مجلس السلام: قراءة في جدواه داخل نظام دولي مأزوم

محمد كرواوي
"الدفاع عن مجلس السلام لا يعني تجاهل المخاوف المشروعة المرتبطة بتركيز السلطة أو بتغليب منطق القوة"- البيت الأبيض
"الدفاع عن مجلس السلام لا يعني تجاهل المخاوف المشروعة المرتبطة بتركيز السلطة أو بتغليب منطق القوة"- البيت الأبيض
شارك الخبر
أثار الإعلان عن مجلس السلام، منذ لحظة خروجه إلى العلن، قدرا كبيرا من الجدل، وجرى التعامل معه في كثير من القراءات بوصفه مبادرة سلبية أو التفافا على الشرعية الدولية، بل وتهديدا لمنظومة الأمم المتحدة ذاتها. غير أن هذا التقييم، في جزء واسع منه، يستند إلى تصور معياري لما ينبغي أن يكون عليه النظام الدولي، أكثر مما ينطلق من تشخيص واقعي لما آل إليه فعلا. فالسؤال الجوهري لا يتعلق بما إذا كان مجلس السلام ينسجم شكليا مع الأطر الأممية التقليدية، بل بما إذا كان يقدم استجابة عملية لأزمة عميقة في آليات إنتاج السلام.

لقد كشفت العقود الأخيرة عن حدود بنيوية في اشتغال المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، الذي تحول في كثير من الحالات إلى فضاء لتعطيل القرار بدل صناعته. فحق النقض، وتضارب المصالح بين القوى الكبرى، جعلا من الشرعية القانونية إطارا قائما بذاته، منفصلا عن القدرة على الفعل. في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى مجلس السلام باعتباره قطيعة مع النظام الدولي، بل باعتباره محاولة للالتفاف على شلله، وإيجاد مسار مواز يشتغل بمنطق مختلف، قوامه تقليص عدد الفاعلين المعطلين، وربط القرار بإمكانيات التنفيذ.

يستمد مجلس السلام وجاهته من كونه يعيد طرح مسألة الشرعية بطريقة غير تقليدية

من هذه الزاوية، يستمد مجلس السلام وجاهته من كونه يعيد طرح مسألة الشرعية بطريقة غير تقليدية. فالشرعية هنا لا تختزل في المرجعية القانونية أو في الانتماء إلى منظومة أممية، بل ترتبط بالقدرة على تحقيق نتائج ملموسة. فالمؤسسة التي تنجح في تثبيت هدنة، أو فرض احترام اتفاق، أو إطلاق مسار تفاوضي قابل للاستمرار، تكتسب شرعية وظيفية لا تقل أهمية عن الشرعية الشكلية. هذا التحول في منطق الشرعية يعكس واقعا دوليا لم تعد فيه القواعد وحدها كافية لضبط النزاعات.

كما أن البنية المرنة لمجلس السلام تمثل، في حد ذاتها، عنصر قوة لا ضعفا. فالتجارب السابقة أظهرت أن توسيع دائرة المشاركين دون اشتراط الالتزام الفعلي، يؤدي في الغالب إلى قرارات توافقية فاقدة للأثر. في المقابل، يقوم مجلس السلام على فكرة أن الفاعلين القادرين على التمويل والضغط والتنفيذ هم الأقدر على تحمل مسؤولية السلام. ومن ثم، فإن حصر المشاركة، أو ربطها بشروط واضحة، لا يعني الإقصاء بقدر ما يعني تحميل الأطراف المنخرطة كلفة القرار، ومنع تحويل السلام إلى خطاب بلا التزامات.

الجدل الذي أثير حول البعد المالي للمجلس يعكس بدوره سوء فهم لطبيعة هذا الخيار، فاشتراط التمويل لا ينبغي قراءته كآلية ابتزاز أو تمييز، بل كوسيلة لضمان الجدية والاستمرارية. فالسلام، في السياقات المعاصرة، لم يعد مسألة نوايا حسنة، بل عملية معقدة تتطلب موارد ضخمة لإعادة الإعمار، وبناء الثقة، وضمان الأمن، ومن دون ربط القرار بالتمويل، يتحول السلام إلى إعلان سياسي سرعان ما يتراجع أمام الوقائع.

يمكن اعتبار مجلس السلام تعبيرا عن لحظة انتقالية في الحكامة الدولية، حيث لم تعد الأدوات القديمة قادرة على الاستجابة لتعقيد النزاعات المعاصرة

أما العلاقة بين مجلس السلام ومنظومة الأمم المتحدة، فلا تقوم على منطق الإلغاء أو الاستبدال، بل على إعادة توزيع للأدوار. فالمجلس لا يدعي امتلاك شرعية كونية بديلة، ولا يسعى إلى نسف الإطار الأممي، بل يعمل في الفراغات التي عجزت المؤسسات القائمة عن ملئها. وفي هذا المعنى، يمكن النظر إليه كآلية مكملة، تشتغل حين تتعطل القنوات التقليدية، وتنسحب حين تستعيد هذه القنوات فعاليتها.

الأهم من ذلك أن الدفاع عن مجلس السلام لا يعني تجاهل المخاوف المشروعة المرتبطة بتركيز السلطة أو بتغليب منطق القوة، غير أن المفارقة تكمن في أن النظام الدولي القائم، رغم خطابه القانوني، لم ينجح في تحييد القوة، بل اكتفى بإدارتها داخل مؤسسات مشلولة. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الواقعي هو أي الخيارين أقل كلفة: استمرار العجز باسم الشرعية، أم تجربة آليات جديدة قابلة للتصحيح والتقييم.

وعلى ذلك، يمكن اعتبار مجلس السلام تعبيرا عن لحظة انتقالية في الحكامة الدولية، حيث لم تعد الأدوات القديمة قادرة على الاستجابة لتعقيد النزاعات المعاصرة؛ قيمته لا تكمن في كونه نموذجا مثاليا، بل في كونه محاولة عملية لتقليص الفجوة بين الخطاب الدولي والواقع الميداني، والحكم عليه ينبغي أن ينطلق من نتائجه، لا من نواياه، لأن السلام، في نهاية الأمر، لا يقاس بنقاء الإطار الذي ينتجه، بل بقدرته على وقف العنف وتقليص الكلفة الإنسانية.
التعليقات (0)