السيسي وخطة تجويع مصر: كيف قاد الجنرال أكبر دولة عربية إلى مشروع التبعية الدائمة؟

سعد الغيطاني
"دولة تملك البحر والنيل والشمس والغاز، ثم تعيش على شراء الطاقة والغذاء من الخارج!"- الأناضول
"دولة تملك البحر والنيل والشمس والغاز، ثم تعيش على شراء الطاقة والغذاء من الخارج!"- الأناضول
شارك الخبر
مقدمة

لم يعد ما يحدث في مصر مجرد فشل اقتصادي أو سوء إدارة عابر، بل يبدو كأنه مشروع متكامل لإعادة تشكيل الدولة المصرية على أساس الفقر والتبعية والعجز الدائم.

عبد الفتاح السيسي لا يتحدث مثل قائد يريد بناء دولة قوية مكتفية وقادرة على حماية قرارها الوطني، بل يتحدث باستمرار كمدير أزمة يهيئ شعبا كاملا لقبول الانهيار باعتباره "حقيقة جغرافية" لا يمكن تغييرها. الرجل الذي وعد المصريين ذات يوم بـ"مصر قد الدنيا"، هو نفسه الذي يخرج اليوم ليقول إن الاكتفاء الذاتي مستحيل، وإن الأراضي لا تكفي، والمياه غير كافية، والاستيراد سيظل ضرورة أبدية. لكن الأخطر من التصريحات نفسها، أن سياسات السيسي على الأرض تؤكد أن ما يجري ليس اضطرارا، بل اختيارا سياسيا متعمدا.

ففي عهده جرى توقيع اتفاق إعلان مبادئ سد النهضة الذي منح إثيوبيا شرعية سياسية لمشروع يهدد حياة المصريين، وبيعت أصول الدولة وموانئها وشركاتها، وتحولت مصر إلى مستورد ضخم للغذاء والطاقة، وفُتحت الأراضي الزراعية أمام استثمارات أجنبية بينما يعاني المصري من الغلاء والجوع، وأصبحت القاهرة تشتري الغاز من إسرائيل؛ رغم أن النظام نفسه شارك في ترتيبات ترسيم بحرية أثارت جدلا واسعا حول التفريط في الحقوق المصرية بشرق المتوسط.

إن ما يحدث ليس مجرد أخطاء متفرقة، بل هندسة سياسية واقتصادية تدفع مصر تدريجيا نحو فقدان استقلالها الحقيقي.

أولا: السيسي لا يدير أزمة.. بل يصنع عقلية الهزيمة

أخطر ما فعله السيسي بالمصريين ليس رفع الأسعار أو توسيع الديون، بل تدمير فكرة القدرة نفسها. فالرجل يتحدث مع الشعب باعتباره شعبا عاجزا بطبيعته: عاجزا عن إنتاج غذائه، عاجزا عن إدارة موارده، عاجزا عن حماية مياهه، وعاجزا حتى عن الحلم بالاكتفاء.

كل خطاباته تقريبا تقوم على فكرة واحدة: "لا يوجد ما يكفي للجميع"؛ لا مياه تكفي، لا أرض تكفي، لا موارد تكفي، لا أمل في الاكتفاء. هذه ليست لغة قائد دولة، بل لغة سلطة تريد شعبا مكسور الإرادة يقبل أي مستوى من الفقر والإذلال.

والسؤال المنطقي هنا: إذا كانت مصر عاجزة إلى هذا الحد كما يدّعي السيسي، فلماذا أُهدرت مئات المليارات على العاصمة الإدارية، والقصور الرئاسية، والكباري العملاقة، المدن الفاخرة، ومشاريع الاستعراض الإعلامي؟

لماذا لم تُوجه هذه الأموال إلى تحلية المياه، وتحديث الزراعة، ودعم الفلاح، والبحث العلمي، والتصنيع الغذائي، وحماية الأمن المائي؟

الإجابة التي يخشاها النظام واضحة: لأن بناء اقتصاد إنتاجي مستقل لم يكن أولوية أصلا. الأولوية كانت إنشاء دولة مركزية ضخمة يتحكم فيها الجيش والأجهزة الأمنية، حتى لو أدى ذلك إلى سحق الطبقة الوسطى وتحويل المصريين إلى شعب يعيش على القروض والمعونات والاستيراد.

ثانيا: سد النهضة.. السيسي الذي سلّم النيل

لن يسجل التاريخ أن سد النهضة بُني فقط بإرادة إثيوبيا، بل سيسجل أيضا أن السيسي منح المشروع شرعية سياسية وتاريخية بتوقيعه اتفاق إعلان المبادئ عام 2015.

الاتفاق لم يكن مجرد توقيع بروتوكولي، بل تحول إلى نقطة فاصلة انتقلت فيها إثيوبيا من مشروع متنازع عليه إلى مشروع معترف به إقليميا. بعدها فعلت أديس أبابا ما تريد: استمرت في البناء، وملأت السد، وفرضت الأمر الواقع، ثم بدأت تتحدث عن سدود جديدة على النيل.

وفي المقابل، لم تحصل مصر على ضمانات حقيقية تحفظ أمنها المائي. الأكثر إثارة للغضب أن السيسي نفسه عاد بعد سنوات ليحدث المصريين عن "الفقر المائي"، وكأنه يتحدث عن كارثة سماوية لا علاقة له بها.

كيف يمكن لرئيس يقول إن المياه لا تكفي الشعب، أن يوقع أخطر اتفاق متعلق بالنيل منذ قرن كامل؟ وكيف يمكن لنظام يزعم حماية الأمن القومي أن يتعامل مع النيل بهذه الخفة؟

الحقيقة التي يحاول الإعلام الرسمي دفنها أن السيسي لم يفشل فقط في ملف سد النهضة، بل ساهم عمليا في نقل مصر من موقع الدولة المسيطرة تاريخيا على ملف النيل إلى دولة تلهث خلف التفاوض بعد أن فقدت أوراق الضغط الأساسية.

ثالثا: تجويع المصريين لصالح اقتصاد الاستيراد

السيسي لا يريد اقتصادا منتجا، لأن الاقتصاد المنتج يخلق مجتمعا مستقلا يصعب التحكم فيه. لذلك اتجه النظام إلى نموذج مختلف، إلى اقتصاد يعتمد على الاستيراد، القروض، وبيع الأصول، والمشاريع الريعية.

مصر اليوم تستورد القمح بمليارات الدولارات سنويا رغم أنها تمتلك واحدة من أعظم البيئات الزراعية في العالم. وفي الوقت الذي يسمع فيه المصري خطاب "لا توجد مياه"، يرى أراضي تُباع أو تُؤجر لمستثمرين أجانب، وشركات خليجية تزرع في مصر للتصدير، بينما المواطن نفسه غير قادر على شراء الطعام.

المفارقة الصادمة أن الإمارات، التي لا تملك نهرا بحجم النيل، أصبحت تستثمر في الزراعة داخل مصر وتستفيد من الأرض والمياه المصريتين، بينما يُطلب من المصري أن يقتنع بأن بلده "فقير ولا يستطيع".

هذا ليس عجزا طبيعيا، هذه سياسات متعمدة أعادت ترتيب الاقتصاد بحيث يصبح المصري مستهلكا دائما، بينما تتحول بلاده إلى منصة استثمار مفتوحة للآخرين.

رابعا: من نهب الغاز إلى شراء الغاز المسروق

واحدة من أكثر المفارقات عبثية في عهد السيسي أن مصر التي كانت تملك احتياطات غاز ضخمة أصبحت تستورد الغاز من إسرائيل. النظام حاول تسويق ذلك باعتباره "تعاونا إقليميا"، لكن الحقيقة السياسية مختلفة تماما.

فالسيسي وقع اتفاقيات ترسيم بحرية مثيرة للجدل، وفتح الباب لتحالفات غازية مع إسرائيل وقبرص واليونان، ثم انتهى الأمر بمصر إلى شراء الغاز من الكيان الذي يحتل أرضا عربية ويستفيد من ثروات شرق المتوسط.

الأسوأ أن المواطن المصري هو من يدفع الثمن؛ عبر ارتفاع الأسعار، وزيادة فواتير الكهرباء، والانهيار المستمر لقيمة الجنيه.

أي منطق هذا؟ دولة تملك البحر والنيل والشمس والغاز، ثم تعيش على شراء الطاقة والغذاء من الخارج!

خامسا: بيع مصر قطعة قطعة

في عهد السيسي لم تعد الدولة تبني أصولا وطنية بقدر ما أصبحت تبيع ما تملكه؛ الموانئ، الأراضي، الشركات، الكهرباء، البنوك، العقارات.. كل شيء تقريبا أصبح معروضا للبيع.

والكارثة أن هذه السياسة لا تُقدم باعتبارها إجراء اضطراريا مؤقتا، بل كأنها "إنجاز اقتصادي". النظام اقترض مئات المليارات، ثم بدأ يسدد الفواتير عبر بيع ممتلكات الدولة نفسها.

هكذا تتحول مصر تدريجيا من دولة تملك اقتصادا، إلى دولة تؤجر اقتصادها، ثم إلى دولة مرهونة بالكامل للدائنين والمستثمرين الأجانب.

سادسا: لماذا يحتاج السيسي إلى شعب فقير؟

الفقر ليس نتيجة جانبية للنظام الحالي، بل أداة حكم. الشعب المنشغل بالأكل، والإيجار، والدواء، وفاتورة الكهرباء.. لن يملك وقتا لمحاسبة السلطة.

ولهذا تبدو كل السياسات الاقتصادية وكأنها تدفع عمدا نحو إنهاك الطبقة الوسطى، وتحطيم القدرة الشرائية، وإغراق الناس في الديون، وتحويل المواطن إلى كائن يبحث فقط عن النجاة اليومية.

السيسي لا يخاف من الفقر.. السيسي يحتاج الفقر، لأن الشعوب القوية اقتصاديا تطالب بحقوقها، بينما الشعوب المنهكة تُدار بالخوف والاحتياج.

خاتمة

ما يحدث في مصر ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل مشروع سياسي كامل يعيد تشكيل الدولة والمجتمع. السيسي لم يرث مصر قوية ثم عجز عن إنقاذها فقط، بل اتخذ سلسلة من القرارات التي دفعت البلاد نحو فقدان الأمن المائي، وتوسيع التبعية الغذائية، وربط الطاقة بإسرائيل، وبيع الأصول الوطنية، وإقناع المصريين بأن الفقر قدر لا مفر منه.

إن أخطر ما يفعله النظام ليس تجويع الناس فقط، بل قتل فكرة المستقبل داخلهم. لقد تحولت مصر من دولة كانت تحلم بالتصنيع والريادة والاستقلال، إلى دولة يُطلب من شعبها أن يقتنع بأن أقصى طموحه هو البقاء على قيد الحياة.

ويبقى السؤال الذي يهرب منه الإعلام الرسمي دائما: هل فشلت مصر فعلا بسبب نقص الموارد؟ أم أن هناك سلطة اختارت عمدا أن تجعل مصر دولة ضعيفة تابعة يسهل التحكم فيها وبيعها قطعة قطعة؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)