التبرع بالجلد.. آخر صيحات الوطنية في مصر

مصطفى جاويش
نائبة بمجلس الشيوخ المصري طالبت بإنشاء "بنك وطني للأنسجة"، مع التوسع في التبرع بالجلد بعد الوفاة لصالح مصابي الحروق المتقدمة وتيسير إجراءاته..
نائبة بمجلس الشيوخ المصري طالبت بإنشاء "بنك وطني للأنسجة"، مع التوسع في التبرع بالجلد بعد الوفاة لصالح مصابي الحروق المتقدمة وتيسير إجراءاته..
شارك الخبر
"أوصي بالتبرع بكل أعضاء جسدي بعد الوفاة لما ينفع الناس"؛ كانت تلك تصريحات لفضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الشريف السابق، والتي أثارت جدلا واسعا في حينها؛ وجاء ذلك على هامش فعاليات مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في شهر مارس عام 2009، والذي انعقد آنذاك لبحث الأمور الشرعية والطبية لنقل الأعضاء البشرية.

ومنذ عدة أيام أثار مقترح طرحته نائبة بمجلس الشيوخ المصري بإنشاء "بنك وطني للأنسجة"، مع التوسع في التبرع بالجلد بعد الوفاة لصالح مصابي الحروق المتقدمة وتيسير إجراءاته، موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية، وبينما رأى مؤيدون أن المشروع يُمثّل ضرورة طبية وإنسانية ملحّة لإنقاذ آلاف المرضى سنوياً وتطوير منظومة علاج الحروق في مصر؛  اعتبر معارضون أنه يثير مخاوف تتعلق بحرمة الجسد" وإمكانية إساءة الاستخدام أو فتح الباب أمام الاتجار غير المشروع بالأعضاء، ما عمّق حالة الانقسام حول المقترح.

في علم طب الحروق، لا تُعامل زراعة الجلد كإجراء تجميلي أو رفاهية علاجية، بل كضرورة قد تفصل بين الحياة والموت. فالحروق العميقة تدمّر الحاجز الطبيعي للجسم، ما يفتح الباب واسعًا أمام العدوى، وفقدان السوائل، ومضاعفات قد تقود إلى فشل الأعضاء، وإعادة تغطية الجرح سريعًا برقعة جلدية ليست تحسينًا شكليًا؛ إنها استعادة لخط الدفاع الأول عن حياة المريض..
وفتح المقترح الباب أمام إعادة مناقشة ملف تيسير إجراءات التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، في خطوة أعادت تسليط الضوء على التحديات الدينية والقانونية والاجتماعية والأخلاقية التي تحيط بهذا الملف الحيوي؛ وبحسب القانون رقم 5 لسنة 2010 لتنظيم زرع الأعضاء البشرية، تشير المادة الثانية إلى "جواز نقل أي عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسم إنسان حي بقصد زرعه في جسم إنسان آخر، في حالة الضرورة التي تقتضي المحافظة على حياة المتلقي أو علاجه من مرض جسيم".

وجلد الإنسان هو العضو الأكبر في الجسم، يشكل حاجزاً حيوياً هاما، ويتكون نسيجياً من ثلاث طبقات رئيسية هي: الأولى هي البشرة: وهي الطبقة الخارجية الرقيقة، والثانية هي الأدمة: وتقع تحت البشرة، وهي طبقة سميكة من النسيج الضام، والطبقة الثالثة: تحت الأدمة وهي الطبقة الأعمق، تتكون من أنسجة دهنية وأنسجة ضامة فضفاضة.

وجلد الإنسان له وظائف حيوية هامة تشمل: الحماية؛ حيث يعمل كدرع ضد الميكروبات، ويمنع الجفاف، ويحجب الأشعة فوق البنفسجية، وتنظيم درجة حرارة الجسم عبر العرق، ويحتوي على مستقبلات عصبية للألم والحرارة والبرودة، ويقوم الجلد بإنتاج فيتامين "د" عند تعرضه لأشعة الشمس، ويلعب دوراً رئيسياً في التوازن الحيوي الداخلي للجسم.

وترقيع الجلد هو إجراء جراحي يتضمن نقل قطعة من الجلد السليم من منطقة في الجسم تسمى المنطقة المانحة إلى منطقة أخرى فقدت جلدها أو تضررت تسمى المنطقة المتلقية، ويمكن تشبيه الإجراء بزراعة قطعة من نسيج في مكان آخر، وتصبح عملية ترقيع الجلد ضرورية في الحالات التي لا يستطيع فيها الجلد أن يلتئم من تلقاء نفسه بشكل فعال أو عندما يكون هناك فقدان كبير في أنسجة الجلد، و الأسباب التي تستدعي الحاجة إلى إجراء ترقيع الجلد تشمل: الحروق خاصة من الدرجة الثانية العميقة أو الثالثة، والجروح الكبيرة، الناتجة عن الحوادث أو العمليات الجراحية ، ، إضافة إلى الأسباب التجميلية .

وفى حالة الترقيع الذاتي يتم أخذ الجلد من منطقة سليمة في جسم المريض نفسه وزراعته في المنطقة المصابة، ويعد الأفضل لأنه لا يوجد خطر من رفض الجسم للجلد، وفى ترقيع الجلد المتجانس، يتم أخذ الجلد من شخص متبرع آخر، وعادة يُستخدم كحل مؤقت لتغطية الحروق الكبيرة أو الجروح الواسعة لمنع العدوى وفقدان السوائل، في حالة كان لا يتوفر لدى المريض كمية كافية من الجلد السليم للترقيع الذاتي، سيرفض الجسم في النهاية هذا النوع من الترقيع، لذا يجب استبداله بترقيع ذاتي في وقت لاحق. والحالة الثالثة هي الترقيع الغيري أو المتباين حيث يتم أخذ الجلد من حيوان، وأيضا يُستخدم كحل مؤقت لتغطية الجروح والحروق حتى يتم إجراء ترقيع ذاتي، والطريقة الرابعة هي في الترقيع الصناعي حيث  يتم استخدام مواد صناعية تحاكي الجلد، وتستخدم كبديل مؤقت للجلد للمساعدة في التئام الجروح وتقليل خطر العدوى.

زراعة الجلد في الحروق.. عندما يصبح توفر العلاج اختبارًا حقيقيًا للسياسة الصحية

في علم طب الحروق، لا تُعامل زراعة الجلد كإجراء تجميلي أو رفاهية علاجية، بل كضرورة قد تفصل بين الحياة والموت. فالحروق العميقة تدمّر الحاجز الطبيعي للجسم، ما يفتح الباب واسعًا أمام العدوى، وفقدان السوائل، ومضاعفات قد تقود إلى فشل الأعضاء، وإعادة تغطية الجرح سريعًا برقعة جلدية ليست تحسينًا شكليًا؛ إنها استعادة لخط الدفاع الأول عن حياة المريض، حيث أنه في الحروق الواسعة تحديدًا، حين لا يملك المريض ما يكفي من الجلد السليم، وهنا تصبح بنوك الجلد طوق النجاة الحقيقي حيث أن تلك الرقع الجلدية المأخوذة من متبرعين وإن كانت لا تمنح حلًا دائمًا، لكنها تؤدي وظيفة حيوية لحفظ الحياة، وهنا يجب نشر التوعية الجماهيرية على أن عينة الجلد المتبرع بها تقتصر على أخذ طبقات سطحية دقيقة للغاية من مناطق غير ظاهرة في الجسم، مع بقاء الطبقات العميقة المسؤولة عن الشكل الخارجي سليمة تماماً، في حين يُرمم الجثمان طبياً بما يحفظ كرامة المتوفى ولا يؤثر على إجراءات الغُسل أو التكفين أو الدفن.

من زاوية اقتصاديات الصحة، قد يبدو الاستثمار في بنوك الجلد مكلفًا. لكن الحساب الدقيق يقول إن كل جرح يُغطى مبكرًا يعني عدوى أقل، جراحات أقل لاحقًا، إعاقات أقل، وأيام علاج أقصر. أي أن الإنفاق المسبق هنا يمنع نزيفًا ماليًا وبشريًا مضاعفًا في المستقبل.
ومن زاوية اقتصاديات الصحة، قد يبدو الاستثمار في بنوك الجلد مكلفًا. لكن الحساب الدقيق يقول إن كل جرح يُغطى مبكرًا يعني عدوى أقل، جراحات أقل لاحقًا، إعاقات أقل، وأيام علاج أقصر. أي أن الإنفاق المسبق هنا يمنع نزيفًا ماليًا وبشريًا مضاعفًا في المستقبل.

القضية إذن ليست تقنية، بل أولوية سياسية وإدارية لا يجوز تأجيلها حين تتوافر رقعة الجلد في الوقت المناسب، ينجح الطب. وحين لا تتوافر، فإن الفجوة لا تكون علمية، بل فجوة قرار وتنظيم وتمويل في النهاية، رقعة الجلد الصغيرة ليست مجرد نسيج بشري، بل معيار يقيس مدى قدرة أي نظام صحي على تحويل المعرفة إلى نجاة.

وقد بلغ عدد حوادث الحريق في مصر خلال عام 2025 نحو 51 ألفاً و29 حادثة، (بحسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء) ، وقد أسفرت عن 180 حالة وفاة، علماً بأن هذه الأرقام تعكس حوادث الحريق عموماً، وليست حصراً لحالات الحروق الطبية.

وكان من الغريب أن تتم المطالبة بإنشاء بنك للجد والأنسجة من إدارة مستشفى يتبع مؤسسة خيرية أهلية، والتي أعلنت عن نجاح زرع الجلد المستورد وإنقاذ حياة مريض مصاب بحروق شديدة ومساحة كبيرة من الجسم، وهنا يبرز دور الدولة في أهمية إنشاء "منظومة وطنية متكاملة لبنوك الأنسجة"، يتصدرها بنك الجلد مع اعتماد بروتوكولات وإجراءات طبية تضمن أعلى معايير الشفافية والعدالة والسلامة والجودة.
التعليقات (0)