يؤشر التصعيد
المتواتر الذي تمارسه "
قسد" ضد القوات الحكومية السورية، إلى وجود استراتيجية
واضحة لدفع تلك القوات للتورط في
حرب، تستخدمها "قسد" ورقة تفاوض وضغط
سياسي للتخلص من استحقاقات اتفاق العاشر من آذار/ مارس، والتي تعتقد أنه سيؤدي إلى
تفكيك هياكلها وإنهاء مشروعها الذي استثمرت به سنوات طويلة.
بخلاف الفاعلين
السوريين الآخرين، تتميز "قسد" بامتلاكها الخبرة السياسية والتنظيم
والقدرة على التعبئة وكيفية استخدام الإعلام لصالح قضيتها، والأهم من كل ذلك،
التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى ورسم الأهداف المتوخاة وامتلاك آليات التنفيذ
العسكرية والسياسية، وشبكة علاقات واسعة مع دوائر القرار في عواصم القرار، وقدرة
كبيرة على تعبئة
الكرد في بلاد الشتات، وهو ما أهلها لتكون اللاعب الأول في
الجغرافية السورية بعد التغيير الذي شهدته البلاد. حتى يمكن اعتبار أن "قسد"
كان لها التأثير الأكثر بروزا في صناعة خارطة الأحداث في
سوريا، من خلال أدوارها
في السويداء والساحل، وهو ما كشفته بوضوح التقارير الدولية المحايدة، وعبرت عنه "قسد"
وقياداتها بشكل جلي، عبر قيادتها المطالبة بالتغيير الدستوري وإقرار اللامركزية
السياسية بوصفها الحل الأمثل لإخراج سوريا من بؤرة الأزمات، من منطلق أن البلاد لن
تعود إلى الحالة المركزية التي كانت عليها قبل عام 2011 وأنها لم تعد صالحة لإدارة
الأمور.
يمكن اعتبار أن "قسد" كان لها التأثير الأكثر بروزا في صناعة خارطة الأحداث في سوريا، من خلال أدوارها في السويداء والساحل، وهو ما كشفته بوضوح التقارير الدولية المحايدة، وعبرت عنه "قسد" وقياداتها بشكل جلي، عبر قيادتها المطالبة بالتغيير الدستوري وإقرار اللامركزية السياسية
كما أن هناك
وقائع على الأرض لا يمكن إغفالها، وهي بمثابة مكاسب يجب الانطلاق منها للتفاهم حول
مستقبل سوريا، إذا أرادت حكومة
الشرع تبني النهج الواقعي البراغماتي الذي تتعاطى
به في السياسة الدولية.
ومن الواضح، أن
الأدوات العسكرية جزء أساسي من استراتيجية "قسد" لتحقيق أهدافها، ورغم
محدودية تلك القدرات لخوض حرب مع قوات إدارة الشرع المدعومة إقليميا، إلا أنها
بتقديرات "قسد" وحساباتها السياسية، تكفي لإرباك قوات الحكومة العسكرية،
ولا سيما بعدما جرى تدعيمها بعناصر حزب العمال الكردستاني، الخبيرة والمدربة، التي
انسحبت من مواقعها تنفيذا لاتفاق مع الحكومة التركية، أو ما يسمى بـ"فلول
الأسد" الذين تؤكد التقارير وجودهم بالآلاف في مناطق سيطرة "قسد".
تستخدم "قسد"
قوتها العسكرية، رغم انخراطها في مسار تفاوضي مع الحكومة السورية، ما يعني أن
التصعيد المتواتر من قبلها هو أداة تفاوض بالدرجة الأولى، بهدف تحسين شروطها
التفاوضية، وإيصال رسائل معينة للحكومة السورية وللقوى الإقليمية والدولية أن عدم
الأخذ بالاعتبار لمطالبها ومصالحها دونه استمرار حالة التوتر في سوريا، وهو الهدف
الذي تسعى إليه أغلب القوى المشار إليها. ويتوافق هذا التوجه مع تيار حاكم ومؤثر داخل
الإدارة الذاتية الكردية، يطلق عليه البعض لقب "القنديليين"، نسبة إلى
عناصر وقادة من حزب العمال الكردستاني القادمين من جبال قنديل، ويعتقد هذا التيار
أنه لا بأس بخوض الحرب رغم تداعياتها الكارثية، ما دامت ستوصل إلى تحقيق هدف عزيز
مثل الحصول على نواة دولة قومية سيكون لها تأثير مهم على الكرد في تركيا وإيران
وحتى العراق.
لكن "قسد"
ومن خلال ما عاينته من نتائج حرب الحكومة السورية في الساحل والسويداء، تريد معركة
من نفس القماشة، معركة بشروط خاصة، مثل أن تكون ضمن مناطق ذات كثافة سكانية عالية،
وغير مؤثرة استراتيجيا على مشروع الكيان المأمول، ويمكن استجلاب التدخل الدولي لفض
النزاع بسرعة فيها، عبر الضغط على الحكومة السورية لوقف القتال، والأهم من كل ذلك،
تكون تداعياتها كبيرة ومؤثرة على موقف الحكومة السورية، وتعطي للقوى المؤثرة
والداعمة لـ"قسد" في الغرب سواء في الإعلام أو دوائر السياسة، مادة مهمة
للضغط على القيادات الغربية لتغيير مواقفها من حكومة الشرع ودعم مطالب الإدارة الكردية
في الحكم الذاتي أو حتى الانفصال.
هذا السيناريو بات معلوما لدى مختلف الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، لكن لا أحد يستطيع تغييره، أو على الأقل يحتاج تغييره إلى تغيير بنيوي شامل في بُنى "قسد" العسكرية والسياسية، وهو أمر غير ممكن في الظروف الحالية
هذا ما تكشّف
بوضوح في معارك الشيخ مقصود في حلب، وما تراهن "قسد" على حصوله في مناطق
أخرى، وتعتقد "قسد" أن مكاسبها مضمونة في كل الحالات؛ فمن جهة إذا استمرت
الحكومة في اتباع سياسات حذرة وعدم الانجرار للحرب، فإن "قسد" تُظهر
الحكومة طرفا عاجزا عن مواجهتها، وهذا يقوّي مزاعمها طرفا عسكريا قويا ويدفع حكومة
الشرع إلى اللجوء إلى مقاربة غير الضغط العسكري لتطبيق اتفاق العاشر من آذار/ مارس،
ومن جهة، إذا تورطت الحكومة في الإنخراط في الحرب، التي سينتج عنها بالحكم ضحايا
مدنيون كثر نتيجة اندماج المقاتلين بالسكان، فإن "قسد" سوف تستثمر ذلك
للتأليب على الحكومة والتذرع بالامتناع عن الاندماج وتفكيك هياكلها بذريعة أن
للحكومة نوايا لإبادة الأكراد واقتلاع من بيئتهم.
المشكلة، أن هذا
السيناريو بات معلوما لدى مختلف الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، لكن لا
أحد يستطيع تغييره، أو على الأقل يحتاج تغييره إلى تغيير بنيوي شامل في بُنى "قسد"
العسكرية والسياسية، وهو أمر غير ممكن في الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة
وسوريا على وجه التحديد، كما يستدعي تفكيك الشبكات الإقليمية والدولية التي تندمج
بها "قسد"، والأهم من كل ذلك، تغيير المنطق الذي يحكم هذه اللعبة، والذي
يقوم بدرجة كبيرة على حسابات المصالح الدولية والإقليمية المتضاربة في الغالب، وغير
الحاسمة بشأن وحدة سوريا ومصيرها المستقبلي، رغم الاتفاق المعلن عن إخراج سوريا من
تداعيات الحرب، إلا أنه لا يوجد اتفاق على التفاصيل الكثيرة في هذا السياق.
تستدرج "قسد"
الحرب، وتضعها ضمن قائمة خياراتها، وتدرك حجم المخاطر، لكن يبدو أن تقديرها يذهب إلى
أن المخاطر محتملة ضمن خطوات مدروسة ومحسوبة، ما دامت الغلة الاستراتيجية ستكون
بحجم الحصول على كيان مستقل طالما طمح له ساسة الكرد في كامل الإقليم.
x.com/ghazidahman1