مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (36)

علي شيخون
"وجهات قائمة بذاتها تنتظر من يكتشفها ويُقدّمها للعالم بما تستحق"- جيتي
"وجهات قائمة بذاتها تنتظر من يكتشفها ويُقدّمها للعالم بما تستحق"- جيتي
شارك الخبر
36- السياحة المستدامة كمورد اقتصادي

حين تقف على أرض عجنتها آلاف السنين وتشعر أن الهواء نفسه يحمل أسرارا لم تُحكَ بعد، تدرك أنك لست في مكان عادي؛ أنت في بلد يسكنك قبل أن تسكنه، هذه هي مصر وهذه هي ورقتها الأقوى في لعبة الاقتصاد العالمي شريطة أن تعرف كيف تلعبها.

وإذا أرادت مصر أن تستثمر قطاع السياحة بصورة مثلى فعليها إعادة تشكيل النموذج السياحي من جذوره وتوسيع دائرة ما تُقدّمه لتتجاوز المعالم الشهيرة نحو كنوز البيئة والطب والثقافة الحية، وهي وجهات قائمة بذاتها تنتظر من يكتشفها ويُقدّمها للعالم بما تستحق.

هذا المقال يكشف كيف تُعاد صياغة النموذج السياحي المصري ليكون فريدا ومتنوعا ورقميا وصامدا في آنٍ واحد.

أهمية السياحة ودورها في نهضة مصر الاقتصادية

في عالم تتنافس فيه الأمم على كل شيء، تملك مصر ما يقف وحده في مكانه لأنه لا يُكرَّر، والفرق بين ما يُنافَس عليه وما يُحتكَر طبيعيا شاسع، فالأول يمكن تجاوزه والثاني يبقى حكرا على من منحه الله تعالى من الجغرافيا والتاريخ والحضارة. ومصر تملك الأول الثاني، فجاء احتكارها السياحي مكتملا قبل أن تُخطط له أي حكومة أو تشترطه أي سوق.

جوهر الفرصة السياحية المصرية أنها تقوم على تقديم ما يعجز غيرها عن تقديمه. ومن هذه النقطة تحديدا تتغير طبيعة السياحة، فتتحول من قطاع خدمي يستقبل الزوار إلى صناعة سيادية تُقدّم للعالم شيئا منقطع النظير.

وجوهر الفرصة السياحية المصرية أنها تقوم على تقديم ما يعجز غيرها عن تقديمه. ومن هذه النقطة تحديدا تتغير طبيعة السياحة، فتتحول من قطاع خدمي يستقبل الزوار إلى صناعة سيادية تُقدّم للعالم شيئا منقطع النظير.

السياحة في حقيقتها اقتصاد متكامل يعمل على محورين في آنٍ واحد يُنتج ويبيع، فحين يصل زائر إلى هذه الأرض يستهلك خدمة ويُضخّ ماله في شرايين اقتصاد حقيقي يمتد من المزارع إلى المصانع، ومن الحرفيين إلى المبدعين، ومن سائقي الأقصر إلى مصممي القاهرة. والسياحة تُنتج إيرادات متشعبة لا تستقر في بند واحد، لأنها تخترق كل القطاعات وتُلقّح كل منها بالحياة.

وهنا يكمن ما يستحق التوقف عنده، السياحة هي أكثر القطاعات قدرة على توزيع الثروة جغرافيا وإنسانيا. فهي تبني في المركز والأطراف معا، وتسير حيث يسير الأثر والجمال والتميّز، إلى الصعيد الذي يحمل من الحضارة ما يعجز عنه كل متحف في العالم، وإلى الصحراء الغربية إلى سيناء التي تجمع في رقعة واحدة ما فرّقه الكون بين قارات. السياحة هي الرافعة التي تصل الهامش بالمركز، وتحوّل الثروة الجغرافية المصرية المتناثرة إلى كنز اقتصادي موحد.

ويزيد في عمق هذا الدور أن السياحة تشتغل على عنصر تتجاوزه صناعات كثيرة هو الإنسان نفسه. كل توسع سياحي يعني مزيدا من الشباب المتكوّن في مدرسة الضيافة والتواصل والفهم الثقافي، ومزيدا من الكفاءات التي تحمل معها مهارات تتجاوز خدمة السياحة وحدها لتُثري كل قطاع تلجه. السياحة تُصدّر الصورة وتستورد الثقة، وتبني في صمت سمعة لا تصنعها الخطب ولا تُقيمها البيانات.

ثم إن الزائر حين يغادر يحمل معه المنتج المصري في حقيبته، والحكاية المصرية في ذاكرته، والشوق المصري في قلبه. وكل هذا يتحول في بلده إلى سفارة بلا جدران، يروي لأهله، يوصي أصدقاءه، ويشتري هدايا تحمل اسم مصر. السياحة إذن صناعة تجلب الزوار وتُطلق في الوقت ذاته آلة تسويق ناعمة تعمل على مدار الساعة في كل مكان وصله زائر راضٍ.

والأعمق من كل هذا أن السياحة في مصر تحمل وظيفة حضارية تتجاوز الأثر الاقتصادي. حين يقف إنسان من أي بقعة في العالم أمام صرح بناه أجداد هذا الشعب، ويشعر بثقل التاريخ وعظمة الإنجاز الإنساني؛ تترسّخ صورة مصر في وجدانه أمة لها وزنها وعمقها وحضورها في ضمير البشرية. وهذه الصورة تُترجَم اقتصاديا في كل تفاوض تجاري وكل شراكة استثمارية وكل نقاش دولي؛ لأن الأمم التي تحترم نفسها يحترمها الآخرون، والسياحة من أقوى أدوات احترام الذات المُعلَن أمام العالم.

السياحة تُقاس بمعياريْن معا بما تُدخله من عملة أجنبية وبما تُعيده من ثقة الإنسان المصري بنفسه حين يرى العالم يأتي إليه طوعا وشوقا.

أهمية السياحة اقتصاديا في الرؤية الإسلامية

عرف المسلمون السياحة قبل أن تُسمَّى سياحة، وأدركوا أثرها الاقتصادي قبل أن يُقنّنه علم الاقتصاد. فالرحلة في الفكر الإسلامي وسيلة لنقل المعرفة وتبادل السلع وصلة الأرحام الإنسانية بين الشعوب، والتاجر المسلم الذي يجوب الأرض يُعبد المسالك ويفتح الأسواق ويربط الحضارات، فيخدم بتجارته مجتمعاتٍ بأكملها في كل محطة يقف عندها.

والحج نفسه في جوهره الروحي العميق كان ولا يزال أعظم تجمّع اقتصادي دوري عرفته البشرية. فهو يجمع في موسم واحد أمما وشعوبا وثقافات، ويُحرّك قدرا هائلا من التبادل التجاري والمعرفي والإنساني. الفقه الإسلامي أدرك هذا البعد مبكرا، وأحاطه بمنظومة من الأحكام التي تصون حقوق المسافر وتُنظّم حركة التجارة وتحمي أمن الطريق، لأن السياحة في المنظور الإسلامي مسؤولية جماعية قبل أن تكون نشاطا فرديا.

والإسلام أرسى للسياحة الاقتصادية ركائز لا تجدها في غيره من المنظومات. فمبدأ الاستخلاف يجعل من توظيف مقدّرات الأرض السياحية واجبا شرعيا، لأن إهمال ما أودعه الله في هذه الأرض من جمال وأثر وطبيعة هو تقصير في أداء الأمانة. والأرض في المفهوم الإسلامي ليست ملكا مطلقا لجيل بعينه، لكنها وديعة تُستثمر وتُصان وتُورَّث أجمل مما استُلمت.

ومن هنا يأتي مفهوم الاستدامة السياحية في الإسلام متجذرا في العقيدة قبل أن يكون سياسة اقتصادية. فالنهي عن الإسراف والإفساد في الأرض يُقيّد السياحة بضوابط أخلاقية تحفظ البيئة وتصون الهوية وتكفل للأجيال القادمة حقها في إرث لم ينضب. هذه الضوابط هي ضمانة استمراريته وعمقه وأثره.

يأتي مفهوم الاستدامة السياحية في الإسلام متجذرا في العقيدة قبل أن يكون سياسة اقتصادية. فالنهي عن الإسراف والإفساد في الأرض يُقيّد السياحة بضوابط أخلاقية تحفظ البيئة وتصون الهوية وتكفل للأجيال القادمة حقها في إرث لم ينضب

وفي الإسلام أيضا بُعد إنساني يميّز السياحة عن مجرد تحصيل الربح، وهو مبدأ إكرام الضيف. الضيافة في الثقافة الإسلامية فريضة أخلاقية وصفة حضارية، وحين تتحول هذه القيمة الراسخة إلى منهج في الصناعة السياحية تتحول معها تجربة الزائر من مجرد خدمة يشتريها إلى ذكرى إنسانية يحملها. وهذا التميّز لا تستطيع أي دولة أن تصنعه بالتدريب وحده لأنه يسكن في الطبع قبل أن يُكتسب بالتعلم، وهو ميزة تنافسية أصيلة لا تملكها إلا الشعوب التي نشأت على هذه القيمة جيلا بعد جيل.

وحين تلتقي هذه الضيافة الأصيلة بالتنظيم الاحترافي والتسويق الذكي تتشكّل معادلة سياحية فريدة يصعب على المنافسين تقليدها؛ لأن المنافس يستطيع أن يبني فندقا مماثلا لكنه لن يستطيع أن يزرع في موظفيه ما زرعته قرون من التربية على الكرم والإيثار وحسن المعاملة.

والأهم أن الإسلام يربط السياحة بمنظومة العدالة التوزيعية. فعائد السياحة في المنظور الإسلامي ينبغي أن يصل إلى أصحاب الأرض الحقيقيين في المجتمعات المحلية التي تحمل في عاداتها وفنونها وطعامها وتراثها، ما يجذب الزوار من أقاصي الأرض. السياحة التي تُثري وسيطا وتُفقر مجتمعا سياحة منقوصة في ميزان الاقتصاد الإسلامي، أما السياحة التي تُحيي القرية وتُشغّل الحرفي وتُكرم الفلاح فتلك هي السياحة التي تستحق أن تُبنى حولها استراتيجية وطنية.

حين كانت السياحة حضارة

طريق الحرير كان أعظم منظومة سياحية واقتصادية عرفها العالم القديم. القوافل التي كانت تشقّ القارات بين الصين والهند وبلاد فارس والجزيرة العربية والبحر المتوسط كانت تنقل الأفكار والفنون والطب والفلسفة والأديان، وكل محطة توقفت عندها هذه القوافل نمت وازدهرت وبنت لنفسها اقتصادا قائما على استقبال المسافر وخدمته وإشباع حاجاته. سمرقند وبخارى والبصرة ودمشق والإسكندرية مدن عظيمة بنتها في جزء كبير منها حركة الناس والسلع والأفكار عبر الطرق التجارية، والسياحة كانت عمودها الفقري قبل أن يُخترع لها اسم.

وفي قلب الحضارة الإسلامية كانت مكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس تمثّل منظومة سياحية دينية استثنائية أسهمت في تغذية اقتصادات المنطقة بأسرها. فالحج وحده كان يجمع سنويا تجارا وعلماء وحكّاما وحرفيين من أقاصي الأرض، فتنشط الأسواق وتتبادل الشعوب ما لديها وتعود كل قافلة بما لم تحمله حين ذهبت. ابن بطوطة نفسه ذلك الرحّالة العظيم الذي جال الأرض على مدى عقود؛ كان في رحلاته شاهدا حيا على أن السفر والتعارف والتبادل كانت في صميم الحضارة الإسلامية قيمة ومنهجا واقتصادا.

أما البندقية في أوج مجدها فكانت تعرف جيدا أن ثروتها تقوم على موقعها وجمالها وقدرتها على استقبال العالم، فبنت لنفسها حضارة تستقطب التجار والسفراء والعلماء والفنانين، وجعلت من المدينة ذاتها منتجا سياحيا متكاملا قبل أن تعرف البشرية هذا المفهوم بقرون، وحين أدركت أن جمالها هو رأس مالها الأول صانته وطوّرته وجعلت منه مصدر ازدهار لا ينضب؛ البندقية اليوم تعيش على إرث صنعته قبل ستة قرون وهذا وحده درس يكفي.

وفي العصر الحديث شاهد

إسبانيا قررت في مرحلة من تاريخها أن تجعل من سياحتها ركيزة وطنية، فبنت حول هذا القرار منظومة متكاملة من البنية التحتية والتسويق والتنويع والجودة. ثمارها اليوم أنها تستقبل من الزوار ما يتجاوز عدد سكانها أضعافا، وأن السياحة باتت من أعمدة اقتصادها الكبرى. لكن السر الحقيقي لتجربتها يكمن في قدرتها على تحويل التنوع الجغرافي والثقافي الداخلي إلى منتجات سياحية متعددة تخاطب أسواقا مختلفة في آنٍ واحد. الشمال يختلف عن الجنوب، وكل إقليم يحمل هويته ومطبخه وتراثه، وكل هذا التنوع تحوّل إلى ثروة لا إلى تشتت.

وسويسرا التي لا تملك موارد طبيعية ضخمة ولا تاريخا حضاريا يمتد لآلاف السنين؛ بنت من جبالها ونظافتها وهدوئها ودقتها وجهة سياحية عالمية الصدى. قرارها الاستراتيجي كان بسيطا في صياغته عميقا في تطبيقه؛ تقديم تجربة لا مجرد منظر، فحين يأتي إليها زائر يشعر بنظام وأمان وجودة وخدمة تجعله يعود ويوصي غيره. السياحة السويسرية بنيت على الثقة قبل الجمال، وهذا ما جعلها صامدة عقودا متواصلة.

وقدّمت سنغافورة نموذجا مختلفا تماما دولة مدينة صغيرة لا تاريخ عريقا لها ولا طبيعة استثنائية، لكنها قررت أن تكون وجهة سياحية عالمية بقوة التخطيط والتنظيم والابتكار. فبنت مطارا يُصنَّف الأول عالميا مرات متتالية، وطوّرت منتجا سياحيا يقوم على التسوق والمأكل والترفيه والمؤتمرات، وجعلت من نظافتها وأمانها وكفاءة خدماتها ميزات تنافسية حقيقية. سنغافورة تُثبت أن السياحة تحتاج إلى إرادة استراتيجية وتنفيذ متقن وفهم عميق لما يريده الزائر قبل أن تحتاج بالضرورة إلى إرث تاريخي ضخم.

السياحة تصنعها الإرادة الاستراتيجية التي تعرف كيف تحوّل ما تملكه إلى ما يشتاق إليه العالم قبل أن تصنعها الجغرافيا وحدها

وفي المنطقة العربية، حوّلت دبي صحراءها إلى وجهة يقصدها الملايين من كل أصقاع الأرض. القرار كان جريئا؛ بناء سياحة من لا شيء عبر الاستثمار في التميّز والضخامة والابتكار. وحين أدركت أن الشمس والرمال لا تكفي، أضافت التسوق والمعمار الجريء والفعاليات العالمية والمطبخ العالمي، حتى باتت الوجهة ذاتها منتجا. دبي بنت سياحتها على مبدأ أن الزائر يريد أن يقول لمن خلفه كنت هناك وجعلت من كل تجربة حكاية تُروى.

أما ماليزيا فاختارت طريقا أكثر توازنا جمعت بين طبيعتها الاستوائية الخلّابة وتراثها الثقافي المتعدد وإسلامها المعتدل، لتبني نموذجا سياحيا يستقطب السياحة الدينية والبيئية والثقافية والعلاجية في منظومة واحدة متماسكة. وجعلت من سياحتها الحلال رسالة للعالم الإسلامي، فأصبحت وجهة مفضّلة لملايين المسلمين الباحثين عن راحة تنسجم مع قيمهم. التجربة الماليزية تُثبت أن الهوية الإسلامية حين تُحتضن وتُطوَّر تُصبح ميزة تنافسية لا عائقا.

كل هذه النماذج على اختلاف ظروفها ومواردها وتاريخها تجتمع على حقيقة واحدة؛ أن السياحة تصنعها الإرادة الاستراتيجية التي تعرف كيف تحوّل ما تملكه إلى ما يشتاق إليه العالم قبل أن تصنعها الجغرافيا وحدها.

ومصر تملك ما لم تجتمع عناصره في بلد آخر تاريخ يمتد لسبعة آلاف سنة، وطبيعة تجمع بين النهر والصحراء والبحر والجبل، وشعب ورث الضيافة عن أصل لا يُقلَّد، وحضارة حية تنبض في كل زقاق وكل سوق وكل وجه. ما تحتاجه فقط الإرادة على تقديمه كما يستحق، والعقل الاستراتيجي الذي يحوّل هذا الإرث إلى مشروع نهضة متكامل تُحسده عليه الأمم.

وفي المقال التالي نستعرض استراتيجيات النهوض بقطاع السياحة وتحدياتها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)