دعيتُ لمحاضرة خاصة قديمة يعود تاريخها
لأكثر من ثلاثة عقود في منطقة بعيدة عن مقر إقامتي؛ جاء الضيف مسنّا خفيف الظل؛
وأعتقد أن العمر يمتد به حتى الآن، روى لنا أنه ما في الحياة شيء يمكنه أن "يخطفَ"
داعية الدعوةُ هي غاية حياته. وأفاض في حكم الإعدام العسكري الذي ناله في عهد
الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكيف تم إيقاف الحكم لكن بعد صدور الأمر بالتصويب
المباشر عليه وبالتالي عدم تنفيذه. وأردف بعد عاصفة من الضحك من الموجودين حول
نادرة؛ أن ظن نفسه استُشهدَ فيما هو في المستشفى يعالج من غيبوبة نتيجة صدمة حادة
لزمته عقب ظنه الموت. وفي سياق نوادر الرجل المنسابة في أجواء كانت تناسب بداية
التسعينيات من القرن الماضي، ذكر أنه قريبا كان في زيارة لأقاصي الصعيد، فزار
مجموعة من النسوة ليلقي محاضرة عليهن، وفيما يتحدث كان طفل شب عن الفطام لا يصمت
فيما تريد والدته الاستماع للمحاضرة، فلما ملت ورفضت القيام وترك الأخريات يستمعن
قالت للمحاضر: "ألستَ تقول إنك داعية قادر على كل شيء في هذه الدنيا، فأصمت
لي ولدي هذا"!
1- كنا بميعة حكم الرئيس الراحل حسني مبارك، ولم
يكن حينها يتجاوز الستين بكثير، وكان اجتماعنا على البر الثاني مباشرة من قسم
الشرطة، وأخبرني صديق حينها أنه حدث كثيرا أن كانت مكبرات الصوت تفتح في المسجد
فيسمع مرتادو القسم أقسى أنواع النقد لمبارك ولهم ولكامل النظام. وفيما اعتدنا
ثورية خطب الجمعة، لم يكن الأمر يزيد عن استقبال القسم لجنود الأمن المركزي
القادمين من العاصمة أو المحافظة، تحسبا لطارئ لم يره الصديق يحدث على مدار سنوات.
ولا أحسب أن الميكرفون كان مفتوحا أثناء كلمات الداعية الذي وصم مبارك بالطاغوت
كما عبد الناصر، وقد حث الحضور على
الدعوة وعدم الخوف من بشر، وكأن التوازنات التي
رعاها مبارك في حضور المحاضرة والضيف لم يكن البعض حريصا عليها!
2- ومن النقطة السابقة ينطلق التساؤل ويظل
مدى حياة الحريصين على خير البشرية خاصة ممن عرفوا الله تعالى: "ماذا نخسر
بغياب المصلحين من حياتنا"؟ ولعل خير إجابة ما يحدث في
مصر نفسها اليوم، من
ازدياد حالات الانتحار على نحو لا يمكن أن يسر محبا للخير، حتى أن أمَّا لفتاتين
فتحت بثا مباشرا على أحد مواقع التواصل الاجتماعي لقرابة ساعة مؤخرا قبل أن تلقي
بنفسها من الطابق الثالث عشر، ولم يسأل أحد عنها من خلال البث المباشر أو استجابة
له حتى انتحرت، وفي اليوم التالي لوفاتها انتحرت طبيبة تاركة ابنة صغيرة أخرى تضاف
لكثير من الأبناء سيعانون اليتم وشظف الحياة، وفي اليوم التالي، والذي يليه..
وباختصار غاب المصلحون في صورة معتقلين وشهداء ومصابين وبالإجمال مضارين، وبقي
مئات الألوف -إن لم يكن أكثر- يعانون إهمال مؤسسات الدولة وتركها لهم بمعاناة أكثر
أزماتها أنها تمتد؛ تمزق أسري، وارتفاع لا يعقل في نسب الطلاق، وشهداء خاصة من
الفتيات نتيجة البحث عن مجرد لقمة خبز والعمل تحت ظروف لا تليق بالحفاظ على بشر.
وقد كان الغائبون يفتتحون المستشفيات والمراكز الطبية بالعشرات إن لم يكن أكثر،
ويحتضنون بالتوافق مع بعض مؤسسات الدولة اليتامى والأرامل!
3- من بعض ما يُعرف به علم مقاصد الشريعة
البحث فيما وراء الفعل خاصة الجمعي، ودرء المفاسد المقدم على جلب المصالح، فقد قبل
الرسول -صلى الله عليه وسلم- بصلح الحديبية بعد أن نوى الاعتمار ولبس الصحابة
الكرام رداءه، بل وافق على بنود صلح آلمت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وكثيرا من
الصحابة الكرام. ولماذا قال لخالد بن الوليد -رضي الله عنه- عقب معركة مؤتة "بل
أنتم الكرّارون"؟ وظاهر الأمر في الحالين غير ما ارتضاه الرسول العظيم الذي
كان ينظر بعين الله للحكمة من وراء الأمرين.
5- جملة: "ألست داعية تقدر على كل
شيء؟!" التي قالتها السيدة للداعية مرت مرور الكرام على شاب استمعها؛
وللحقيقة فإننا في عصر التخصص يجب أن يؤمن كل منا بأن له مجالا يبدع فيه -كأحسن ما
يكون- ولربما كانت من ورائه هواية، ولكن أن يبدع إنسان في كل مجال فإنها كانت
خصوصية للرسول العظيم، وبعض خلق الله تعالى، وحتى رسول الله عوتب من جانب ربه
إقرارا لمعنى في أذهاننا، ولك أُوتي مخلصون من فكرة أنهم ناجحون بكل شيء في زمان
كزماننا.
6- كان مبارك حاكما ظالما ما من شك بهذا أبدا،
ولكننا وجدنا مقولة للكواكبي -طيب الله ثراه- بأن الذي يزيح ظالما دون أن يعد بديلا
مناسبا مكانه فقد ساهم في المأساة التي ستنشأ من بعده؛ وإن الذين تعجلوا الخلاص من
الرئيس السادات -رحمه الله- أصابوا مصر والأمة، وإن الذين أزاحوا مباركا دون أن
يتدبروا ويعدوا البدائل اللازمة في عهده للأسف تركوا غصة في الصدور والأرواح!
7- في عصر كعصرنا وزمان كزماننا أن يأتي أحد
لطرف من الوطن العربي أو الإسلامي -بالصفات المشتركة فيهما- فتحاول إقناع الناس بأنهم
سيحققون "أستاذية العالم" بأحوالهم هذه؛ فإنما يحمّل نفسه -بالطبع على
افتراض صدقه- ويحمل الناس فوق ما يمكن أن يتحملوا أو حتى يطيقوا!
8- يجب أن نعي أن لله سننا كونية لا تتبدل
ولا تتغير، وأن عمل كل منا بإخلاص في مجاله يمثل ذرّة في حقل نهضة أمة، لكن حين
قيام كلّ بالعمل فيما يجيد يجب أن ننتظر متغيرات إلهية في الأساس ثم دولية تعيد
أمتنا لمكانها وتشرق بها شمس حضارتها، وهي أمور تُحسب وتُستنهض لها الهمم لكن دون
جداول ومخططات تُري الحقائق قائليها أنه يجب أن يعودوا للأساسات من جديد كما فعل
الراحل حسن البنا في أواخر أيامه!
9- إن الدعوة للازدهار والتقدم وفهم الغايات
من الحياة والعمل الدؤوب للتغيير وفق منظور حضاري يبني ذرّة فذرة -ما أمكن- ليس
ترفا أو بحبوحة فكر، وإنما هدف حياتي وإيماني، فإنما يقدم الداعية للأمة أفضل ما لديه،
يكفيه أن يقرأ ويفهم فيتدبر كلماته أقل القليل، وإلا فليُشهد الله على أنه حاول.
10- يضيق البعض ربما بقصد وربما بدون على كل
من لا يقول بأفكارهم، وليس أنسب في هذا المجال من الحديث الشريف عن أبي سعيد
الخدري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام خطيبا، فكان فيما قال: لا يمنعنَّ
رجلا هيبةُ الناسِ أن يقولَ بحقٍّ إذا رآه أو شهِدَه فإنه لا يقرِّبُ من أجلٍ ولا
يباعِدُ من رزقٍ.." (أخرجه الترمذي وغيره).
11- ورحم الله القائل: إن العالم فيه من
الظلمات ما يكفي لأحاول أن تضيئه كلماتي!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.