تضمن تقلبهم فكرة رفع الضرائب عليهم، إن عدم وجود نظام اشتراكي، على غرار ما كان قائماً في الاتحاد السوفياتي خلال فترة ثلاثينيات القرن الماضي، يطرح في أيامنا هذه بديلاً عما يمكن أن يحظى بتأييد جماهير الطبقة العاملة ويحظى بتعاطفها، وهو أمر سيخيف المحافظين ويدفعهم للمشاركة؛ كتلك التي بلورها روزفلت.

كانت فترة البرنامج الجديد "نيوديل" الذي جاء به الرئيس روزفلت هي فترة فرض الضرائب على الشركات والأغنياء، غير أن ضوابط سلوك تلك الشركات والأغنياء قد أثبتت ضعفها وعدم استدامتها، فقد نجح خصوم البرنامج  الجديد المدفوعون برغبة في زيادة أرباحهم لأقصى درجة ممكنة ومضاعفة عوائد استثماراتهم، في وضع حد للإصلاحات الضريبية إثر الحرب العالمية الثانية مباشرة، وازدادت تلك الجهود في فترة سبعينيات القرن الماضي، فقد تحايلوا وتحاشوا، ثم أضعفوا نسبة الضرائب والضوابط والتعليمات المتعلقة بها التي وضعها العقد الجديد، وتمكنوا في النهاية، عندما أصبح ذلك ممكناً من الناحية السياسية، من إسقاطها وإزالتها تماماً، لقد استعملت الأموال الناتجة من أرباح الشركات لتمويل الحملات الانتخابية والسياسيين وحملات العلاقات العامة وجماعات الأفكار الأيديولوجية لإعادة صياغة الأهداف ورسم الجهود لإحداث تغيرات اجتماعية حقيقية، وإسقاط الضوابط كافة والتعليمات الحكومية بالكامل، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ منها قانون Glass-Steafad، والهجوم الحالي على قانون الضمان الاجتماعي، وتحويل عبء الضرائب الفدرالية من الشركات وأفراد الطبقة العليا ووضعها في عاتق الطبقة المتوسطة، وغيرها من الأمور الأخرى.

لقد عانى الأمريكيون لسنوات من أزمة اقتصادية ما كانت لهم فيها ناقة ولا جمل، لقد راقبوا برنامجاً قيل لهم إنه سيحقق تعافي الاقتصاد، ولكن ذلك لم يأتِ بنفع إطلاقاً، لقد استمعوا لأقوال أصحاب ذلك المشروع وهم يرددون أنه يتوجب على "كلّ فرد" أن يدفع كلفة تعافي الاقتصاد، وشعروا عندها وكأنهم هم الذين خلقوا تلك الأزمة وعليهم الآن أن يتحملوا تبعات برامج التقشف والاستقطاعات؛ في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى المزيد من الخدمات الحكومية الأفضل، وليس من العجب أن الآمال المعقودة على بديل كينز قد قادت إلى المزيد من العجز والديون الخارجية، مما ينذر بخطوات تقشف أسوأ؛ وهو الأمر الذي يكرهه الكثير من المواطنين الذين يعنيهم الأمر.

أشار ساندرز إلى دوره كرئيس للجنة الموازنة في مجلس الشيوخ وعن القانون التحويلي الذي سماه "خطة الإنقاذ الأمريكية" لمساعدة العوائل الفقيرة والأقليات المقهورة. شاهدته أكثر من مرة يحاور في ندوات تلفزيونية وهو يستشيط غضبا منددا بتمرد عضوين في الحزب الديمقراطي، وهما جو مانشن من ولاية فرجينيا الغربية وكرستن سينما من ولاية أريزونا. ألقى باللائمة عليهما للجم الزخم من أجل التغيير السياسي في البلاد بسبب عوائقهما التي جعلت عملية إقرار قانون التغيير المذكور تستمر لأشهر. "كان تمويل حملتيهما الانتخابيتين من قبل مصالح الشركات. وهو ما أدى إلى تقويض جهودنا عند كل منعطف. وبسبب عوائقهما استمرت العملية لأشهر فتوقف الزخم من أجل التغيير". مات مشروع أفضل قانون ومعه مات الكثير من الدعم السياسي الذي فاز به الرئيس بايدن والديمقراطيون عام 2020، بحسب ما صرح به ساندرز.

أعاد ساندرز إلى الواجهة قضايا الفقراء المنسيين والمغيبين والمعوزين وأعاد سمات الزمن الذي مضى وولى حين كانت العقائد والأحزاب تتنافس فيه على تقديم برامج اجتماعية لإنقاذ الفقراء من البؤس والعوز..
لقد قلبت نخب الحزب الديمقراطي لبرني ساندرز ظهر المجن. خانوه وتركوا عديدين من مؤيديه يبحثون عن مأوى جديد. لم يرغب الديمقراطيون التقليديون مطلقا في ساندرز، وتصرفت المؤسسة ضده منذ اللحظة الأولى. والحقيقة أن برني ساندرز لم ينضم أبداً إلى الحزب الديمقراطي، ولكن الحزب الديمقراطي هو الذي انضم إليه، واقترب من أفكاره الاشتراكية الديمقراطية، بينما لم يتبن ساندرز أياً من أفكار الحزب التقليدية. ولا أحسب أن الرجل سوف يرشح نفسه للرئاسة من جديد، ولكن روحه القتالية سوف تستمر.

وسيذكر الأمريكيون برقي ساندرز لأشياء كثيرة، فهو أول يهودي أمريكي تقدم للترشح للرئاسة عن أحد الحزبين الكبيرين، وبنى حركة ساعدت بالفعل على دفع مطالب العمال والفقراء إلى مركز الحزب الديمقراطي، مما ساعد على رفع الحد الأدنى للأجور، وحول أفكاراً كانت تبدو قبل أربع سنوات فقط مستحيلة، مثل التأمين الصحي للجميع والتعليم المجاني، إلى أفكار مطروحة على طاولة المفاوضات وقابلة للنقاش. وحين ستتقدم أمريكا ذات يوم نحو عالم أكثر مساواة وعدالة، يتميز بالرعاية الطبية المجانية، فسوف يتذكر الجميع أن الفضل في ذلك يعود إلى هذا العجوز، متجهم الوجه، قوي الصوت الذي لا تلين له قناة.

أعاد ساندرز إلى الواجهة قضايا الفقراء المنسيين والمغيبين والمعوزين وأعاد سمات الزمن الذي مضى وولى حين كانت العقائد والأحزاب تتنافس فيه على تقديم برامج اجتماعية لإنقاذ الفقراء من البؤس والعوز.. الفقراء باتوا منسيين مغيبين، وهذا كان جزءاً من التطوّر الرأسمالي الحرب الباردة تطلبت دفن الفقراء كي لا ينغِّصوا على أمريكا دعايتها السياسية وأكاذيبها وحيلها الاستمالة سكان المعمورة. كان رونلد ريكن يقول إنّ كل ما على هوليوود فعله في مواجهة المعسكر الاشتراكي هو أن تظهر لشعوب الأرض كيف يعيش الشعب الأمريكي في منازل منيفة تحيطها حدائق وبرك سباحة. لعله كان يظن أن كل سكان أمريكا يعيشون مثل ساكني منطقة بفرلي هلز!

اختتم السنتر الأمين فصله الأول بتذكير المواطنين بحقوقهم مستعيناً بإشارة إلى المناضل نلسن منديلا فيقول: "إذا كنا لا نعتقد أنه يحق لنا الحصول على الرعاية الصحية كبشر، فلن نحقق أبداً رعاية صحية شاملة. إذا كنا لا نؤمن أنه يحق لنا الحصول على أجور وظروف عمل لائقة، سيظل الملايين منا يعيشون في فقر. إذا كنا لا نعتقد أنه يحق لنا الحصول على التعليم الذي نحتاجه لتحقيق أحلامنا، سيترك الكثير منا الدراسة وهم مثقلون بالديون الضخمة، ولن يحصلوا على التعليم الذي نحتاجه. إذا كنا لا نعتقد أنه يحق لنا أن نعيش في عالم يتمتع ببيئة نظيفة لا يخربها تغير المناخ، سوف نستمر في رؤية المزيد من الجفاف والفيضانات وارتفاع مستوى البحار وخراب أجزاء من المعمورة بحيث تصبح غير صالحة للسكنى والعيش".
التعليقات (0)

خبر عاجل