بعد معركة حامية الوطيس، وبعد جولة إعادة
فاز الدكتور مهندس محمد عبد الغني القيادي الناصري وعضو البرلمان السابق بموقع
نقيب المهندسين
المصريين ضد منافسه الرئيسي مرشح السلطة الوزير السابق والنقيب
الأسبق أيضا هاني ضاحي وبفارق ضخم في الأصوات حيث حصل عبد الغني على ضعف أصوات
منافسه رغم الحشد الحكومي الكثيف لصالحه.
تحمل هذه النتيجة العديد من الدلالات
السياسية والنقابية، وهي تمثل حدثا سياسيا أكبر منه نقابيا، فهي تأتي في لحظة موت
شبه تام للسياسة والعمل النقابي في مصر، مع هيمنة أحزاب السلطة على المشهد بعد
هندسة انتخابية لمشهد البرلمان (بغرفتيه) الذي فازت فيه بالتزكية القائمة الوطنية
التي شكلتها تلك الأحزاب مع عدد قليل من الأحزاب المعارضة، حيث لم يسمح لقوائم
أخرى بالمنافسة، وفاز مرشحوها بغالبية المقاعد الفردية، كما أن السلطة حاولت هندسة
الانتخابات النقابية في العديد من النقابات المهنية خلال الفترة الماضية وظهر ذلك
بقوة في انتخابات الأطباء، وبعض النقابات الأخرى، ولم يفلت من هذه الهندسة حتى
الآن سوى نقابتي الصحفيين والمهندسين.
قدم المهندسون المصريون في هذه الانتخابات درسا جديدا في التمسك باستقلال نقابتهم، ونقيبهم، وتقديم نموذج لإمكانية التغيير السلمي حتى لو كان في نقابة مهنية، فالنقابات المهنية عموما هي ضمير المجتمع بما تضمه من خيرة أبنائه الذين تلقوا تعليما عاليا، وتولوا مهنا متنوعة بين الطب والصيدلة والهندسة والتدريس والصحافة والإعلام، والمحاماة، والعلوم والتكنولوجيا، والتجارة، والصناعة، والزراعة إلخ.
نقابة المهندسين من أكبر وأثقل النقابات
المهنية في مصر فهي تضم مليون مهندس تقريبا، وهي نقابة الوزراء التي ورثت هذه
السمعة من نقابة المحامين قديما، إذ لا تخلو أي حكومة مصرية من عدد من المهندسين
قد يصل إلى نصفها أحيانا ناهيك أن رؤساء الحكومات المصرية خاصة في الفترة الأخيرة
كلهم
مهندسون، ولذا كانت السلطة وأحزابها، وعلى رأسها حزب مستقبل وطن حريصة على
السيطرة على هذه النقابة.
وحين فاز المهندس طارق النبراوي بموقع النقيب العام في
الدورة الماضية لم يتركه أعضاء المجلس من العسكريين السابقين، أو أعضاء حزب مستقبل
وطن ينفذ مشروعاته وسياساته النقابية، ووضعوا له العصي في الدواليب، ووصل الأمر حد
التحرك لعزله عبر جمعية عمومية طارئة دعوا إليها، وحشدوا لها باستخدام إمكانيات
الدولة، ولكن المهندسين انحازوا إلى نقيبهم في تلك المعركة، وصوتوا لتثبيته في
موقعه، حاول رجال حزب مستقبل وطن وبلاطجة تابعون له إفساد نتيجة التصويت، وخطف
الصناديق وتحطيمها، لكن اللجنة المشرفة على الانتخابات امتلكت الشجاعة لإعلان
النتيجة التي كانت قد انتهت من حصرها بالفعل، نتج عن هزيمة رجال السلطة في تلك
المعركة تقديمهم لاستقالاتهم من مجلس النقابة، وبذلك أكمل طارق النبراوي مدته
بهدوء، لكنه قرر عدم الترشح مجددا تاركا الفرصة لجيل جديد، وها هو خليفته ينتمي
لنفس تياره، ويبدو أنه سيعيش الأزمة ذاتها التي عاشها النبراوي من قبل، فقد كشفت
نتائج عضوية المجلس الأعلى للنقابة التي جرت الأسبوع الماضي عن فوز مرشحين عسكريين
أو أعضاء في حزب مستقبل وطن بأغلبية المقاعد (وسيظهر الشكل النهائي لهيئة المكتب
مطلع أبريل نيسان المقبل)، ولكن مع هذا سيظل الفوز بمنصب النقيب ذو دلالة أكبر،
وسيكون أمام النقيب الجديد تجربة سلفه النبراوي في التعامل مع أغلبية غير متوافقة
معه، كما سيكون أمامه مجددا سلاح العودة للجمعية العمومية عند أي خلاف يمكن أن
يعيق العمل النقابي.
وكما حدث في الجمعية العمومية الماضية حيث
سخرت السلطة إمكانياتها لنقل المهندسين عبر حافلات مكيفة من مواقع عملهم، وخاصة
المصالح الحكومية بهدف سحب الثقة من النبراوي فإذ بهذه الكتل المحمولة برا تجدد
الثقة في النقيب، فقد تكرر المشهد في الانتخابات الحالية حيث حشدت السلطة
المهندسين العاملين في مؤسسات وجهات حكومية للتصويت لمرشحها فإذ بهم يصوتون للمرشح
المعارض، وهذا يعطي مؤشرا على المزاج العام للطبقة الوسطى حين يتاح لها فرصة
الاختيار.
بسبب نشاطها الواسع، وارتباطها بالقضايا
الوطنية الكبرى، خاصة ذات الجوانب الهندسية، مثل الري والمياه، والسدود،
والعشوائيات، والتطوير الحضاري، والكهرباء، والطرق والكباري، والمدن الجديدة الخ
حرصت السلطة منذ وقت مبكر على وضع يدها على النقابة حتى لا تصدر منها أصوات معارضة
لسياساتها، ومشروعاتها غير المدروسة، وقد فرضت الحراسة على النقابة منذ العام 1995
مع سيطرة الإخوان المسلمون عليها،واستمرت تلك الحراسة حتى قيام ثورة يناير حيث
استعادت النقابة حريتها بعد جهود قانونية وسياسية قادتها حركة مهندسون ضد الحراسة
التي تشكلت من قوى سياسية متنوعة.
قدم المهندسون المصريون في هذه الانتخابات
درسا جديدا في التمسك باستقلال نقابتهم، ونقيبهم، وتقديم نموذج لإمكانية التغيير
السلمي حتى لو كان في نقابة مهنية، فالنقابات المهنية عموما هي ضمير المجتمع بما
تضمه من خيرة أبنائه الذين تلقوا تعليما عاليا، وتولوا مهنا متنوعة بين الطب
والصيدلة والهندسة والتدريس والصحافة والإعلام، والمحاماة، والعلوم والتكنولوجيا،
والتجارة، والصناعة، والزراعة إلخ. وحين يحرص هؤلاء المهنيون على استقلال نقاباتهم
عن السلطة حتى تحسن التعبير عنهم، وعن همومهم فإنهم سيقدمون نموذجا لباقي فئات المجتمع
في حسن اختيار ممثليهم.