يلاحظ الراصد لخطابات السيسي، كثرة حديثه عن
الإخوان، بمناسبة وبدون مناسبة، وفي آخر خطاب له في عيد الفطر، تحدث عن الإخوان،
وفي حديثه دائما ينفي عن نفسه الخيانة، ويرمي الإخوان بها، وبتخريب البلد، وكلما
أراد أن يبرر الفشل في ملف من الملفات، ينسبه للإخوان، أو لثورة يناير، لكن
الشماعة الأكثر تعليقا لإخفاقاته وفشله: الإخوان، وبحسب تسميتهم أحيانا بقوله: أهل
الشر.
لم يعتد الخطاب الرسمي للحكام
المصريين
التركيز بهذا الشكل على فصيل، أو على معارضين، ويعتبر السيسي الحالة النشاز في هذا
السياق، ورغم أن عداوة الحكام السابقين لخصوم ومعارضين كانت أكثر وأشرس، لكنهم لم
يكثروا من الحديث عنهم كما نرى في خطاب السيسي.
فعبد الناصر والذي جاء بالحكم العسكري، وزج
بالإخوان في السجون بالآلاف، وشنق منهم قيادات كبيرة، وبرر ذلك بحادث المنشية،
الذي أطلق عليه الرصاص فيه، بغض النظر عن النقاش الدائر حول الحادث، لكن عبد
الناصر نلاحظ في خطاباته كلها، وقد حكم ستة عشر عاما، تكاد تحصي كم مرة ذكر
الإخوان المسلمين في خطاباته.
فسترى الحديث عن الإخوان كان مركزا في إعلام
السيسي، في عامين ارتبط الحديث فيهما بأحداث معينة، تصح أم لا عن الإخوان، في سنة
1954م، وكان الحديث حتى الحكم بإعدام قيادات الإخوان، ثم بدأ الحديث يقل تدريجيا
في الإعلام، المتمثل في الصحف والمجلات، وهو حديث محدود، وجاءت بعده أحداث العدوان
الثلاثي. والمرة الثانية في سنة 1965م، في المواجهة الثانية من نظام عبد الناصر،
استمر الهجوم أيضا لشهور، وبعد ذلك جاءت أحداث نكبة 1967م.
يأتي السيسي مختلفا عن كل الأنظمة التي مرت في تعمد حديثه عن الإخوان، ويكثر من ذلك بشكل واضح، وكذلك النخبة التي تحيط به، سواء نخبة سياسية أو إعلامية أو فنية، كل هذه الأذرع لا هم لها بناء على بوصلة السيسي سوى الإخوان، ووصم كل معارض للسيسي بأنه إخوان، بل السعي الإقليمي والدولي لمحاربتهم، وشيطنتهم، والتعاون مع أعدائهم الإقليميين، كالإمارات وغيرها.
وسنلاحظ أن الإعلام الناصري لم ينشغل كثيرا
بالحديث عن الإخوان، ولا عن حزب الوفد، إلا مرات معدودة كما أسلفت، ولا السينما
والفن نجد فيلما أو عملا فنيا يتحدث عن معارضي عبد الناصر إلا ما كان من أعمال
تاريخية، ربما تشير إشارات سريعة.
وإذا انتقلنا لنظام السادات، سنجد نفس
الحال، سواء مع الإخوان أو معارضيه من اليسار والشيوعيين، سلط إعلامه وفنه عليهم
فترة الخصام والمعارضة. ومبارك نفس الحال، في أوقات الصدام مع الإخوان، أو
المنافسة السياسية، وعند محاكماتهم العسكرية، كان إعلامه يتناول الإخوان.
يأتي السيسي مختلفا عن كل الأنظمة التي مرت
في تعمد حديثه عن الإخوان، ويكثر من ذلك بشكل واضح، وكذلك النخبة التي تحيط به،
سواء نخبة سياسية أو إعلامية أو فنية، كل هذه الأذرع لا هم لها بناء على بوصلة
السيسي سوى الإخوان، ووصم كل معارض للسيسي بأنه إخوان، بل السعي الإقليمي والدولي
لمحاربتهم، وشيطنتهم، والتعاون مع أعدائهم الإقليميين، كالإمارات وغيرها.
يعزو البعض السبب لعقدة الذنب، وعقدة المجرم
الذي تطارده جريمته دائما، وهو سبب يمكن أن يصح لو كان حديث السيسي عن رابعة
والمجازر، وهو ما يحدث منه في حالات عديدة، لكن الأمر هنا فيما أتصور مختلف تماما
عن هذه النقطة، وهو أمر له علاقة بمشروعية الأنظمة، وما قدمته من مشاريع وإنجازات.
فعبد الناصر كانت لديه مشاريع محلية
وإقليمية ودولية، وتحديات كبرى مهمة، لا تمثل الإخوان والمعارضة رقما مهما معها،
فكان لديه مشروع قومي وعروبي ودولي يسعى إليه، ويريد بناء زعامة لأنه يعلم على أي
كرسي حكم يجلس، ولديه تحديات كبرى مهمة، ولذا كانت سنوات حكمه كلها تحديات داخلية
وإقليمية، ودولية، فلديه ما يشغله، ويشغل النخبة من حوله، وأذرعه، ويشغل أجهزة
الدولة، فمن تأميم القناة، لتأميم الأراضي الزراعية، لتأميم الشركات، وغيره من
مشاريعه التي تتفق أو تختلف معه فيها، لكن لديه مشروع ورؤية، يعمل عليها، ويأتي
الحديث عن الإخوان ومعارضيه، على حسب السياق، أو على حسب الحاجة لذريعة في ملف من
الملفات. وهو ما يصح عن السادات، ومبارك في سنوات نصف حكمه الأولى.
السيسي أمره مختلف، فهو بنى شرعيته، ولا
يزال، وسيظل، على شيء واحد، زعمه: بأنه قضى على حكم الإخوان، وخلص مصر من حكمهم،
ويسوق نفسه للإقليم والعالم بهذا الشأن، الخلاص من حكم الإسلام السياسي، وقد تصلح
كذريعة لعام أو اثنين، ثم تأتيه تحديات الدولة والمجتمع، لكن السيسي الذي نال أكبر
قدر من التمويلات والمساعدات على مستوى تاريخ مصر، لم يستطع أن ينجز إنجازا واحدا
يشعر به المواطن في حياته الاقتصادية، ليجعله يغض الطرف عن القبضة الأمنية التي
يحكم بها الشعب.
فغاب المنجز الاقتصادي، والسياسي، والثقافي
وغيره، حتى النكتة السياسية التي كان المصريون يمتازون بها، ولا يكاد عصر يخلو
منها، فتسمع دائما عبارة المصريين: سمعت آخر نكتة على الحكومة؟! غابت النكتة
السياسية، ربما لأن السيسي نفسه أصبح أهم مصدر لها بتصريحاته، وعباراته، وكلماته،
ولأن الخيال السياسي لدى الشعب لم يعد بنفس سابق عهده، فالفقر لم يصب المجتمع
اقتصاديا فقط، بل حتى المخيال السياسي الشعبي أصابه.
ونفس الأمر تراه عند أذرع السيسي الإعلامية
والثقافية والفنية، فالعجز بين واضح، ومصدره الفشل أيضا، فإذا كان مصدر شرعية
السيسي التذكير الدائم بالإخوان والتخلص منهم، فهم أيضا نفس الحال، لا فكر ولا
عطاء ولا حيوية في الطرح، وقفوا عند حدود عجز وفشل السيسي، فإذا كانت بضاعة السيسي
الافتراء والادعاء، فزادوا عليه بالتمني والتخيل، فهم يتخيلون ما ينسب للإخوان ثم
يجعلونه حقائق، في أحداث لم يمر عليها سنوات قليلة، عاشها المشاهدون، بل كانوا
يختلقون الأمر في حينه، كجهاد النكاح وغيره من الأكاذيب، فيما لا يمكن أن يصدقه
عقل، أو ضمير.
ما يقوم به السيسي، هو نظام عمل، كان قد تبناه وزير الداخلية المصري السابق حبيب العادلي، حين جاء في وقت ما أطلق عليه: العمليات الإرهابية، وقد جاء واعدا مبارك بأنه سيقضي على الإرهاب، وأن هذه أهم أولوياته، وكلما شعر الناس أنه لا وجود لعمليات عنف، يخرج العادلي ليقول: الإرهاب لم ينته، نحن حاصرناه، لكن بذوره موجوده، لأن سبب شرعية وجوده في الوزارة، هو هذا الملف، فلو أعلن انتهاءه فما جدوى وجوده؟!
أصبحت بضاعة السيسي وأذرعه الإخوان، لا جديد
لديهم، ليس لديهم مشروع دولة، ولا مشروع تاريخ لهذه الدولة التي لها مكانة تاريخية
وجغرافية يشهد لها القاصي والداني، ويدرك الناس قيمة أن تهتم الأجهزة بملفات
الدولة، حين تراها تعمل بعيدا عن هذه البوصلة التي أصابها الحَوَل، فتراها تنجز،
كما رأينا في وقف الحرب في غزة، ووساطة مصر الآن في وقف الحرب في إيران، كل هذه
الجهود هي جهود أجهزة، تتبع نظام السيسي نفسه، لكنها عملت بعقلية الأجهزة، لا
بعقيلة رأس النظام الفاشل الذي ليس له سوى منجز واحد وهمي، هو إزاحة الإخوان، بما
يستحضره المصريون في كرة القدم دائما، بهدف مجدي عبد الغني، وهو هدف من ضربة جزاء
سببها حسام حسن، وفي مونديال آخر أحرزت مصر هدفا آخر على يد محمد صلاح، لكن ظل هدف
مجدي عبد الغني موضع الحديث بالسخرية تارة، وبالتندر تارة أخرى.
وهو نفس ما ينطلق على أذرع السيسي، لا حديث
ولا مجال سوى في موضوع واحد، لأنهم لا مجال للطرح غيره، هو الإخوان والإسلام
السياسي، فيترك الطبيب السيساوي الطب ويتكلم في الإسلام السياسي، ويترك الصحفي
موضوعاته، وحتى السياسي السابق كحسام بدراوي، يترك الحديث عن الواقع، ليجتر الحديث
عن الإخوان، لأنه علم أن هذا هو باب الرضا لدى السيسي.
ما يقوم به السيسي، هو نظام عمل، كان قد
تبناه وزير الداخلية المصري السابق حبيب العادلي، حين جاء في وقت ما أطلق عليه:
العمليات الإرهابية، وقد جاء واعدا مبارك بأنه سيقضي على الإرهاب، وأن هذه أهم
أولوياته، وكلما شعر الناس أنه لا وجود لعمليات عنف، يخرج العادلي ليقول: الإرهاب
لم ينته، نحن حاصرناه، لكن بذوره موجوده، لأن سبب شرعية وجوده في الوزارة، هو هذا
الملف، فلو أعلن انتهاءه فما جدوى وجوده؟!
لا ننكر أن الحديث عن الإخوان جزء منه لا
يقل أهمية عن هذا السبب، هو مطاردة الجريمة للمجرم، لكن الحديث عن هذه الأحداث
يستدعيها السيسي في أحايين معينة، لكن الاستدعاء الدائم هو الإخوان، وما مثله
انقلابه من خلاص، لأن الناس تقارن دائما بين فشله، وحالهم في حكمه، وبين حالهم وقت
الإخوان وثورة يناير، وذلك يهدد شرعيته، وشرعية من ارتبطوا به.
هي عنوان مرحلة ونظام وأذرعه، فلا يوجد
أدباء لنظام السيسي لديهم قصص وروايات وكتابة تعبر عن مشكلات المجتمع، إنما بوصلة
التقرب للسيسي فقط، وهو
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.