ترامب وبدائل الأمم المتحدة: ما دوافع "مجلس السلام" وما دلالاته للنظام الدولي؟

مجدي الشارف الشبعاني
"يبرز مشروع مجلس السلام الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفه تعبيرا عن تحوّل عميق في التفكير الدولي"- البيت الأبيض
"يبرز مشروع مجلس السلام الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفه تعبيرا عن تحوّل عميق في التفكير الدولي"- البيت الأبيض
شارك الخبر
لم يعد الجدل حول فعالية الأمم المتحدة مجرد نقاش سياسي عابر، بل تحوّل إلى سؤال بنيوي يمسّ جوهر النظام الدولي المعاصر: هل ما تزال المنظومة الأممية قادرة على إدارة النزاعات وصناعة السلام، أم أنها تحوّلت إلى إطار شرعي شكلي تُدار الأزمات من خارجه؟

غير أن مقاربة هذا السؤال تقتضي تجاوز الشكل المؤسسي للمبادرات الجديدة، والذهاب مباشرة إلى الدوافع السياسية والاقتصادية التي تقف خلفها، والمبررات التي تُقدَّم لتسويقها باعتبارها بدائل أكثر فاعلية للنظام الأممي القائم.

في هذا السياق، يبرز مشروع "مجلس السلام" الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفه تعبيرا عن تحوّل عميق في التفكير الدولي، لا يستهدف هدم الأمم المتحدة من الناحية القانونية، بقدر ما يسعى إلى تجاوزها عمليا عبر بناء منظومة موازية قائمة على منطق القوة والاقتصاد والفاعلية.

أزمة الأمم المتحدة بين الشرعية والفعالية
ينطلق "مجلس السلام" من فلسفة مغايرة جذريا، تقوم على إعادة ترتيب العلاقة بين الشرعية والقدرة

قامت الأمم المتحدة منذ تأسيسها سنة 1945 على مبدأ المساواة السيادية بين الدول، كما كرسته المادة (2/1) من ميثاقها. وكان هذا المبدأ، في سياقه التاريخي، ضمانة قانونية وأخلاقية لمنع هيمنة القوى الكبرى على القرار الدولي. غير أن التحولات العميقة في بنية النظام الدولي جعلت هذا المبدأ، في نظر عدد متزايد من صناع القرار، قيدا عمليا على الفعل الدولي.

فالواقع يكشف أن عددا كبيرا من الدول الأعضاء لا يملك قدرة مالية أو سياسية أو عسكرية تؤهله للمساهمة الفعلية في حل النزاعات، في حين تتحمل دول محدودة العبء الأكبر للتمويل والضمانات، دون أن يقابل ذلك وزنٌ حاسم في القرار التنفيذي. ومن هنا تتشكل إحدى أهم مبررات البدائل المقترحة: تحميل المسؤولية والقرار للدول القادرة على الدفع والتنفيذ.

وقد عبّر ترامب عن هذا المنطق بوضوح حين انتقد الأمم المتحدة باعتبارها منظمة "تستهلك موارد هائلة دون نتائج ملموسة"، معتبرا أن الفجوة بين حجم التمويل وضعف المخرجات باتت غير مبررة.

من شرعية التمثيل إلى شرعية الفعل: دوافع "مجلس السلام"

ينطلق "مجلس السلام" من فلسفة مغايرة جذريا، تقوم على إعادة ترتيب العلاقة بين الشرعية والقدرة. فبدل نموذج "دولة واحدة = صوت واحد"، يُسوَّق المشروع بوصفه آلية تقوم على:

• الفاعلية قبل التمثيل،

• التمويل المباشر بدل البيروقراطية الدولية،

• والدول القادرة بدل الدول المتساوية شكليا.

وبذلك، تنتقل فكرة الشرعية من كونها شرعية تمثيلية إلى شرعية ناتجة عن الفعل والتأثير. وهذه ليست مجرد رؤية نظرية، بل تمثل امتدادا عمليا لمقاربة "السلام عبر الصفقات (Peace through Deals)، حيث تُدار النزاعات باعتبارها ملفات سياسية-اقتصادية قابلة للحسم، لا قضايا أخلاقية مؤجلة داخل لجان أممية طويلة الأمد.

وقد تجسدت هذه المقاربة سابقا في اتفاقات أبراهام، وفي انسحاب الولايات المتحدة من عدة اتفاقيات دولية، وكذلك في ربط التمويل الأمريكي للمنظمات الدولية بمستوى الامتثال السياسي.

مجلس السلام من منظور القانون الدولي

من الزاوية القانونية، لا يُعد "مجلس السلام" منظمة دولية بالمعنى التقليدي، لافتقاره إلى معاهدة دولية مؤسسة ذات طابع عام، أو اعتراف أممي، أو شخصية قانونية دولية مستقلة، وإنما هو أقرب إلى تحالف انتقائي للدول الفاعلة أو منصة سياسية-اقتصادية ذات طبيعة تعاقدية. وهو ما يعني أن مشروعيته لا تُقاس بميزان القانون الدولي الكلاسيكي بقدر ما تُقاس بمدى قبول القوى المؤثرة له وقدرته على فرض نفسه كفاعل واقعي. وبذلك، فهو لا ينازع الأمم المتحدة قانونيا، لكنه ينازعها وظيفيا وعمليا، عبر سحب مركز الثقل من المنظومة الأممية إلى أطر موازية أكثر حسما.

الشرق الأوسط: مبررات البدائل خارج الوساطة الأممية

يمثل الشرق الأوسط النموذج الأوضح الذي تُستدعى فيه مبررات تجاوز الأمم المتحدة. فعلى الرغم من تعدد المبعوثين الأمميين، واللجان، وعمليات حفظ السلام، والآليات الخاصة بالقضية الفلسطينية وسوريا واليمن، فإن الحصيلة العملية ظلت محدودة مقارنة بحجم الموارد المالية والبشرية المسخرة.

هذا العجز المتراكم أفسح المجال أمام مسارات بديلة، شملت تسويات خارج الإطار الأممي، ورعايات ثنائية وإقليمية، ومبادرات تقودها قوى فاعلة بعيدا عن قاعات الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، يُفهم "مجلس السلام" بوصفه استجابة مباشرة لمنطق يرى أن التسويات الفعلية لم تعد تُصنع داخل المنظومة الأممية، بل في فضاءات سياسية تربط الحلول بالقدرة على التمويل والضغط.

الحالة الليبية: مثال حي على اختلال النموذج الأممي
لا يمكن قراءة "مجلس السلام" باعتباره مبادرة شخصية معزولة، بل بوصفه عرضا سياسيا مكثفا لأزمة أعمق يعانيها النظام الدولي المعاصر؛ أزمة لم تعد تتعلق فقط بآليات اتخاذ القرار، بل بنموذج كامل لإدارة العالم

تُجسّد بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) مثالا دالا على اختلال التوازن بين التضخم الإداري وضعف المخرجات السياسية. فمنذ أكثر من عقد، تمتعت البعثة بهيكل إداري معقد وفرق سياسية وقانونية وانتخابية وإعلامية، وميزانيات معتبرة، دون أن ينعكس ذلك على تحقيق اختراق حاسم في الأزمة الليبية.

وأظهرت التجربة الليبية ميلا واضحا إلى إدارة الأزمة أكثر من تفكيك أسبابها البنيوية، مع إعادة تدوير الأجسام الانتقالية ذاتها تحت عناوين مختلفة، وإضفاء شرعية على الأمر الواقع باسم "الاستقرار"، في مقابل توسع إداري لا يقابله أثر فعلي على الأرض.

وقد أقرت تقارير الأمين العام للأمم المتحدة المتعاقبة بصعوبة تحقيق تقدم حاسم في ليبيا، رغم تجديد الولاية وتوسيع التفويض مرارا.

وختاما، لا يمكن قراءة "مجلس السلام" باعتباره مبادرة شخصية معزولة، بل بوصفه عرضا سياسيا مكثفا لأزمة أعمق يعانيها النظام الدولي المعاصر؛ أزمة لم تعد تتعلق فقط بآليات اتخاذ القرار، بل بنموذج كامل لإدارة العالم.

فالسؤال الجوهري لم يعد: هل نحتاج الأمم المتحدة؟ بل: ما الدوافع التي تدفع إلى البحث عن بدائل لها؟ وهل يستطيع النظام الدولي التوفيق بين الشرعية والقدرة دون الانزلاق إلى منطق القوة المجردة؟

وما لم تُعد صياغة هذا التوازن، ستظل مبادرات مثل "مجلس السلام" تظهر بوصفها تعبيرا عن تحوّل عالمي يتجاوز الأشخاص، ويطال بنية النظام الدولي ذاته.
التعليقات (0)