في السياسة، كما
في الأساطير القديمة، لا يمضي الساحر طويلا وهو يعتقد أن تعاويذه خالدة، حتى يأتي
يومٌ وترتد عليه، فيكتشف أنّ النار التي أشعلها أحرقت أصابعه أولا.. هذا تماما ما
تعيشه
أوروبا اليوم، ومعها الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة جو بايدن، بعد أن
ظنّوا أنّ الحرب في أوكرانيا ستكون بوابة سريعة لإسقاط
روسيا استراتيجيا، وتطويقها
اقتصاديا، والسيطرة على مقدراتها الهائلة من الطاقة والمعادن والموارد الطبيعية.
منذ اللحظة
الأولى للأزمة، اندفعت العواصم الأوروبية، بتنسيق كامل مع واشنطن، إلى رهانٍ واحد:
هزيمة روسيا بأيّ ثمن. رُفعت شعارات "الدفاع عن الديمقراطية" و"حماية
السيادة"، لكن ما كان يجري خلف الستار لم يكن أقل وضوحا من الشمس: سباقٌ
محموم على الثروات، ورغبةٌ قديمة في تفكيك الدولة الروسية وإخراجها من معادلة
القوى الكبرى.
بدا وكأن أوروبا والبيت الأبيض قرّرا جعل كييف "رأس حربة" لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي.. لكن الحسابات لم تُطابق الواقع
الرئيس الأوكراني
فلاديمير زيلينسكي تحوّل، بين ليلة وضحاها، إلى "نجم" على خشبات المسارح
الغربية، خُصصت له المنصات، وفُتحت خزائن المال والسلاح، وأُغدقت عليه الوعود، حتى
بدا وكأن أوروبا والبيت الأبيض قرّرا جعل كييف "رأس حربة" لإعادة رسم
خريطة النفوذ العالمي.. لكن الحسابات لم تُطابق الواقع.
روسيا، التي
راهنوا على إنهاكها سريعا، أثبتت أنّها ليست دولة ضعيفة أو عابرة في التاريخ، ولا
رقما يمكن شطبه من معادلات القوة؛ صمدت عسكريا، وتكيّفت اقتصاديا، وأعادت توجيه
بوصلتها نحو الشرق والجنوب، بينما كانت العقوبات التي أرادوا منها خنق موسكو
تتحول، مع الوقت، إلى عبءٍ ثقيل على من فرضها، أي على أوروبا واقتصادها.
ارتفعت أسعار
الطاقة، وتعطلت خطوط إنتاج، وتآكلت القدرة الشرائية للمواطن الأوروبي، فيما كانت
موسكو تفتح مسارات بديلة وتبني شراكات جديدة، مدعومة بذكاء سياسي من رئيسٍ قرأ
المشهد بأعصاب باردة، ولم ينجرّ إلى فوضى اللحظة.. وهنا تحديدا بدأ السحر ينقلب
على الساحر.
أوروبا التي
أرادت أن تضع روسيا في زاوية العزلة، وجدت نفسها عالقة في أزمة طاقة، وتبعية
أمنية، وانقسام داخلي، والولايات المتحدة التي قادت الحملة، شهدت بدورها تحولات
عاصفة.
بعد إدارة بايدن،
عاد من جديد الرئيس دونالد ترامب بخطابه الصادم، قلب الطاولة على "حلفاء
الأمس"؛ لم يعد يتحدث بلغة المجاملات، بل بلغة الصفقات. قلّل من شأن أوروبا،
ولوّح بإيقاف دعم حلف الشمالي الأطلسي (الناتو)، تاركا القارة العجوز مكشوفة أمام
"برد" السياسة الدولية، بلا مظلة أمريكية واضحة. حتى الحديث عن جزيرة
غرينلاند لم يكن سوى رسالة رمزية: المصالح أولا، والحلفاء ثانيا.
تراجعٌ في القدرة على الردع، واهتزازٌ في وحدة القرار، وتنامٍ في كلفة الاعتماد على واشنطن من دون ضمانات ثابتة
هكذا، وجدت
أوروبا نفسها تشرب من الكأس نفسها التي أرادت لروسيا أن تتجرعها: العزلة، والقلق،
وتراجع الوزن الدولي. أما موسكو، التي ظنّوا أنها ستسقط خلال أسابيع، فقد خرجت
أكثر تماسكا، وأكثر حضورا في مشهد عالمي يتغير بسرعة.
كل هذا أظهر أن
المنتصر لا ينتصر بفائض التعاويذ، وإنما بالحنكة وبفهم قواعد اللعبة جيدا. أوروبا،
ومعها إدارتان أمريكيتان متعاقبتان، راهنتا على كسر روسيا، وإذا بهما تكسران
صورتهما، وتخسران الرأي العام وثقة العالم.
الأخطر من كل هذا
أنّ هذه الخسارة ليست عاطفية أو دعائية فحسب، بل استراتيجية أيضا: تراجعٌ في
القدرة على الردع، واهتزازٌ في وحدة القرار، وتنامٍ في كلفة الاعتماد على واشنطن
من دون ضمانات ثابتة. مع كل شتاءٍ اقتصادي جديد، وكل انتخاباتٍ يتبدّل المزاج في
العواصم الغربية، ويتضح أن "معركة الاستنزاف" لم تستهدف موسكو بل تستهدف
تماسك أوروبا ووزنها السياسي.
العالم يراقب
ويعيد التموضع بهدوء: من يثق بمن؟ ومن يستطيع الصمود عندما تتغير الإدارة في
واشنطن وتُعاد كتابة الأولويات؟ عند هذه النقطة بالذات، يصبح الدرس قاسيا: من يبني
سياساته على رغبة إسقاط الآخرين، قد يستيقظ يوما ليجد أن أول ما سقط.. هو صورته
نفسها.