ما بعد "قسد".. الجغرافيا العسكرية السورية إلى أين؟

حسين عبد العزيز
لم يفهم قادة "قسد" أن التحالف الأميركي معهم هو مجرد تحالف مرحلي، وهو ما عبر عنه برّاك حين قال "إن الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية انتهى إلى حد كبير".. جيتي
لم يفهم قادة "قسد" أن التحالف الأميركي معهم هو مجرد تحالف مرحلي، وهو ما عبر عنه برّاك حين قال "إن الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية انتهى إلى حد كبير".. جيتي
شارك الخبر
يخبرنا التاريخ القريب والبعيد كم احتوى عالم السياسة على شخوص سُذج لا يمكن وصفهم إلا بالغباء السياسي: يحتكمون للوعود والأمنيات ويتجاهلون وقائع الجغرافية وموازين القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية، وحتى الديمغرافية.

ليست المساحة كافية لتعداد الحالات الكثيرة، وليس اهتمام المقال هنا البحث في التاريخ على أهميته، لما يساعدنا في أخذ العِبر التاريخية في حاضرنا.

مناسبة هذا الكلام هو ما حصل لـ "قوات سورية الديمقراطية" المعروفة باسم "قسد" التي فقدت خلال أيام حلفائها المحليين من العرب في الجزيرة السورية وحليفها الدولي (الولايات المتحدة).

أخطاء "قسد" الكبرى

لم يكن خطأ "قسد" المطالبة بنظام سياسي تعددي يقوم على مبدأ المواطنة الكاملة لجميع السوريين، وإقامة حكم لا مركزي، فهذه المطالب تخدم جميع السوريين، لأنها باختصار أحد الشروط الأساسية لإقامة الدولة الحديثة، الدولة الديمقراطية ـ الليبرالية، دولة المواطنة بغض النظر عن الانتماء الأقوامية الفرعية التي تتحول تدريجياً من الحيز العام إلى الحيز الفردي الخاص.

كان الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت به "قسد" يكمن في أمرين رئيسيين:

أولاً، أنها جعلت من نفسها نداً لسلطة دمشق التي أصبحت بحكم الأمر الواقع، وباعتراف إقليمي ودولي، وأغلبية محلية، ممثلة لمعظم الشعب السوري، وممثلة لسورية في المحافل الدولية، كما لم تفهم حقيقة الاستراتيجية الأميركية والتغير في المزاج السياسي الأميركي تجاه الشرع، والمشروع الذي تعمل عليه إدارة ترمب في المنطقة، وخصوصاً بين سورية وإسرائيل.

لم يكن خطأ "قسد" المطالبة بنظام سياسي تعددي يقوم على مبدأ المواطنة الكاملة لجميع السوريين، وإقامة حكم لا مركزي، فهذه المطالب تخدم جميع السوريين، لأنها باختصار أحد الشروط الأساسية لإقامة الدولة الحديثة، الدولة الديمقراطية ـ الليبرالية، دولة المواطنة بغض النظر عن الانتماء الأقوامية الفرعية التي تتحول تدريجياً من الحيز العام إلى الحيز الفردي الخاص.
ترتب على هذه الندية الناجمة عن عدم الفهم السياسي، أن طالبت "قسد" باتفاق كامل بين الجانبين يقوم على مبدأ الأخذ والرد: تقبل "قسد" بموجبه الانضمام إلى وزارة الدفاع، مقابل البقاء على قوتها متماسكة، أو على جزء منها، تقبل الانخراط في الدولة مقابل تغيير النظام السياسي عبر إلغاء الإعلان الدستوري الذي تم إقراره في مارس الماضي.

لم يفهموا أن الاتفاقات التدريجية هي أفضل الحلول، بما يسمح لهم بالإبقاء على تحالفاتهم المحلية في إطار الدولة الجديدة، وأن سياسة كل شيء أو لا شيء ستنتهي بالضرورة بالحسم العسكري، وهو خيار ليس في مصلحة "قسد" إن كان على مستوى القدرات العسكرية، أو على صعيد المناخ الإقليمي والدولي.

ثانياً، كان الخطأ الاستراتيجي الثاني الذي ارتكبته "قوات سورية الديمقراطية" هو فتح خطوط التواصل مع إسرائيل على المستوى الإقليمي، ومع تيار شيخ عقل الدروز حكمت الهجري وبعض فلول النظام السوري السابق في منطقة الساحل على المستوى المحلي.

أفقد هذا التواصل ثقة الحكومة وثقة الشعب السوري بـ "قسد" وثقة حلفاءها من المكون العربي في الحسكة ودير الزور، وثقة قوى من المكون الكردي ذاته (حزب الوحدة الديمقراطي الكردي والحزب الديمقراطي التقدمي الكردي)، وثقة إقليم كردستان العراق الذي يرغب بإخراج عناصر حزب "العمال كردستاني PKK" من سورية، وأخيراً ثقة الولايات المتحدة التي ترفض التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري، وهو ما عبر عنه بكل وضوح المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، الذي وجه انتقادات حادة لقائد "قسد" مظلوم عبدي، خلال اجتماع مغلق عقد في مدينة أربيل، متهماً إياه بمحاولة جر إسرائيل إلى الشؤون الداخلية السورية، كما نقل موقع "ميدل إيست آي".

لم يفهم قادة "قسد" أن التحالف الأميركي معهم هو مجرد تحالف مرحلي، وهو ما عبر عنه برّاك حين قال "إن الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية انتهى إلى حد كبير".

في طبيعة الاتفاق

لا تعني هزيمة "قوات سورية الديمقراطية" عسكرياً والانصياع إلى مطالب الحكومة السورية، أن المسألة الكردية انتهت كإشكال وطني يحمل بثقله عبء التاريخ القائم على التمييز الإثني (نظام البعث)، بل يمكن القول بكل تأكيد أن المسألة انتقلت من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي الوطني، ووضعت المسألة الكردية في قلب المشروع الوطني السوري، وفي قلب مشروع الدولة المرجو.

ثمة خطوات إيجابية جداً قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع، يمكن البناء عليها لاحقاً عبر تحويلها إلى مشروع سياسي مؤطر بالدستور، بما ينقل الدولة القائمة من نمط الهيمنة اللين إلى نمط المشاركة التعددية المصونة بالدستور.

أولى الخطوات كانت المرسوم الرئاسي السوري بشأن المواطنين الكرد، وهو مرسوم " يُعد المواطنون السوريون الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وتعد هويتهم الثقافية واللغوية جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.. وإلغاء العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافّة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وتُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات".

ثاني الخطوات كانت البنود الواردة في الاتفاق الأخير بين حكومة دمشق و "قسد"، فبالإضافة إلى منح "قسد" مناصب رفيعة في مؤسسات الدولة، لا سيما الدفاع والداخلية ومحافظ الحسكة، فإن عملية دمج قوات "قسد" ستكون بطريقة ترضي الطرفين معاً، وإن كان منطوق الاتفاق لم يتحدث عن آلية الدمج، لكنه أكد على آلية ترضي الطرفين.

هذه الخطوات من شأنها أن تقلل من ثقل الهزيمة العسكرية للأكراد الموالين لمشروع الإدارة الذاتية، لكنها مع ذلك، تبقى خطوات أولية تحتاج إلى المزيد.

السويداء بعد "قسد"

المهم في هذه المرحلة ـ مرحلة السيادة وأمن الدولة ـ هو أن مرحلة ما بعد "قسد" ستمنح دمشق فرصة للتفرغ لمسألة التيار الانفصالي في السويداء ممثلا بتيار شيخ عقل الدروز حكمت الهجري المستمر ليس في نهجه الانفصالي عن سورية وفي نهجه التحالفي مع إسرائيل فحسب، بل بربط وجود دروز سورية وجودياً بإسرائيل حين قال في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية "العلاقة مع إسرائيل طبيعية وقائمة على روابط دم وعلاقات عائلية.. وإسرائيل أنقذت الدروز من إبادة جماعية".

لا تعني هزيمة "قوات سورية الديمقراطية" عسكرياً والانصياع إلى مطالب الحكومة السورية، أن المسألة الكردية انتهت كإشكال وطني يحمل بثقله عبء التاريخ القائم على التمييز الإثني (نظام البعث)، بل يمكن القول بكل تأكيد أن المسألة انتقلت من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي الوطني، ووضعت المسألة الكردية في قلب المشروع الوطني السوري، وفي قلب مشروع الدولة المرجو.
هنا، ومع تغير الجغرافيا العسكرية لصالح دمشق، يعمل الشرع على الاستفادة القصوى من الدعم الأميركي والإقليمي للمضي قدماً في توكيد سيادة "الدولة" على الجغرافيا السورية.

لن تستعجل دمشق كثيراً في حل ملف السويداء، لأسباب محلية تتعلق بطبيعة العلاقات الوشائجية للدروز من جهة، وطبيعة الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري من جهة أخرى.

لكنها تعمل على نسج التجربة مع "قسد" نحو السويداء وإن اختلفت بعض التفاصيل، إذ يبقى الأمر مرتبطاً بنضوج التفاهمات مع إسرائيل المصممة حتى على الاستمرار بدعم تيار الهجري سياسياً وعسكرياً، ولذلك يعمل الشرع على الخط الأميركي بقوة وبسرعة، في حين يتمهل العمل على الخط الإسرائيلي.

لأجل ذلك، جرت خطوة في غاية الأهمية تمثلت بزيارة مدير الأمن الداخلي في محافظة السويداء سليمان عبد الباقي إلى واشنطن لاطلاع صناع القرار على طبيعة المشهد في السويداء.

تمثل هذه الزيارة أهمية كبيرة، لا بسبب مصب عبد الباقي فحسب، بل أيضاً لأنه من إخواننا الدروز، ما يعطي لكلامه في واشنطن مصداقية.

ولذلك، لا يوجد في السويداء سوى احتمالين اثنين:

الأول، تكرار التجربة مع "قسد" إلى السويداء، وهذا أمر يتطلب موافقة إسرائيلية غير متوفرة الآن، وضغطاً أميركياً على إسرائيل، هو أيضاُ غير متوفر حتى الآن.

الثاني، العمل من داخل السويداء وخارجها، أي الاستمرار في الضغط والحصار، ثم الاستفادة من حالة التململ التي بدأت تظهر مؤخرا في السويداء من نهج الهجري الاستئثاري بمصير المحافظة، ويبدو أن هذا الملل سيتصاعد بعد مصير "قوات سورية الديمقراطية" والموقف الأمريكي.
التعليقات (0)