تبدو
أوروبا
اليوم كمن يعيش "أزمة تعريف"، أكثر من كونها أزمة موارد؛ السؤال ليس هل
ستموت القارة قريبا؟ بل هل تستطيع إعادة تركيب نموذجها
الاقتصادي والاجتماعي
والأمني في وقت واحد، وفي عالم لا ينتظر أحدا؟ لأنّ ما يصيب أوروبا في السنوات
الأخيرة لم يأتِ من زاوية واحدة، بل صدمات متزامنة، من الطاقة والحرب، إلى
الديموغرافيا والهجرة، ثم صعود اليمين، والانكشاف العسكري.. وصولا إلى التراجع
النسبي في
النفوذ الخارجي، من دون أن ننسى عقدة الصناعة والإنتاج التي تزيد كل ذلك
تعقيدا.
اقتصاديا، الحرب
الروسية-الأوكرانية لم تُنتج مجرد فاتورة طاقة مرتفعة، بل خلخلت البنية التنافسية
للصناعة الأوروبية، خصوصا في الدول التي قامت قوتها على الطاقة الرخيصة والتصدير.
صحيح أنّ الأسعار هدأت مقارنة بذروة الأزمة، لكنّ الذاكرة الاقتصادية لا تُمحى
سريعا، فعندما يصل سعر الغاز في لحظة ذروة إلى ما يزيد عن 300 يورو لكل
ميغاواط/ساعة ثم يعود إلى عشرات اليوروهات لاحقا، فالضرّر لا يقتصر على موسم واحد،
بل يترك أثره على قرارات الاستثمار والتوسّع ونقل المصانع. وفي العمق، لا تكفي
جملة "تجاوزنا الأزمة" إذا كانت القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة لا
تزال تعمل تحت سقف خوف دائم من عودة الصدمة أو من فقدان ميزة السعر مقارنة
بمنافسين عالميين.
عندما تتباطأ الإنتاجية أو تتراجع الصناعة، يصبح تمويل نموذج الرفاه أصعب، وتصبح الهجرة وقودا سياسيا لصعود اليمين
وهنا تحديدا تبدأ
حلقة الصناعة؛ أوروبا لا تخسر فقط بسبب الطاقة، بل أيضا بسبب التنافس الصيني على
السلع الوسيطة والنهائية، وبسبب البيروقراطية التنظيمية التي أصبحت لدى الشركات
"كلفة زمن" لا تقل عن كلفة المال.. والنتيجة تظهر في مؤشرات متفرقة
لكنّها متسقة.
في ألمانيا مثلا،
كان الإنتاج في الفروع الصناعية كثيفة الطاقة أقل بمتوسط يقارب خُمس ما كان عليه
قبل سنوات قليلة عند مقارنته بعام 2021، وهي إشارة فاقعة إلى أنّ جزءا من الصناعة
لا يتعافى بالوتيرة التي يحتاجها اقتصاد يريد الحفاظ على موقعه العالمي. وإذا أضفت
إلى ذلك تحذيرات قطاعات كاملة، مثل الكيماويات، من هروب الاستثمارات وإغلاق
الطاقات الإنتاجية، فأنت أمام سؤال مقلق: هل المشكلة دورة اقتصادية عابرة، أم
تحوّل بنيوي يضغط أوروبا نحو اقتصاد خدماتي أكثر هشاشة؟
لكنّ الامتحان لا
يكمن في الاقتصاد فحسب؛ الديموغرافيا هي الأخرى تضغط كرحى بطيئة، فمتوسط العمر في
الاتحاد الأوروبي يبلغ اليوم 44.7 عاما، ونسبة الإعالة لكبار السن تقترب من شخص
فوق 65 لكل 3 في سن العمل تقريبا. هذه ليست أرقاما محايدة، وإنما معادلة تحمل
دلالات على ارتفاع فاتورة التقاعد والرعاية الصحية، وعلى معركة سياسية دائمة حول
من يدفع الضرائب ومن يحصل على الدعم. عندما تتباطأ الإنتاجية أو تتراجع الصناعة،
يصبح تمويل نموذج الرفاه أصعب، وتصبح
الهجرة وقودا سياسيا لصعود اليمين.
الهجرة فعلا
غيّرت ملامح المجتمعات الأوروبية، ليس بالمعنى الثقافي فقط، بل بمعنى الأرقام
والحركة. ففي عام 2023 وحده، وصل إلى الاتحاد الأوروبي 4.3 ملايين مهاجر من خارج
الاتحاد (من دون احتساب بعض فئات الحماية المؤقتة المتعلقة بأوكرانيا في بعض
الإحصاءات)، وهو رقم كافٍ ليُشعل كل الأسئلة: الاندماج، سوق العمل، السكن، الأمن، الهوية.
في هذا المناخ،
يصعد اليمين المتطرف أو الشعبوي في أكثر من دولة، مستفيدا من خوف الطبقات الوسطى
من فقدان الامتيازات، وغضب أطراف مهمّشة، وإحساس عام بأنّ "الدولة أبطأ من
الواقع". حتى على مستوى البرلمان الأوروبي، فقد تحققت مكاسب واضحة لكتلات
يمينية متشددة مقارنة بانتخابات 2019، بما جعل المشهد السياسي أكثر ميلا إلى
القومية الاقتصادية وتشدّد الحدود، في مقابل حماسة أقل للتسويات الاجتماعية السهلة.
أوروبا اكتشفت أنّها قوية اقتصاديا وضعيفة كقوة صلبة. سنوات طويلة من الاعتماد على "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، وعمليا على المظلة الأمريكية، جعلت الاستثمار الدفاعي أقل إلحاحا، إلى أن جاءت الحرب على أبواب القارة
ثم تأتي العقدة
العسكرية؛ أوروبا اكتشفت أنّها قوية اقتصاديا وضعيفة كقوة صلبة. سنوات طويلة من
الاعتماد على "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، وعمليا على المظلة الأمريكية،
جعلت الاستثمار الدفاعي أقل إلحاحا، إلى أن جاءت الحرب على أبواب القارة، وترافق
ذلك مع إشارات سياسية أمريكية متبدلة حول الأولويات والإنفاق والالتزامات..
والنتيجة كانت: ارتفاع إنفاق الدفاع الأوروبي بسرعة، ليس لأنّ أوروبا تحب العسكرة،
بل لأنّها شعرت أنّ التأمين الخارجي لم يعد مضمونا كما كان. ومع ذلك، الإنفاق وحده
لم يحل المشكلة، طالما أنّ القدرات بقيت مجزأة، وسلاسل التوريد الدفاعية بطيئة،
وقرار الحرب والسلم مرهون بتوافقات صعبة بين عواصم كثيرة.
أمّا عن تراجع
النفوذ الخارجي، فحدّث ولا حرج، وهذا التراجع يتخذ شكلا واضحا في أفريقيا. أوروبا
لا تزال لاعبا تجاريا كبيرا مع القارة السمراء، لكن المنافسة أصبحت أكثر شراسة،
والأدوات لم تعد هي نفسها. الصين وروسيا تتقدمان بأدوات مختلفة مثل القروض والبنى
التحتية والاتفاقات الأمنية، في مقابل نموذج أوروبي يميل إلى الشروط التنظيمية
والمعايير والحوكمة.
الأرقام تكشف أنّ
الاتحاد الأوروبي يتعامل تجاريا مع أفريقيا بمئات مليارات اليوروهات سنويا، لكن
بنية هذا التبادل لا تزال تميل إلى الطاقة والمواد الأولية من جهة، وإلى سلع
مصنّعة أوروبية من جهة أخرى.. وهي صيغة لا تبني نفوذا تلقائيا في زمن تبحث فيه دول
أفريقية كثيرة عن "شريك" سخيّ وسريع. ولهذا سجّل التبادل التجاري الصيني-الأفريقي
رقما قياسيا في العام 2024، بما يؤكد أن المنافسة لم تعد رمزية.
هل يعني ذلك كلّه
أنّ أوروبا ماتت؟ ليس بالضرورة، فالقارة تملك مؤسسات، وسوقا ضخمة، وخبرة تنظيمية
وقدرة علمية، وتستطيع حين تضطر، أن تغيّر المسار. هي ليست اليوم في الرفاهية نفسها
ولا تملك ترف الوقت، إلّا أنّها تملك "العلاج" الذي يحتاج شجاعة سياسية:
إصلاح سوق الطاقة والصناعة والتصالح مع أصدقاء الأمس (روسيا)، وتسريع الاستثمار
الإنتاجي بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات، مع تنظيم سياسة هجرة واندماج تحوّل
الوافدين إلى قيمة اقتصادية لا إلى أداة صراع، وبناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر
تماسكا، مع شراكات خارجية لا تقوم فقط على الماضي الاستعماري أو على الشعور
بالتفوق الأخلاقي، بل على المصالح المتبادلة والنتائج.
أوروبا ليست جثة
قريبة.. لكنّها مريض يرفض الاعتراف بأنّه أخطأ في قرار دعم أوكرانيا بالمطلق، وبأن
نمط حياته القديم لم يعد صالحا. وإذا كان للقارة العجوز من أمل، فهو أن تتصرف
كقارة ناضجة: أقل بكاء على زمن الهيمنة، وأكثر واقعية في إنتاج
القوة، وذلك قبل أن
يكتب الآخرون مستقبلها نيابة عنها.