هل يمثل بيان باريس انتقالا في نمط إدارة الصراع السوري الإسرائيلي؟

محمد كرواوي
"أسئلة تتعلق بحدود السيادة من جهة، وبكيفية إعادة تشكيل أنماط الحكامة الأمنية في الإقليم من جهة أخرى"- إكس
"أسئلة تتعلق بحدود السيادة من جهة، وبكيفية إعادة تشكيل أنماط الحكامة الأمنية في الإقليم من جهة أخرى"- إكس
شارك الخبر
يطرح البيان الأمريكي الإسرائيلي السوري الصادر في باريس تساؤلا تتعلق بطبيعة التحول الذي يشهده نمط إدارة العلاقة بين دمشق وتل أبيب. فبعيدا عن اعتباره اتفاقا سياسيا شاملا أو ترتيبا عابرا لخفض التصعيد، يبدو أن مضمونه الأقرب هو الانتقال من إدارة الصراع عبر مواجهات متقطعة وردع مرن، إلى إدارة مؤطرة بقنوات اتصال مؤسسية تحت إشراف أمريكي، دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى تسوية نهائية للملفات السيادية العالقة.

لا يتضمن البيان ما يشير إلى حسم موضوعات الحدود أو السيادة أو وضع الجولان، كما لا ينص على ترتيبات دبلوماسية مباشرة، لكنه يؤسس لآلية اتصال وتنسيق أمني مستمرة، بما يتيح تبادل المعلومات بصورة منظمة ومعالجة الاحتكاك قبل تحوله إلى تصعيد واسع. وبهذا المعنى، لا يغير الإطار الجديد جوهر الصراع، بقدر ما يضعه ضمن هندسة مؤسسية تضبط آليات التعامل معه وتحد من عنصر المفاجأة.

لا يغير الإطار الجديد جوهر الصراع، بقدر ما يضعه ضمن هندسة مؤسسية تضبط آليات التعامل معه وتحد من عنصر المفاجأة

بالنسبة لإسرائيل، يتيح هذا النمط قدرا أعلى من القدرة على إدارة المخاطر عبر قواعد اتصال ثابتة، بدل الاعتماد الحصري على الضربات الوقائية كأداة رئيسة للردع. فوجود قناة مؤطرة للتواصل يوفر وسيلة لتحويل جزء من الضغوط الميدانية إلى مسار قابل للمتابعة ضمن جدول تفاوضي وأمني، مع الاحتفاظ بهوامش التحرك التي تعتبرها المؤسسة الأمنية ضرورية في سياق التوازنات القائمة.

أما على الجانب السوري، فإن الانخراط في هذه الآلية يرتبط بالسعي إلى تقليص كلفة الاستنزاف الأمني، وإدخال العلاقة مع الطرف المقابل في إطار تواصلي منظم يتيح تثبيت الحضور الرسمي في إدارة الملفات الحدودية والأمنية. غير أن هذا المسار يظل مرتبطا بعدة محددات واقعية، من بينها استمرار الإشراف الدولي عليه، وإرجاء الموضوعات السيادية الكبرى إلى مراحل تفاوض لاحقة، الأمر الذي يضعه ضمن ترتيبات انتقالية أكثر مما يضعه ضمن حلول نهائية.

ويبرز في هذا السياق دور الولايات المتحدة بوصفها الطرف الذي يرعى آلية الاتصال ويؤطر بنيتها العامة. فإلى جانب وظيفة الوساطة، يشير البيان إلى شكل من أشكال الحكامة الأمنية التي تدار من خلالها العلاقة الحدودية بين الطرفين ضمن قناة ثلاثية، بما يعيد توزيع أدوار عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويحد من الطابع الارتجالي الذي طبع مراحل سابقة من إدارة التوتر.

حاجة إسرائيل إلى المحافظة على قدر من حرية العمل ضمن منطق الردع، وحاجة دمشق إلى ضمان أن التنسيق الأمني لا يُقرأ بوصفه مساسا بالسيادة، وحاجة الطرف الراعي إلى الحفاظ على استمرارية المسار دون الالتزام مسبقا بصيغة سياسية نهائية

ومع أن هذا النمط التنظيمي يسهم في تقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة، فإنه يظل محكوما بتوازن دقيق بين اعتبارات متباينة: حاجة إسرائيل إلى المحافظة على قدر من حرية العمل ضمن منطق الردع، وحاجة دمشق إلى ضمان أن التنسيق الأمني لا يُقرأ بوصفه مساسا بالسيادة، وحاجة الطرف الراعي إلى الحفاظ على استمرارية المسار دون الالتزام مسبقا بصيغة سياسية نهائية. وأي اختلال في هذا التوازن قد ينعكس على فعالية الآلية وعلى قدرتها على الاستمرار.

وعند مقارنته بترتيبات فك الاشتباك لعام 1974، يتضح أن المسار الحالي لا يقتصر على فكرة الفصل الجغرافي أو إنشاء مناطق فاصلة، بل يتجه إلى مأسسة قنوات اتصال دائمة تعنى بإدارة التماس وضبط مخاطره، مع اختلاف جوهري في طبيعة المرجعية الحاضنة للآلية. وهو ما يفتح أسئلة تتعلق بحدود السيادة من جهة، وبكيفية إعادة تشكيل أنماط الحكامة الأمنية في الإقليم من جهة أخرى.

بناء على ذلك، يمكن النظر إلى بيان باريس بوصفه خطوة تنقل إدارة الصراع إلى مستوى أكثر تنظيما، من دون أن تنقله بالضرورة إلى مستوى التسوية السياسية الشاملة. فهو يساهم في تقليل الهشاشة الناجمة عن غياب قنوات تواصل مباشرة، لكنه لا يقترب بعد من القضايا الجوهرية المرتبطة بإعادة تعريف العلاقة وحدودها القانونية والسيادية. ويظل مدى تطور هذا المسار رهينا بقدرته على الانتقال لاحقا من الضبط الأمني إلى أفق تفاوضي أوسع، أو استقراره ضمن صيغة طويلة الأمد لإدارة صراع منظم تحكمه قواعد اتصال مؤسسية دون حسم نهائي لموضوعاته الأساسية.
التعليقات (0)