انتقال الدور الأمريكي في ليبيا من دعم المسار الأممي إلى التأثير المباشر في تشكيله

مجدي الشارف الشبعاني
"من الناحية الشكلية، لا تزال الأمم المتحدة تمثل الإطار الرسمي للعملية السياسية في ليبيا منذ توقيع الاتفاق السياسي عام 2015"
"من الناحية الشكلية، لا تزال الأمم المتحدة تمثل الإطار الرسمي للعملية السياسية في ليبيا منذ توقيع الاتفاق السياسي عام 2015"
شارك الخبر
نادرا ما تكون إحاطات مجلس الأمن مجرد إجراءات بروتوكولية، لكنها في بعض اللحظات تتحول إلى إشارات سياسية تعكس تحولات أعمق في ميزان التأثير الدولي. وهذا ما ينطبق على الإحاطة الأخيرة التي قدمها مبعوث الرئيس الأمريكي بشأن ليبيا.

لم تكن إحاطة مبعوث الرئيس الأمريكي إلى ليبيا أمام مجلس الأمن الدولي مجرد عرض دبلوماسي عابر، بل حملت دلالات أعمق تتعلق بطبيعة التحول في موقع الولايات المتحدة داخل المعادلة الليبية. فهذه الإحاطة، في توقيتها وصفة مقدمها والمنصة التي قُدمت من خلالها، تعكس انتقالا تدريجيا من دور الدولة الداعمة لمسار تقوده الأمم المتحدة، إلى دور الفاعل المباشر الذي يسعى إلى التأثير في اتجاه هذا المسار، وربما في إعادة تشكيل شروطه ومآلاته.

من الناحية الشكلية، لا تزال الأمم المتحدة تمثل الإطار الرسمي للعملية السياسية في ليبيا منذ توقيع الاتفاق السياسي عام 2015، وظلت الولايات المتحدة، كسائر الدول الكبرى، تؤكد دعمها لهذا المسار. غير أن تقديم مبعوث رئاسي أمريكي إحاطة مباشرة أمام مجلس الأمن لا يندرج ضمن نطاق الدعم التقليدي، بل يعكس انتقال الملف الليبي إلى مستوى أعلى من الاهتمام داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، ويشير إلى أن واشنطن لم تعد تكتفي بدعم العملية السياسية، بل تسعى إلى لعب دور أكثر تقدما في التأثير في مسارها.

انتقال الملف الليبي إلى مستوى أعلى من الاهتمام داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، ويشير إلى أن واشنطن لم تعد تكتفي بدعم العملية السياسية، بل تسعى إلى لعب دور أكثر تقدما في التأثير في مسارها

ولا يتعلق هذا التحول بطبيعة التصريحات وحدها، بل يرتبط أيضا بالأدوات التي بدأت الولايات المتحدة في توظيفها داخل المشهد الليبي. ففي العقيدة الدبلوماسية للدول الكبرى، لا يُقاس مستوى الانخراط بحدة الخطاب، بل بمدى استخدام أدوات التأثير الفعلي، سواء عبر دعم إعادة توحيد المؤسسات الاقتصادية، أو تشجيع التنسيق بين الهياكل الأمنية، أو الدفع نحو ترتيبات مؤسسية مشتركة تعيد إنتاج الحد الأدنى من الدولة الوظيفية القادرة على العمل كوحدة متماسكة.

هذه الأدوات، رغم أنها تُطرح غالبا في إطار دعم الاستقرار، تحمل في جوهرها بعدا أعمق، لأنها لا تقتصر على دعم مؤسسات قائمة، بل تسهم في إعادة تشكيل البيئة المؤسسية التي ستعمل ضمنها الدولة. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الدولة التي تدعم مسارا قائما، والدولة التي تبدأ في التأثير في شروط هذا المسار نفسه.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع مجلس الأمن الدولي، الذي لا يمثل مجرد منصة لتبادل المواقف، بل يُعد أحد أهم الأطر التي تُعاد من خلالها صياغة الشرعية الدولية. فحين تُطرح تقييمات دولة دائمة العضوية داخل مجلس الأمن، فإنها تسهم في تشكيل الإدراك الدولي لطبيعة الأزمة، وتؤثر في طبيعة التفاعل الدولي مع الفاعلين المحليين، وهو ما يمنح هذه الإحاطات بعدا يتجاوز مضمونها المباشر.

وفي الحالة الليبية، حيث لا تزال الشرعية السياسية محل تنازع، فإن أي تحول في طبيعة الخطاب الدولي داخل مجلس الأمن يمكن أن يؤثر في ميزان الاعتراف الدولي، وهو ما ينعكس بدوره على التوازنات الداخلية، ذلك أن الشرعية في السياقات الانتقالية لا تتشكل فقط من النصوص القانونية، بل تتأثر أيضا بطبيعة التفاعل الدولي، وبمواقف القوى الكبرى داخل المنظومة الدولية.

غير أن هذا التحول يطرح في الوقت ذاته تساؤلا مشروعا حول طبيعته وحدوده. فمن جهة، لا يمكن إنكار أن الدعم الدولي قد يسهم في مساعدة الدول التي تمر بمراحل انتقالية على استعادة استقرارها، خاصة عندما يرتبط بإعادة توحيد المؤسسات وتعزيز قدرة الدولة على أداء وظائفها. لكن من جهة أخرى، فإن الانتقال من الدعم السياسي إلى التأثير المؤسسي يثير تساؤلات حول حدود هذا الانخراط، وما إذا كان سيبقى في إطار دعم استعادة الدولة، أم أنه سيؤدي إلى نشوء نمط من التأثير الدولي المستمر في عملية اتخاذ القرار.

أصبحت ليبيا تمثل نقطة تقاطع لاعتبارات استراتيجية متعددة، تتعلق بأمن الطاقة، والتوازنات الإقليمية، ومسارات النفوذ الدولي في منطقة المتوسط. وفي مثل هذا السياق، تميل القوى الكبرى إلى الانتقال من سياسة الدعم غير المباشر إلى سياسة التأثير المباشر

ولا يمثل هذا التساؤل تشكيكا في أهمية التعاون الدولي، بل يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها، حيث تحتاج الدولة إلى دعم خارجي لاستعادة استقرارها، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى الحفاظ على استقلالية قرارها الوطني. وهنا تبرز المفارقة التي تواجهها العديد من الدول الخارجة من النزاعات، حيث يصبح الدعم الدولي جزءا من عملية إعادة بناء الدولة، وفي الوقت ذاته جزءا من البيئة التي تتشكل ضمنها قراراتها السيادية.

ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن السياق الدولي الأوسع، حيث أصبحت ليبيا تمثل نقطة تقاطع لاعتبارات استراتيجية متعددة، تتعلق بأمن الطاقة، والتوازنات الإقليمية، ومسارات النفوذ الدولي في منطقة المتوسط. وفي مثل هذا السياق، تميل القوى الكبرى إلى الانتقال من سياسة الدعم غير المباشر إلى سياسة التأثير المباشر، عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية تتطلب ذلك.

غير أن العامل الحاسم في تحديد أثر هذا التحول لن يكون طبيعة الدور الدولي وحده، بل طبيعة التفاعل الوطني معه. فالدعم الدولي يمكن أن يسهم في تسريع استعادة الدولة لوحدتها، إذا ارتبط بإرادة وطنية قادرة على توجيهه ضمن إطار المصلحة الوطنية. أما إذا تحول إلى بديل عن الإرادة الوطنية، فإنه قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بطريقة تعكس أولويات الفاعلين الدوليين أكثر مما تعكس متطلبات الواقع الوطني.

في هذا السياق، لا تمثل إحاطة مجلس الأمن نهاية مسار، بل تمثل بداية مرحلة جديدة في إدارة الملف الليبي، مرحلة يتزايد فيها الانخراط الدولي المباشر، وتتداخل فيها حدود الدعم والتأثير. وسيظل المسار النهائي لهذا التحول مرهونا بمدى قدرة الليبيين على إعادة بناء مؤسساتهم، واستعادة موقع دولتهم بوصفها الفاعل الأساسي في تقرير مستقبلها، لا مجرد ساحة تتقاطع فيها إرادات الفاعلين الدوليين.
التعليقات (0)