27- التمويل الإسلامي كأحد مقومات النهضة الاقتصادية وتحديات
الواقع
ثالثا: استراتيجيات بناء نظام تمويل إسلامي قوي يسهم في
النهضة الاقتصادية
بناء منظومة تمويل إسلامي قوية ومؤثرة في
مصر ليس مجرد
قرار فني أو إداري، بل هو مشروع استراتيجي وطني يتطلب رؤية شاملة وإرادة سياسية وتنسيقا
بين جهات متعددة وصبرا استراتيجيا. في هذا المقال استراتيجيات بناء نظام التمويل الإسلامي
لتحول الطموح إلى واقع ملموس.
- إصدار
قانون شامل للتمويل الإسلامي
الخطوة الأولى والأهم هي إصدار قانون متكامل ينظم التمويل
الإسلامي بكل جوانبه. هذا القانون يجب أن يحدد بوضوح الإطار القانوني للمؤسسات المالية
الإسلامية، ويضع المعايير والضوابط، ويوضح العلاقة بين المنظومة الإسلامية والتقليدية،
ويضمن المساواة في المعاملة الضريبية والتنظيمية.
القانون يجب أن يكون مرنا بما يكفي لاستيعاب الابتكار،
لكن صارما بما يكفي لحماية المستهلكين وضمان الامتثال الشرعي. ويجب أن يُصاغ بمشاركة
خبراء الشريعة والاقتصاد والقانون، وبالتشاور مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
مع ضرورة مواءمة التشريعات القائمة، حيث إن كثيرا من القوانين
والأنظمة القائمة صُممت بناء على النظام المالي التقليدي، مما يخلق تحديات أمام التمويل
الإسلامي. تجب مراجعة وتعديل قوانين الضرائب، والشركات، والعقود، والإفلاس، وغيرها،
لتتوافق مع طبيعة المعاملات المالية الإسلامية وتضمن عدم التمييز أو الإجحاف.
بعض الممارسات غير السليمة باسم التمويل الإسلامي أضرت بسمعته وخلقت شكوكا لدى البعض. لذلك، الشفافية المطلقة ضرورية. يجب أن تكون العقود واضحة، والرسوم معلنة، والعمليات مفهومة، والرقابة الشرعية جادة وحقيقية
على سبيل المثال، في المرابحة قد تخضع العملية لضريبة مبيعات
مرتين (عند شراء المصرف للسلعة وعند بيعها للعميل)، مما يجعلها أكثر تكلفة من القرض
التقليدي. هذه الإشكاليات يجب معالجتها لضمان تكافؤ الفرص.
- إنشاء
هيئة عليا للرقابة الشرعية
تحتاج مصر إلى هيئة مستقلة ومتخصصة تتولى الرقابة الشرعية
على المؤسسات المالية الإسلامية، ووضع المعايير الشرعية الموحدة، وإصدار الفتاوى والإرشادات،
وضمان الالتزام بالضوابط الشرعية. هذه الهيئة يجب أن تضم علماء شرعيين متمكنين وخبراء
ماليين متخصصين، وأن تتمتع بالاستقلالية والمصداقية.
مع وجود معايير شرعية موحدة وواضحة يحد من الاجتهادات المتضاربة
التي تشوش على المستهلكين والمستثمرين، ويعزز الثقة في المنتجات المالية الإسلامية،
ويسهل التوسع والنمو.
- تطوير
البنية التنظيمية للبنك المركزي
يجب تطوير الأقسام المعنية بالتمويل الإسلامي في البنك
المركزي، وتزويدها بالكفاءات المتخصصة والصلاحيات الكافية. كما يجب وضع أنظمة رقابية
خاصة تراعي طبيعة المؤسسات المالية الإسلامية، وتطوير مؤشرات أداء ملائمة لقياس كفاءتها
وسلامتها. والتعاون مع المؤسسات الدولية المتخصصة في التمويل الإسلامي، كمجلس الخدمات
المالية الإسلامية والبنك الإسلامي للتنمية، سيساعد في نقل الخبرات وتطبيق أفضل الممارسات
العالمية.
- توسيع
شبكة المصارف الإسلامية
يجب تشجيع إنشاء مصارف إسلامية جديدة، وتسهيل دخول مستثمرين
جادين إلى هذا القطاع. في الوقت نفسه، يجب دعم البنوك الإسلامية القائمة لتوسع عملياتها
وتطور خدماتها وتزيد حصتها السوقية.
كما يجب تشجيع البنوك التقليدية على فتح نوافذ إسلامية
أو فروع متخصصة، مما يوسع انتشار الخدمات المالية الإسلامية ويسهل وصولها إلى شرائح
أوسع من الجمهور، مع ضمان الفصل الكامل بين العمليات الإسلامية والتقليدية.
- إنشاء
مؤسسات مالية إسلامية متخصصة
إلى جانب المصارف الشاملة، تحتاج مصر إلى مؤسسات متخصصة
مثل بنوك التنمية الإسلامية التي تركز على تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ورواد
الأعمال بصيغ إسلامية ميسرة، شركات التأمين التكافلي التي توفر بديلا إسلاميا للتأمين
التقليدي في مختلف المجالات، وصناديق الاستثمار الإسلامية التي تتيح للأفراد والمؤسسات
الاستثمار في محافظ متوافقة مع الشريعة، وشركات التمويل الإسلامي المتخصصة في مجالات
كالتمويل العقاري والتمويل الزراعي وتمويل المشروعات، ومؤسسات التمويل الأصغر الإسلامي
التي تخدم الفئات محدودة الدخل والمحرومة من الخدمات المالية التقليدية.
- تطوير
البنية التحتية المالية الرقمية
العصر الرقمي يفتح آفاقا واسعة أمام التمويل الإسلامي.
يجب الاستثمار في المنصات الرقمية للخدمات المالية الإسلامية مثل تطبيقات الهواتف الذكية
والخدمات المصرفية الإلكترونية المتوافقة مع الشريعة، فمنصات التمويل الجماعي الإسلامي
التي تربط المستثمرين بالمشروعات الناشئة وفق صيغ شرعية، وتقنيات البلوكتشين للتمويل
الإسلامي لتعزيز الشفافية والكفاءة وخفض التكاليف، وأنظمة الدفع الإلكتروني المتوافقة
مع الشريعة؛ تسهل المعاملات وتوسع الشمول المالي.
الاستفادة من التكنولوجيا المالية (FinTech)
تفتح آفاقا واسعة للابتكار، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تقييم المخاطر واتخاذ
القرارات، والبلوكتشين يمكن أن يعزز الشفافية ويخفض التكاليف، والتطبيقات الذكية يمكن
أن تسهل الوصول إلى الخدمات، ويجب تشجيع الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية
الإسلامية، وتوفير بيئة حاضنة لها، والتعاون بين البنوك وشركات التكنولوجيا لتطوير
حلول مبتكرة.
- بناء الكفاءات
وتطوير رأس المال البشري
يجب إدراج التمويل الإسلامي كتخصص أكاديمي مستقل في كليات
الاقتصاد والتجارة والشريعة، مع تطوير مناهج علمية متقدمة تجمع بين الأبعاد الشرعية
والاقتصادية والقانونية. يمكن التعاون مع جامعات رائدة في ماليزيا والخليج لنقل الخبرات
وتطوير البرامج، إلى جانب التعليم الأكاديمي، تحتاج مصر إلى برامج تدريبية مكثفة للعاملين
في القطاع المالي، وشهادات مهنية متخصصة معترف بها دوليا. ويمكن التعاون مع المؤسسات
الدولية المتخصصة لتوفير هذه البرامج محليا.
- استقطاب وتأهيل علماء الشريعة
نجاح التمويل الإسلامي يعتمد على وجود علماء شرعيين متمكنين
من العلوم الشرعية وفاهمين للواقع الاقتصادي والمالي المعاصر، ويجب الاستثمار في تأهيل
جيل جديد من العلماء القادرين على الاجتهاد والابتكار ضمن الضوابط الشرعية.
نحتاج إلى كفاءات إدارية وتشغيلية مؤهلة في جميع المستويات،
من الإدارة العليا إلى موظفي الصفوف الأمامية. برامج التدريب يجب أن تشمل الجميع وتركز
على الفهم العميق لمبادئ التمويل الإسلامي وتطبيقاته العملية.
- التوعية
المجتمعية وبناء ثقافة التمويل الإسلامي
كثير من المواطنين لا يعرفون كيف يعمل التمويل الإسلامي
أو ما يميزه. تحتاج مصر إلى حملات توعية واسعة تستخدم كل الوسائل: الإعلام التقليدي،
وسائل التواصل الاجتماعي، الندوات، المطبوعات، المساجد، المدارس والجامعات.
هذه الحملات يجب أن تكون موضوعية وعلمية، تشرح المبادئ
والفوائد دون مبالغة، وتوضح الفروق بين الإسلامي والتقليدي بشفافية، وتجيب على الأسئلة
والشبهات الشائعة.
ويبرز هنا دور المؤسسات الدينية والتعليمية، فالأزهر الشريف
ووزارة الأوقاف والمؤسسات الدينية لها دور محوري في التوعية وتصحيح المفاهيم. خطب الجمعة،
الدروس الدينية، الفتاوى، كلها يمكن أن تساهم في نشر الوعي بأهمية التمويل الإسلامي
وشرعيته وفوائده، والمدارس والجامعات يجب أن تدمج مفاهيم أساسية عن التمويل الإسلامي
في مناهجها، لتخرّج أجيالا واعية ومتفهمة لهذا النموذج.
- الشفافية
ومكافحة الشبهات
للأسف بعض الممارسات غير السليمة باسم التمويل الإسلامي
أضرت بسمعته وخلقت شكوكا لدى البعض. لذلك، الشفافية المطلقة ضرورية. يجب أن تكون العقود
واضحة، والرسوم معلنة، والعمليات مفهومة، والرقابة الشرعية جادة وحقيقية.
مكافحة المؤسسات التي تتاجر بالمسميات الإسلامية دون التزام
حقيقي بالمبادئ الشرعية أمر ضروري لحماية سمعة القطاع بأكمله.
- الابتكار
وتطوير المنتجات المالية الإسلامية
نجاح التمويل الإسلامي يعتمد على قدرته على تقديم بدائل
مناسبة لكل الاحتياجات التمويلية: التمويل العقاري، التمويل التجاري، تمويل المشروعات،
التمويل الشخصي، التمويل الزراعي، وغيرها. كلما كانت المنتجات متنوعة ومرنة، زادت جاذبية
التمويل الإسلامي.
يجب تطوير منتجات خاصة بالقطاعات الاستراتيجية والواعدة،
مثل صكوك البنية التحتية لتمويل مشاريع الطرق والجسور والمطارات والموانئ، وصكوك الطاقة
المتجددة لتمويل مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، وصناديق الاستثمار في التكنولوجيا
للشركات الناشئة في مجالات التقنية والابتكار، منتجات التمويل الأخضر لدعم المشاريع
الصديقة للبيئة، ومنتجات التمويل الاجتماعي التي تخدم القطاعات ذات الأثر الاجتماعي
كالتعليم والصحة.
- التكامل
الإقليمي والدولي
مصر يجب أن تنفتح على أسواق التمويل الإسلامي العالمية،
وتجذب الاستثمارات من دول الخليج وماليزيا وإندونيسيا وتركيا. إصدار صكوك سيادية في
الأسواق الدولية، وتسهيل دخول المؤسسات المالية الإسلامية العالمية إلى السوق المصري،
واستقطاب الصناديق الإسلامية الكبرى، كلها خطوات مهمة.
والتعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية مثل البنك الإسلامي
للتنمية، ومجلس الخدمات المالية الإسلامية، والهيئة الإسلامية الدولية لمعايير المحاسبة
والمراجعة، يمكن أن تقدم دعما فنيا وماليا كبيرا. التعاون معها ينقل الخبرات ويسرع
التطور، وبناء شراكات استراتيجية مع الدول الرائدة في التمويل الإسلامي لتبادل الخبرات
والتكنولوجيا والكفاءات، وبرامج التوأمة بين المؤسسات، والمشاريع المشتركة، والاستثمارات
العابرة للحدود، كلها تعزز القطاع وتوسع آفاقه.
- السياسات
الاقتصادية المحفزة
الدولة يمكن أن تدعم التمويل الإسلامي من خلال سياسات اقتصادية
محفزة: إعفاءات ضريبية، تسهيلات تمويلية، ضمانات حكومية، أولوية في المشروعات الحكومية،
وغيرها. الدعم لا يعني التمييز غير العادل، بل تعويض التحديات الأولية التي يواجهها
القطاع الناشئ.
الدولة يمكن أن تكون عميلا كبيرا للتمويل الإسلامي، من
خلال تمويل مشروعاتها الكبرى بالصكوك، والتعاقد مع البنوك الإسلامية لتمويل المشتريات
والمشروعات، والتعامل مع شركات التأمين التكافلي. هذا يعطي دفعة قوية للقطاع ويعزز
ثقة السوق فيه.
- إنشاء
صندوق وطني لدعم التمويل الإسلامي
يمكن إنشاء صندوق وطني بدعم حكومي وخاص لدعم مبادرات التمويل
الإسلامي وتمويل البحوث والدراسات، ودعم الشركات الناشئة، وتوفير ضمانات، وتمويل برامج
التدريب، ودعم التوسع الإقليمي للمؤسسات المصرية، وغيرها.
إن بناء نظام تمويل إسلامي قوي في مصر ليس مشروعا قصير
المدى، بل هو عملية تراكمية تحتاج إلى سنوات من الجهد المتواصل والاستثمار المستمر.
لكن الجائزة تستحق العناء: منظومة مالية أكثر عدالة واستقرارا، واقتصاد أكثر شمولية
ومرونة، ووطن أقرب إلى تحقيق طموحاته في أن يكون بين أفضل عشرة اقتصادات في العالم.
والبداية تكون بخطوة واحدة واثقة في الاتجاه الصحيح.
- التحديات التي تواجه التمويل الإسلامي في مصر
البنوك التقليدية في مصر تتمتع بحضور طاغٍ، وشبكة فروع واسعة، وموارد مالية ضخمة، وخبرة طويلة، وعلاقات راسخة مع الشركات الكبرى والحكومة. المؤسسات المالية الإسلامية، بحصتها السوقية المحدودة وإمكانياتها الأصغر، تجد صعوبة في المنافسة
بعد أن استعرضنا أهمية التمويل الإسلامي والتجارب الناجحة
والاستراتيجيات المقترحة للبناء، يجب أن نواجه بصراحة وموضوعية التحديات الحقيقية التي
تعترض طريق تطور هذا القطاع في مصر. فالنجاح لا يُبنى على التجاهل أو التبسيط، بل على
الفهم العميق للعقبات والعمل الجاد على تذليلها.
- ضعف الثقافة
المالية الإسلامية لدى العاملين في القطاع
كثير من الموظفين في المؤسسات المالية الإسلامية في مصر
لم يتلقوا تدريبا متخصصا كافيا في التمويل الإسلامي، بعضهم انتقل من البنوك التقليدية
دون إعادة تأهيل حقيقية، فيطبّق نفس المنطق التقليدي بمسميات إسلامية. هذا يؤثر على
جودة الخدمة، ويضعف الالتزام الشرعي، ويقلل من قدرة المؤسسة على الابتكار.
المشكلة تمتد إلى الإدارات العليا أحيانا، حيث يفتقر بعض
القياديين إلى الفهم العميق لفلسفة التمويل الإسلامي ومقاصده، فيركزون على الشكل دون
الجوهر، ويتعاملون مع "الإسلامية" كعلامة تجارية تسويقية لا كمنهج عمل متكامل.
- التشكيك
في الامتثال الشرعي الحقيقي
يشكك بعض الناس في مدى الالتزام الفعلي للمؤسسات المالية
الإسلامية بالضوابط الشرعية. هذا التشكيك ينشأ أحيانا من تجارب سلبية، أو من ملاحظة
أن بعض المنتجات "الإسلامية" تبدو مطابقة تماما للمنتجات التقليدية في النتيجة
النهائية وإن اختلفت في الشكل.
هيئات الرقابة الشرعية في بعض المؤسسات قد لا تتمتع بالاستقلالية
الكافية، أو قد تكتفي بمراجعة العقود الورقية دون متابعة التطبيق الفعلي على الأرض.
هذا يضعف المصداقية ويقلل من ثقة العملاء.
الشفافية الكاملة في عمليات الرقابة الشرعية، ونشر الفتاوى
والتقارير، وإشراك علماء مستقلين ذوي مصداقية عالية، كلها خطوات ضرورية لبناء الثقة.
- الممارسات
التسويقية المضللة
بعض المؤسسات تستخدم "الإسلامية" كعلامة تجارية
تسويقية لجذب العملاء، دون التزام حقيقي بجوهر المبادئ الشرعية. تجد إعلانات برّاقة
وشعارات جذابة، لكن عند التطبيق تكتشف أن الفرق عن النظام التقليدي شكلي أكثر منه جوهري.
هذه الممارسات المضللة تضر بسمعة التمويل الإسلامي بأكمله،
وتخلق خيبة أمل لدى العملاء الذين يبحثون عن بديل حقيقي يتوافق مع قناعاتهم الدينية.
الحل يكمن في الرقابة الصارمة، والمحاسبة على التجاوزات، وتشجيع الممارسات الأخلاقية
في التسويق والإعلان.
- تجارب
فاشلة سابقة أثرت على السمعة
شهدت مصر في الماضي تجارب فاشلة لما سُمي "شركات توظيف
الأموال الإسلامية" التي انتهت بكوارث مالية وخسائر فادحة لآلاف المواطنين. رغم
أن هذه الشركات لم تكن تعمل وفق ضوابط حقيقية، إلا أن استخدامها للشعار الإسلامي ترك
أثرا سلبيا في الذاكرة الجماعية.
هذا الإرث السلبي يُستخدم أحيانا للتشكيك في التمويل الإسلامي
الحقيقي، ويتطلب جهدا مضاعفا لإعادة بناء الثقة وتوضيح الفرق بين الممارسات الجادة
والمشبوهة.
- هيمنة
البنوك التقليدية على السوق
البنوك التقليدية في مصر تتمتع بحضور طاغٍ، وشبكة فروع
واسعة، وموارد مالية ضخمة، وخبرة طويلة، وعلاقات راسخة مع الشركات الكبرى والحكومة.
المؤسسات المالية الإسلامية، بحصتها السوقية المحدودة وإمكانياتها الأصغر، تجد صعوبة
في المنافسة.
العملاء، خاصة الشركات، يفضلون التعامل مع البنوك الكبيرة
التي تقدم تسهيلات أوسع وخدمات أشمل وانتشارا أكبر. كسر هذه الهيمنة يتطلب تميزا حقيقيا
وابتكارا وبناء سمعة قوية بالتدريج.
- عدم تكافؤ
الفرص والمعاملة التفضيلية للبنوك الكبرى
بعض السياسات الحكومية والإجراءات التنظيمية تميل، عن قصد
أو غير قصد، لصالح البنوك التقليدية الكبرى؛ العقود الحكومية، والودائع الحكومية، والتسهيلات
الائتمانية، غالبا ما تذهب إلى البنوك الكبيرة دون إعطاء فرصة حقيقية للمؤسسات الإسلامية.
هذا يحد من قدرة المؤسسات الإسلامية على النمو وبناء قاعدة أصول قوية، ويبقيها في هامش
السوق بدلا من أن تصبح لاعبا رئيسيا.
- محدودية
أدوات السياسة النقدية الإسلامية
البنك المركزي يستخدم أدوات السياسة النقدية التقليدية
للتحكم في المعروض النقدي والتضخم: سعر الفائدة، عمليات السوق المفتوحة، نسبة الاحتياطي
الإلزامي، وغيرها. لكن بعض هذه الأدوات تعتمد على الفائدة، مما يخلق تحديا للمؤسسات
المالية الإسلامية.
تطوير أدوات سياسة نقدية إسلامية متوافقة مع الشريعة وفعالة
في نفس الوقت؛ يتطلب جهدا بحثيا وتنسيقا بين البنك المركزي والخبراء الشرعيين والماليين.
بعض الدول نجحت في تطوير أدوات كالصكوك المركزية وعقود المضاربة مع البنك المركزي،
لكن مصر لا تزال في بداية الطريق.
- الاعتماد
الكبير على الاقتراض الخارجي الربوي
الفصل الواضح بين التمويل الإسلامي كنظام اقتصادي تقني وبين الاستخدامات السياسية ضروري لنجاحه. التمويل الإسلامي يجب أن يُقدَّم كخيار اقتصادي عملي يخدم الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم
اقتصاد الدولة المصرية يعتمد بشكل كبير على الاقتراض الخارجي
من مؤسسات دولية وبنوك أجنبية بفوائد ربوية. هذا يخلق بيئة اقتصادية عامة متشبعة بالربا،
ويصعّب على التمويل الإسلامي أن يكون بديلا شاملا.
تطوير بدائل تمويل إسلامية على مستوى الدولة، كإصدار صكوك
سيادية بكميات كبيرة، وجذب استثمارات إسلامية مباشرة، سيساعد في تقليل هذا الاعتماد
وخلق بيئة أكثر توافقا مع التمويل الإسلامي.
- ضعف الاستثمار
في البحث والتطوير
الابتكار في المنتجات المالية وتطوير التقنيات الجديدة
يتطلب استثمارا مستمرا في البحث والتطوير. لكن معظم المؤسسات المالية الإسلامية في
مصر تخصص موارد محدودة جدا لهذا الغرض، وتكتفي بتقليد ما تفعله المؤسسات التقليدية
أو الإسلامية في دول أخرى.
هذا يحد من القدرة على الابتكار والتطوير المحلي، ويجعل
مصر مستهلكا للابتكارات لا منتجا لها في هذا المجال.
- الحساسيات
السياسية حول "الإسلامي"
في بعض الفترات والسياقات، كل ما يحمل صفة "إسلامي"
قد يواجه حساسيات سياسية أو تشككا من بعض الأطراف. البعض يربط التمويل الإسلامي بأجندات
سياسية أو أيديولوجية، مما يعقد الأمور ويحول دون الدعم السياسي الكامل.
الفصل الواضح بين التمويل الإسلامي كنظام اقتصادي تقني
وبين الاستخدامات السياسية ضروري لنجاحه. التمويل الإسلامي يجب أن يُقدَّم كخيار اقتصادي
عملي يخدم الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم.
- المقاومة
من أصحاب المصالح في النظام التقليدي
نمو التمويل الإسلامي يعني تراجع حصة النظام التقليدي من
السوق. هذا يخلق مقاومة طبيعية من اللوبيات المصرفية التقليدية القوية، التي قد تستخدم
نفوذها لعرقلة التشريعات الداعمة للتمويل الإسلامي أو لإبقاء المنافسة غير متكافئة.
التغلب على هذه المقاومة يتطلب إرادة سياسية قوية، ووعيا
بأن التمويل الإسلامي ليس بديلا يلغي التقليدي بل مكملا يثري المنظومة ويخدم شرائح
إضافية من المجتمع.
في الختام.. التحديات فرص للنمو والتطور
هذه التحديات الكثيرة والمتنوعة قد تبدو مثبطة للعزيمة،
لكن الحقيقة أنها فرص للنمو والتطور، فكل تحدٍّ يُواجَه بحكمة ويُحَلّ بكفاءة يقرّب
مصر خطوة نحو بناء منظومة تمويل إسلامي قوية ومستدامة.
التجارب العالمية الناجحة في ماليزيا والخليج وغيرها بدأت
بتحديات مشابهة أو أكبر، لكن الإرادة والرؤية والعمل الدؤوب حولتها إلى قصص نجاح ملهمة.
مصر بعمقها الحضاري وإمكاناتها البشرية والاقتصادية، قادرة
على تجاوز هذه التحديات. لكن ذلك يتطلب صراحة في التشخيص، وواقعية في التخطيط، وإصرارا
في التنفيذ، وصبرا استراتيجيا على النتائج.
الطريق طويل لكن الهدف يستحق، اقتصاد أكثر عدالة واستقرارا،
مجتمع أكثر تماسكا وازدهارا، ووطن يحقق طموحاته في أن يكون بين أفضل عشرة اقتصادات
في العالم بحلول عام 2040.