عن الفارق بين أزمة القيادة وقيادة الأزمة

محمد ثابت
"المراجعات والعمل على التغيير النظري ثم العملي بما يناسب واقع الحال"- ويكيميديا كومنز
"المراجعات والعمل على التغيير النظري ثم العملي بما يناسب واقع الحال"- ويكيميديا كومنز
شارك الخبر
تختلط الأمور وتتداخل لسنوات طويلة عقب محاولات الثورات في دول الربيع العربي، أو حتى لدى حركات الخروج من عباءة الظلم طويل الأجل في العالم، ولماذا لا يأذن الله بالتغيير العاجل، إذ إن للتغيير مستلزمات؛ بينها تغيير كافٍ داخل الراغبين فيه، وبالتالي امتلاك لمقوماته من: العمل السريع المتمم لمسيرة طويلة من جيد الأفعال لمحاولة إقراره، ومن ثم الإخلاص، والصبر والدأب عليه، والإصرار على الدفاع عنه، ومناسبة الأجواء الداخلية له؛ وأيضا القدرة على مواجهة التحديات الخارجية، فإن لم يكن الأمر الأخير متواجدا فإن القدرة على تحمّل مزيد من الصعوبات واجبة.

بالإضافة لما سبق من صعوبات، يجب التحلي بوعي كاف ولازم لمعرفة الأكثر إفادة وحكمة من مخطئ وصائب الأفعال، وكلها أمور يزيد من صعوبتها افتقاد وجود قيادة حكيمة ذات روية، تؤثر مصلحة الوطن ومن قبل الأمة على خاصة مصلحة صاحبها، فإن لم تكن لتفعل هذا لأجل الرغبة في الإصلاح إرضاء للخالق العظيم الذي خلقنا لإعمار الأرض، فإنها لتفعلها لنبل في الطينة التي خلقها الله وسويت منها، ولتقديس داخل ذاتها للهدف من حياتها:

1- يظن كثيرون أن الثورات توأد أو تختنق في المهد أو حتى تحت ضراوة الضربات الأكثر من موجعة، والناظر للتاريخ المصري الحديث والمعاصر لا يجد أثرا لذلك، بل يجد الثورة نارا تعتمل تحت كثير من رماد الطغاة وأتباعهم. ففي كانون الثاني/ يناير من عام 1977م خرج المصريون للشوارع رافضين زيادة الأسعار، خاصة في العاصمة وطرف من المدن الرئيسية، وبالفعل شل الراحل الرئيس أنور السادات أركان ما ظنه انتفاضة؛ بل أسمى بوادر الثورة: "انتفاضة الحرامية"، وكان على المصريين انتظار اعتوار وتداخل لهب النيران بأنفسهم على مدار أكثر من ثلاثين عاما حتى يناير مضيء آخر في 2011م. وهكذا، فإن اختنقت الثورة مرحليا فإنها تضطرم تحت جلد النفوس الأبية الصابرة ليوم آخر قريب بإذن الله تعالى.

2- لم يكن الراحل سعد زغلول مبرّأ من العيوب؛ ورغم هذا نجح في قيادة ثورة شعبية ضخمة هزت الإنجليز الذين كانوا يحتلون مصر، والملك فؤاد الذي لم يكن عادلا في 1919م. وفي مذكرات زغلول التي نشرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب في الجزأين الثالث والسابع يقر -رحمه الله- بإدمانه لعب القمار، حتى أنه كان يأمر أقرب مرافقيه بأن يزجروه بالقوة إن ذهب للعب بعد الخسائر المالية الكبيرة التي طالته. وكذلك كانت لغاندي الهند سلبيات كبرى، وصدق القائل بأن الشخصيات العظيمة تكون أخطاؤها كذلك، بالطبع إلا من رحم الله؛ خاصة من المتصلين بصلة قوية جدا منه.

3- يقر كل عاقل بأن الكمال لله تعالى، ولكن ما بأسفل هذه الجملة كبير وكثير، فليس هفوة النفوس البشرية تقارَن بأي حال بما علاها من إيثار المتاع الفاني على مصلحة الأمة والوطن الباقية، ويبقى مرور الزمان عدوا واضحا كاشف اللثام عن وجه غير مريح ولا جيد، يظن كثيرون -إلا من رحم ربي- بعد سنوات من عمر مسيرة الإصلاح أن الأمور قد خبأت، وأن الشمعة قاربت الانطفاء، فتذهب كل نفس -إلا المُخلصين- خلف هواها، فيعود صاحبها صفر اليدين من زائل الرغبة في الخير للآخرين بسبب بالغ محبة الخير للأنفس المقربة بالإضافة للتي بين جانبيه، وهي مسيرة للأسف خابت بها مساعي أمم حتى حين..

4- على أن عدم اعتراف النفس البشرية بالتراجع عن روح الفضيلة ومحاولات صاحبها الصلاح أولا قبل إصلاح الآخرين لهو إحدى أكبر المعضلات، فيظل البعض على موقف جليل مقبل من محبة الإصلاح، وفي الداخل تنبت محبة الدنيا أكثر، وبالتالي الرغبة في الاستئثار بالخيرات، ورحم الله الشاعر:

لولا المشقة ساد الناس كلهم    الجود يفقر والإقدام قتال

5- ويبقى ادعاء المثالية من أكثر أمراض الأمة مرارة، فترى أن البعض متحدث أكثر من لبق، يقنعنك بصحة قرارته وعالمه بلسانه، حتى إذا غادرته لم تجد من ذلك شيئا، والأمثلة مؤلمة وكثيرة، والسكوت عنها أفضل!

6- كان سيدنا آدم أول خلق الله إنسانا، وكان نبيا، ذلك لأن أبناء آدم كانوا بحاجة لقدوة يتبعونها، وظلوا من بعده في احتياج لسلوك عملي أو سيرة لإنسان يرون فيه تعاليم السماء تسير أمامهم، ولذلك كان قول السيدة عائشة -رضي الله عنها- في الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته لما سُئلت عنه: "فإنَّ خُلُقَ نبيِّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كان القُرآنَ" (أخرجه مسلم).

7- أعد البعض أنفسهم لمسيرة إصلاحية بمعناها الحرفي الذي يتضاد، وبالتالي فمسيرتهم لم تتضمن الثورية؛ فعلوا ذلك الأمر لسنوات طويلة حتى فوجئوا بالشباب الذي كان ينطوي تحت مظلتهم يثور، فتدافعوا للثورة، وليس لأمر تفضيل "الإصلاح" وحده وليس بالتطوير المناسب الناتج عن التغيير إلا كل ما هو نافع للإنسان، ولكن التذبذب بين الإصلاح بمعناه السلمي المطلق والثورية ثم العودة للإصلاح هو مما يترتب من تخبط لا حل له سوى المراجعات والعمل على التغيير النظري ثم العملي بما يناسب واقع الحال.

8- تنشأ الشخصية في أمتنا على الفطرة السوية ثم تبحث تلقائيا عن رائد يقودها لإكمال المسير، فإن لم تجد سلك البعض سبل المنفعة الخاصة. وما تزال كلمات الشيخ الغزالي تدوي في الأذهان وخلاصتها أن أناسا لم يجدوا لهم مكانا في عالم الدنيا وأصحابها فدلفوا إلى الدعوة؛ فأساؤوا إلى الدعوة وبلغوا الدنيا. وفي قوله -رحمة الله عليه- إقرار بالألم الذي يسببه بعض من الذين لا يحيدون عن الدنيا سواء بطلبها أو المداورة وادعاء طلب الآخرة، وبالتالي الإقرار بعدم وجود استقلالية لدى بعض أبناء الأمة للأسف، خاصة لما يتسللون إلى ما لا يُفضلُ أن يكونوا فيه!

9- لماذا لا نكون صادقين في مطالبنا، متصالحين مع أنفسنا فيها؟ فعيب طلب الدنيا عائد لطالبها وبينه وبين ربه، فلماذا يقحم الذين يريدون مستقبلا أفضل في الدنيا لأنفسهم وخاصة خاصتهم فحسب؟ ولماذا يحمون أنفسهم بأمر الإصلاح قبل غيره، فيظلون في دائرة غالبتهم أنفسهم عليها فغلبتهم، فيؤخرون أمور إصلاح الأحوال لأبعد مدى، ويزيدون الذين يريدون مواصلة الطريق رهقا، ويوجعون حتى الذين لم يبدأوا المسير بعد؟!

10- وحين يشاء الله تعالى يهيئ الطالب والمطلوب لأمر الإصلاح وبالتالي التغيير، وحينها تهتدي مركبة ثورة مثل المصرية لقائد يحدد الكلمات في مصطلحها بعلم بارز ويقود نحو الأمام، ويهيئ له زمرة من الصادقين المخلصين يهتدون بقدراته، وإن غدا لناظره لقريب، بإذن الله.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)