الأمم المستعارة تُسقطها الرياح

عادل الحامدي
"حين تتغيّر الحسابات، فإن أول ما يُلقى به من السفينة هو الحليف الضعيف، ولو كان بالأمس مقرّبا ومطيعا"- إكس
"حين تتغيّر الحسابات، فإن أول ما يُلقى به من السفينة هو الحليف الضعيف، ولو كان بالأمس مقرّبا ومطيعا"- إكس
شارك الخبر
منذ أن خطّ المؤرخون الأوائل سِيَر الإمبراطوريات، كان الدرس يتكرر بصيغ مختلفة: القوة العظمى لا تحمي، بل تُدير، ولا تمنح الشرعية، بل تؤجّل السقوط إلى حين.

ولنكن واضحين منذ البداية: فصل العلاقة بين الولايات المتحدة و"قسد" ليس بداية ولا نهاية. التاريخ الحديث يمتلئ بمحطات مماثلة، حيث تتخلّى القوى الكبرى عن حلفائها حين تتغير أولوياتها، أو حين تبدو الكلفة أعلى من المنفعة. ما نشهده اليوم ليس استثناء، بل استمرار لدورة تاريخية قديمة: الأمم التي تراهن على الحماية المستعارة سرعان ما تكتشف أن الرياح لا تهب إلا على من يثبت أقدامه على الأرض، وليس على من يختبئ تحت ظلّ قوة عابرة لا تنظر إلا إلى مصالحها.

في الأدب، كما في التاريخ، تبدو الاستعانة بالخارج طلبا للأمان كحيلة قصيرة النفس. فالغريب لا يرى فيك إلا أداة، ولا يعترف بك إلا بقدر ما تخدم مصالحه، أما حين تتغيّر الحسابات، فإن أول ما يُلقى به من السفينة هو الحليف الضعيف، ولو كان بالأمس مقرّبا ومطيعا.

فصل العلاقة بين الولايات المتحدة و"قسد" ليس بداية ولا نهاية. التاريخ الحديث يمتلئ بمحطات مماثلة، حيث تتخلّى القوى الكبرى عن حلفائها حين تتغير أولوياتها

من هذا المنطلق، يبدو الرهان العربي المزمن على الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها مصدرا للشرعية أو غطاء دوليا، رهانا يحتاج إلى مراجعة جذرية، لا على مستوى الشعارات، بل على مستوى التجربة الملموسة. فواشنطن، كما أثبتت الوقائع، لا تمنح شرعية سياسية، بل تصدر تراخيص مؤقتة للبقاء، قابلة للسحب في أي لحظة.

التاريخ القريب مليء بالأمثلة التي لا تحتاج إلى كثير شرح؛ أنظمة عربية عريقة بنت استقرارها على الرضا الأمريكي، وقدّمت نفسها بوصفها حليفا موثوقا في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب وضبط الإقليم، لكن حين تحرّكت الشعوب، أو تغيّرت أولويات واشنطن، تُركت تلك الأنظمة لمصيرها.

في تونس، لم يشفع لزين العابدين بن علي كل ما قدّمه من خدمات سياسية وأمنية، حين قررت الإدارة الأمريكية أن الزمن تغيّر. وفي مصر، لم تحمِ علاقة حسني مبارك الممتدة لعقود مع واشنطن نظامه من السقوط، ولا من مشهد الإذلال السياسي الذي أعقب ذلك السقوط.

أما الإسلاميون، فليسوا استثناء من هذا القانون القاسي. تجربة السودان شاهدة على أن تقديم التنازلات أملا في فك العزلة ورفع العقوبات لم يؤدِّ إلى استقرار ولا إلى حماية الدولة، بل انتهى بتفكك سياسي واجتماعي عميق. وحتى إيران، رغم خطابها الصدامي وما تملكه من أوراق قوة، حين تجاوبت مع المطالب الأمريكية في محطات متعددة، لم تحصد إلا مزيدا من الضغوط والعقوبات، لأن منطق الابتزاز لا يعرف الاكتفاء.

الولايات المتحدة لا تكافئ من يلين، بل ترفع سقف مطالبها، ولا تحترم من يتنازل، بل تطالبه بالمزيد.

وهنا تكمن المأساة: حين تتحول السياسة إلى رهان على الخارج، تُفرّغ الدولة من معناها الإنساني، تُختزل الشعوب إلى عبء، والشرعية إلى وثيقة صادرة من سفارة، والسيادة إلى بند قابل للتفاوض.

السياسة، في جوهرها، ليست إدارة علاقات عامة مع القوى الكبرى، بل عقد أخلاقي بين الحاكم والمجتمع. والشرعية الحقيقية لا تُستورد، ولا تُمنح، ولا تُحمى بأساطيل عابرة للمحيطات، بل تُبنى من الداخل، بالعدالة، والكرامة، والمشاركة، والاحترام المتبادل بين السلطة والناس.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه دولنا، أن تظن أن المظلّة الأمريكية قادرة على حمايتها من التاريخ. فالتاريخ لا ينسى، ولا يغفر لمن يسلّم مفاتيح مصيره طوعا، ولا يعترف بشرعية لا جذور لها في الأرض. وحده الاعتماد على الذات، وبناء التوازنات الإقليمية بعيدا عن أوهام الحماية الخارجية، هو ما يصنع الأمان الحقيقي. أما الرهان على الإمبراطوريات، فقد أثبت، مرة بعد مرة، أنه رهان خاسر مهما طال أمده.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون عن مدى قدرة الولايات المتحدة على الإمساك بزمام العالم، بل عن مدى استعدادنا نحن للتخلّي عن زمام أنفسنا. فالقوى الكبرى لا تصنع الفراغ، بل تستثمر فيه، ولا تفرض هيمنتها إلا حين تجد مجتمعات فقدت ثقتها بذاتها، أو أُفرغت من قدرتها على تخيّل مستقبل مستقل.

وقد لخّص القرآن هذه الحقيقة الكونية في آية بالغة العمق: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، وهي ليست خطابا دينيا مجردا، بل قانونا تاريخيا واجتماعيا يحكم صعود الأمم وسقوطها. فالتغيير لا يُفرض من الخارج، ولا تمنحه القوى العظمى، بل يُصنع حين تستعيد المجتمعات وعيها بذاتها وكرامتها ودورها في التاريخ.

وفي التجربة الإنسانية، لم تكن الإمبراطوريات، مهما بلغت قوتها، سوى محطات عابرة. روما التي حكمت العالم قرونا، سقطت حين تآكلت قيمها من الداخل قبل أن تخترقها جيوش البرابرة. والاتحاد السوفييتي، الذي بدا يوما عصيّا عن الانهيار، تفكك حين فقد الإنسان داخله الإيمان بالمشروع والمعنى، لا حين نفدت ترسانته العسكرية.

لقادة سوريا الجدد، الذين يقودون اليوم معركة الوحدة الوطنية والبناء بعد أن أطاحوا بنظام الاستبداد، يجب أن تبقى الحقيقة واضحة: لا تأسيس حقيقيا لدولة إلا على وحدة وطنية صادقة

إن استعادة الكرامة الإنسانية ليست ترفا فكريا ولا شعارا عاطفيا، بل هي الشرط الأول لبناء القوة الحقيقية. فهي التي تعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة والمجتمع، وتمنح السياسة معناها الأخلاقي، وتحوّل الشعوب من موضوعات للهيمنة إلى فواعل في صناعة مصيرها.

ومن هنا، فإن الفكاك من منطق التبعية لا يبدأ بإعلان القطيعة مع العالم، ولا برفع شعارات المواجهة، بل ببناء إنسان حرّ في وعيه، كريم في موقعه، واثق بأن قوته لا تُستمد من رضا القوى الكبرى عنه، بل من تصالحه مع ذاته، ومع تاريخه، ومع حقه الطبيعي في أن يكون سيّد قراره. حينها فقط، تعود الإمبراطوريات إلى حجمها الحقيقي، ويستعيد التاريخ توازنه، وتنهض الأمم لا بوصفها ظلالا في هوامش القوة، بل شركاء كاملي الأهلية في صناعة العالم.

ولقادة سوريا الجدد، الذين يقودون اليوم معركة الوحدة الوطنية والبناء بعد أن أطاحوا بنظام الاستبداد، يجب أن تبقى الحقيقة واضحة: لا تأسيس حقيقيا لدولة إلا على وحدة وطنية صادقة، تُعلي الإنسان، وتحمي كرامته من أي اختراق أو ابتزاز. فالقوة الحقيقية ليست في السيطرة أو في الخطب المهيبة، بل في الثقة المتبادلة بين الشعب والسلطة، في العدالة التي تُمارس قبل أن تُعلن، وفي الحرية التي تُحفظ قبل أن تُستعطف. من ينشد بناء وطن مستدام لا يختار طريقا مختصرا إلى الشرعية، بل يسلك درب الصبر، ويزرع الثقة، ويصون كرامة كل فرد فيه، لأن وحدة الشعب هي صمام الأمان، وكرامته عصية على كل قوى خارجية أو داخلية تحاول التلاعب بمصير الأمة.
التعليقات (0)