مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (29)

علي شيخون
CC0
CC0
شارك الخبر
29- تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة: العمود الفقري للنهضة الاقتصادية

تناولنا في المقال السابق فكرة المشروعات الصغيرة ودورها في النهضة وتجارب معاصرة، وفي هذا المقال سنتناول استراتيجيات تنفيذ الفكرة وتحدياتها.

استراتيجيات تمويل المشروعات الصغيرة

إنشاء منصات التمويل الجماعي الإسلامي

التمويل الجماعي أصبح ظاهرة عالمية في السنوات الأخيرة، والفكرة بسيطة، صاحب مشروع يعرض فكرته على منصة إلكترونية، وعشرات أو مئات من الأفراد يساهمون بمبالغ صغيرة لتمويله. إذا اكتمل المبلغ المطلوب يبدأ المشروع والمساهمون يحصلون إما على حصص ملكية، أو نسبة من الأرباح، أو منتجات وخدمات، حسب نموذج المنصة.

هذا النموذج تمكن أسلمته بسهولة، المنصة تعمل كوسيط بين أصحاب المشروعات والممولين، وتضمن توافق كل العمليات مع الشريعة. يمكن استخدام صيغ المشاركة أو المضاربة أو السلم أو الاستصناع، حسب طبيعة المشروع.

يتميز هذا النموذج بسعة رقعة الممولين فأي شخص -حتى بألف جنيه- يمكنه أن يكون مستثمرا وشريكا في مشروع واعد.

توزيع المخاطر؛ فبدلا من أن يعتمد المشروع على ممول واحد كبير، يعتمد على عشرات الممولين الصغار، مما يقلل المخاطر على الجميع، والشفافية؛ فكل شيء موثق ومنشور على المنصة، والوصول لشرائح جديدة. فشاب مبدع في قرية نائية يمكنه الوصول لمستثمرين في العاصمة أو حتى في الخارج، دون حاجة للسفر أو علاقات شخصية، والبعد الاجتماعي؛ فكثير من الممولين يساهمون ليس فقط طمعا في الربح، بل رغبة في دعم مشروعات ذات أثر اجتماعي إيجابي.

إنشاء الحاضنات والمسرّعات الإسلامية للمشروعات

الحاضنة والمسرّع مؤسسات تدعم المشروعات في مراحلها الأولى، ليس فقط بالتمويل بل بالإرشاد والتدريب والربط بالأسواق والشبكات. الفرق أن الحاضنة تعمل مع الأفكار في مراحلها الجنينية، بينما المسرّع يعمل مع مشروعات موجودة بالفعل لكنها تحتاج دفعة قوية للنمو السريع.

يمكن إنشاء حاضنات ومسرّعات إسلامية تعمل وفق المبادئ الشرعية، وتستهدف قطاعات معينة أو مناطق جغرافية محددة. هذه المؤسسات تقدم التمويل الأولي بصيغ إسلامية (مضاربة، مشاركة، سلم، استصناع)، بمبالغ متواضعة لكن كافية للبداية.

وتقدم أيضا الإرشاد والتوجيه من خبراء ورجال أعمال ناجحين يقدمون خبراتهم ومشورتهم مجانا أو بمقابل رمزي. وتوفر التدريب على المهارات الإدارية والتسويقية والمالية التي غالبا ما يفتقر إليها أصحاب المشروعات الصغيرة.

وتوفر مساحات عمل مشتركة بتكلفة منخفضة أو مجانية، مما يوفر على المشروع الناشئ تكاليف الإيجار الباهظة.

وتضمن الربط بالأسواق والعملاء والموردين من خلال شبكة علاقات الحاضنة. وتوفر التواصل مع مستثمرين ومموّلين محتملين لجولات تمويل لاحقة عندما يكبر المشروع.

بناء منظومة متكاملة لدعم القدرات وتبسيط الإجراءات والتسهيلات الإدارية

التمويل وحده لا يكفي، فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة تحتاج منظومة دعم شاملة تتضمن عدة عناصر.

- من التدريب وبناء القدرات. معظم أصحاب المشروعات الصغيرة يمتلكون مهارة فنية أو حرفية، لكنهم يفتقرون للمهارات الإدارية والتسويقية والمالية. برامج التدريب المتخصصة ضرورية لسد هذه الفجوة.

- إدارة الأعمال الأساسية؛ التخطيط، التنظيم، الرقابة، اتخاذ القرارات، المحاسبة المبسطة، وكيف يحسب ربحه الحقيقي، وكيف يخطط لتدفقاته النقدية.

- التسويق وكيف يفهم احتياجات عملائه، وكيف يميز منتجه، وكيف يسعّر بشكل صحيح، وكيف يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والتسويق الرقمي.

- التفاوض والتواصل وكيف يتفاوض مع الموردين والعملاء، وكيف يبني علاقات تجارية مستدامة.

- الامتثال القانوني وكيف يسجل مشروعه رسميا، وما التزاماته الضريبية والقانونية.

- هذا التدريب يجب أن يكون عمليا ومبسطا ومتاحا، من خلال ورش عمل في المناطق المختلفة، أو دورات مجانية عبر الإنترنت، أو برامج إرشادية يقدمها رجال أعمال متطوعون.

كما أن البيروقراطية والإجراءات المعقدة من أكبر معوقات المشروعات الصغيرة. صاحب المشروع الصغير لا يملك الوقت ولا المال لمتابعة أوراق في عشرات الجهات الحكومية. مصر بحاجة لـنافذة واحدة لتسجيل المشروعات الصغيرة وإصدار التراخيص اللازمة بدلا من التنقل بين جهات متعددة.

وكذلك إجراءات رقمية، وكل الإجراءات يجب أن تكون متاحة إلكترونيا، من التسجيل إلى التراخيص إلى تقديم الإقرارات الضريبية، مع إعفاءات ضريبية للمشروعات في سنواتها الأولى، ورسوم مخفضة، وإجراءات مبسطة للمشروعات الصغيرة جدا.

تسهيل الوصول للأسواق

كثير من المشروعات الصغيرة تنتج منتجات جيدة لكنها تعجز عن تسويقها والوصول للعملاء. الحلول تشمل معارض دورية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، مدعومة حكوميا أو من القطاع الخاص، تتيح لهم عرض منتجاتهم وبناء قاعدة عملاء، ومنصات تجارة إلكترونية متخصصة في المنتجات المحلية والحرفية، تربط المنتج الصغير بملايين المستهلكين.

وكذلك برنامج الشراء الحكومي، فالحكومة يجب أن تخصص نسبة من مشترياتها للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، مما يوفر لها دخلا ثابتا وسمعة جيدة. وربط المشروعات الصغيرة بالشركات الكبرى وتشجيع الشركات الكبيرة على الشراء من الموردين الصغار المحليين، أو دمجهم في سلاسل التوريد. ودعم التصدير ببرامج المساعدة على دخول الأسواق الخارجية من خلال المشاركة في المعارض الدولية، وتسهيلات لوجستية، ودعم في الحصول على الشهادات اللازمة.

الحماية القانونية والتشريعية

المشروعات الصغيرة بحاجة لإطار قانوني يحميها ويدعمها، فقانون موحد للمشروعات الصغيرة والمتوسطة يحدد تعريفها وحقوقها والتزاماتها والامتيازات الممنوحة لها، والحماية من المنافسة غير العادلة، ومنع الشركات الكبرى من ممارسات احتكارية أو تسعير جائر يقضي على المشروعات الصغيرة.

وكذلك تسهيل إجراءات الإفلاس وإعادة الهيكلة، فإذا تعثر مشروع صغير يجب أن تكون هناك آليات قانونية سريعة وعادلة لإعادة هيكلته أو تصفيته دون إفلاس صاحبه مدى الحياة، لإتاحة فرصة ثانية.

وحماية حقوق الملكية الفكرية لصاحب المشروع الصغير لمنتجاته أو تصميماته، يجب حماية حقه فيه من السرقة والتقليد.

التمويل الحكومي والصناديق الداعمة

الحكومة يمكن أن تلعب دورا محوريا من خلال صندوق وطني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بتمويل حكومي وخاص، يقدم تمويلا ميسرا بصيغ إسلامية ويدعم البرامج التدريبية والإرشادية، ثم تقوم الحكومة بتقديم ضمانات جزئية للبنوك والمؤسسات المالية التي تمول المشروعات الصغيرة، مما يقلل من مخاطرها ويشجعها على التوسع في هذا القطاع.

وكذلك تقديم حوافز ضريبية للمستثمرين، فمن يستثمر في المشروعات الصغيرة والمتوسطة يحصل على خصم ضريبي أو إعفاءات، مما يحفز توجيه المزيد من رؤوس الأموال لهذا القطاع. وإنشاء مناطق صناعية ومجمعات حرفية بأسعار إيجار مخفضة، مجهزة بالخدمات الأساسية، تجمع عشرات أو مئات المشروعات الصغيرة وتوفر لها بيئة عمل مناسبة.

خامسا: التحديات الخاصة بتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة إسلاميا

معضلة التكلفة مقابل العائد في المشروعات الصغيرة

تمويل مشروع صغير بمبلغ 20 ألف جنيه يحتاج نفس الجهد الإداري والتقييمي تقريبا الذي يحتاجه تمويل مشروع بمليوني جنيه، وزيارات ميدانية، ودراسة جدوى، وتقييم مخاطر، وعقود قانونية، ومتابعة دورية، ومحاسبة، وتدقيق شرعي. لكن العائد من الأول لا يتجاوز بضعة آلاف جنيهات سنويا، بينما الثاني قد يحقق مئات الآلاف.

هذه المعادلة الاقتصادية البسيطة تجعل المؤسسات المالية -حتى الإسلامية- تفضل التعامل مع المشروعات الكبيرة والمتوسطة الكبرى، وتحجم عن المشروعات الصغيرة جدا والمتناهية الصغر. فكيف نحل هذه المعضلة دون تحميل أصحاب المشروعات الصغيرة تكاليف باهظة تقضي على مشروعاتهم قبل أن تبدأ؟

التناقض بين المشاركة الحقيقية والقدرة على المتابعة

صيغ المشاركة والمضاربة تتطلب متابعة دقيقة ومستمرة للمشروع: أين ذهبت الأموال؟ كيف تُدار؟ ما هي الأرباح الفعلية؟ هذه المتابعة سهلة مع شركة متوسطة لها سجلات محاسبية منتظمة ومدققة. لكن مع مشروع صغير يُدار من منزل صاحبه أو من محل صغير، والذي يخلط بين أموال المشروع ومصروفاته الشخصية، كيف يمكن المتابعة الفعلية؟

الممول يواجه خيارين صعبين: إما أن يقوم بمتابعة دقيقة جدا تكلفه موارد ضخمة وتستنزف وقته، أو يتساهل في المتابعة فيفقد السيطرة على أمواله ويفتح باب التلاعب. كلا الخيارين غير عملي، مما يدفع المؤسسات للعودة إلى المرابحة البسيطة بدلا من المشاركة الحقيقية.

إشكالية تقييم المشروعات غير المسجلة

أكثر من 60 في المئة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر تعمل في القطاع غير الرسمي؛ لا تسجيل تجاريا، لا سجلات محاسبية، لا إقرارات ضريبية، لا عقود موثقة مع الموردين أو العملاء، كل شيء يتم نقدا وشفهيا وبالثقة الشخصية.

عندما يتقدم صاحب مثل هذا المشروع للحصول على تمويل، على أي أساس تُقيّم المؤسسة المالية مشروعه؟ كيف تتأكد من صحة ما يقوله عن دخله وأرباحه؟ كيف تتابع أداءه لاحقا؟ الثقة العمياء غير ممكنة في العمل المؤسسي، والتشكيك المستمر يقتل العلاقة من البداية.

التوتر بين الحاجة للضمانات والفلسفة الإسلامية

فلسفة التمويل الإسلامي تقوم على الشراكة والثقة والمشاركة في المخاطر، لا على الضمانات المادية الثقيلة. لكن الواقع العملي يفرض تحديات صعبة: كيف تحمي المؤسسة حقوقها إذا فشل المشروع أو تلاعب صاحبه؟ في غياب ضمانات حقيقية المؤسسة تصبح عرضة لخسائر فادحة.

البديل هو طلب ضمانات (عقار، كفيل، تأمين)، لكن صاحب المشروع الصغير غالبا لا يملك عقارا يرهنه، ولا يجد كفيلا موسرا، والتأمين التكافلي لهذا النوع من المشروعات لم يتطور بعد بشكل كافٍ. نحن أمام معادلة صعبة بين المبادئ والواقع.

مشكلة السيولة النقدية اليومية

المشروعات الصغيرة جدا (بائع متجول، صاحب محل خضار، حرفي صغير) تحتاج سيولة نقدية يومية أكثر من حاجتها لتمويل طويل الأجل، تحتاج لشراء البضاعة اليوم وبيعها مساء، أو شراء الخامات صباحا وإنتاج وبيع المنتج بعد أيام قليلة.

الصيغ التمويلية الإسلامية التقليدية (مرابحة، مشاركة، مضاربة) مصممة لتمويلات أطول أجلا، لا لتسهيلات يومية أو أسبوعية. كيف نطور منتجات مالية إسلامية تلبي هذه الاحتياجات الخاصة جدا دون الوقوع في محظورات شرعية؟

صعوبة التوسع الجغرافي في المناطق النائية

معظم المؤسسات المالية الإسلامية تتمركز في القاهرة والمدن الكبرى، حيث الكثافة السكانية العالية والمشروعات أكثر تنظيما. لكن المناطق الريفية والنائية -حيث تتركز الحاجة الحقيقية للتمويل- تعاني من غياب شبه كامل للخدمات المالية الإسلامية. ففتح فرع في قرية نائية تكلفته مرتفعة (إيجار، موظفون، تجهيزات، أمن) مقابل عدد محدود من العملاء المحتملين وحجم تمويل متواضع. المعادلة الاقتصادية لا تشجع التوسع، والنتيجة حرمان ملايين الريفيين من فرص التمويل الإسلامي.

الموسمية الشديدة في بعض القطاعات

المشروعات الزراعية والسياحية وبعض الصناعات الحرفية تعاني من موسمية حادة في الدخل. المزارع يحصد مرة أو مرتين سنويا، والحِرفي الذي يصنع منتجات موسمية (فوانيس رمضان مثلا) يبيع في فترة محددة فقط. كيف يسدد أقساطا شهرية منتظمة وهو لا يحصل على دخل إلا في مواسم معينة؟

الصيغ التمويلية الإسلامية التقليدية لا تأخذ هذه الخصوصية في الاعتبار بشكل كافٍ، مما يخلق ضغطا هائلا على أصحاب هذه المشروعات ويزيد من احتمالات التعثر.

الفجوة بين الطموح والواقع في صيغ المشاركة

نظريا، المشاركة والمضاربة صيغ عادلة ومثالية، لكن واقعيا تطبيقها على نطاق واسع مع آلاف المشروعات الصغيرة المتناثرة جغرافيا وضعيفة التنظيم يكاد يكون مستحيلا. كيف تتابع مؤسسة مالية واحدة 10,000 مشروع صغير بصيغة مشاركة وتحسب أرباح كل منها بدقة؟

النتيجة أن المؤسسات تلجأ للمرابحة (الأسهل إداريا) أو تتعامل مع عدد محدود جدا من المشروعات بصيغة المشاركة، مما يحد من الأثر الاجتماعي الواسع المنشود.

غياب البنية التحتية الرقمية في القطاع غير الرسمي

الحلول التكنولوجية (تطبيقات موبايل، منصات إلكترونية، مدفوعات رقمية) يمكن أن تخفض تكاليف المعاملات بشكل هائل، لكن معظم أصحاب المشروعات الصغيرة -خاصة في الفئات العمرية الأكبر أو في الريف- لا يمتلكون هواتف ذكية، أو لا يجيدون استخدامها، أو لا يثقون بالتعاملات الإلكترونية.

بناء البنية التحتية الرقمية وتدريب الناس عليها واكتساب ثقتهم يحتاج وقتا طويلا واستثمارا ضخما، وحتى يحدث هذا، تبقى التكلفة العالية للمعاملات التقليدية عائقا كبيرا.

صعوبة قياس الأثر الاجتماعي وربطه بالعائد المالي

المؤسسات المالية الإسلامية تؤكد دائما على بعدها الاجتماعي، لكن كيف نقيس هذا الأثر؟ مشروع صغير نجح في إخراج أسرة من الفقر، أو خلق خمس فرص عمل إضافية، أو ساهم في تنمية قرية نائية. هذا أثر اجتماعي عظيم، لكنه لا يظهر في الميزانية المالية.

المستثمرون والمساهمون ينظرون للعائد المالي فقط. إذا كانت ربحية تمويل المشروعات الصغيرة أقل من البدائل الأخرى، سيضغطون لتحويل الموارد نحو مجالات أكثر ربحية، حتى لو كان أثرها الاجتماعي أقل. كيف نوازن بين المسؤولية الاجتماعية والاستدامة المالية؟

التعامل مع التعثر والفشل بشكل شرعي

عندما يفشل مشروع صغير بسبب ظروف خارج إرادة صاحبه (كارثة، مرض، تغير السوق)، ماذا يحدث؟ في صيغة المشاركة أو المضاربة، المفترض أن يتحمل الممول الخسارة المالية ويتحمل المضارب خسارة الجهد. لكن في الواقع، المؤسسات المالية غالبا ما تطلب ضمانات أو كفلاء، وعند الفشل تطالب بالسداد.

هذا التناقض بين النظرية والتطبيق يضعف مصداقية التمويل الإسلامي، ويجعله في نظر البعض مجرد نظام تقليدي بمسميات إسلامية. كيف نطور آليات شرعية وعملية للتعامل مع حالات التعثر والفشل دون ظلم لأي طرف؟

الافتقار لشبكات أمان اجتماعي فعالة

صاحب المشروع الصغير الذي يفشل يجد نفسه في فراغ؛ لا تأمين بطالة، لا تأمين صحيا كافيا، لا دعم حكوميا فعالا، لا شبكة أمان تحميه وأسرته من السقوط في الفقر المدقع. هذا الخوف من الفشل يجعل كثيرين يحجمون عن المخاطرة ببدء مشروع حتى لو توفر التمويل.

في غياب شبكة أمان اجتماعي قوية (تأمين صحي شامل، دعم غذائي للفقراء، سكن اجتماعي، تعليم مجاني جيد)، تصبح المخاطرة بترك وظيفة ثابتة لبدء مشروع حرة عبارة عن مغامرة قد تكلف الإنسان وأسرته كل شيء.

حلول مبتكرة وواقعية لهذه التحديات الخاصة

التجميع والتنميط لخفض التكاليف

بدلا من معاملة كل مشروع صغير كحالة فريدة، يمكن تصنيف المشروعات إلى أنماط متشابهة (مشروعات زراعية صغيرة، محلات تجزئة، ورش حرفية، خدمات.. إلخ) ووضع منتجات تمويلية موحدة لكل نمط. هذا التنميط يخفض هائلا من تكاليف التقييم والمعالجة.

استخدام نماذج تقييم مبسطة قائمة على الثقة المجتمعية

الاستفادة من التقييم الاجتماعي بدلا من التقييم المالي الصرف. في القرى والمجتمعات المحلية، الناس يعرفون بعضهم جيدا: من الأمين ومن غير الأمين، من الجاد ومن المستهتر. الاعتماد على لجان مجتمعية أو مجموعات ضمان محلية يمكن أن يكون بديلا فعالا وأقل تكلفة من التقييم المؤسسي الرسمي.

تطوير منتجات تمويل قصيرة الأجل جدا

ابتكار صيغ إسلامية للتمويل اليومي والأسبوعي، مثل مرابحة يومية مبسطة فالمؤسسة تشتري البضاعة صباحا وتبيعها للتاجر الصغير بهامش ربح صغير جدا، يسددها مساء أو في نهاية الأسبوع، صندوق تمويل دوار يقوم مجموعة من أصحاب المشروعات بالاشتراك في صندوق يمول أحدهم لأسبوع ثم الآخر وهكذا، سلم قصير الأجل بتمويل شراء خامات بصيغة السلم لإنتاج سريع وبيع سريع

الوكلاء المحليون لمؤسسات التمويل بدلا من الفروع المكلفة

بدلا من فتح فروع للمؤسسة المالية في كل قرية يتم تعيين وكلاء محليين من أهل المنطقة نفسها (صيدلي، عمدة، تاجر موثوق، معلم متقاعد)، يعملون كحلقة وصل بين المؤسسة المالية وأصحاب المشروعات. يتلقى الوكيل عمولة بسيطة على كل عملية، ويكون مسؤولا عن التقييم الأولي والمتابعة البسيطة.

جداول سداد مرنة تراعي موسمية الدخل،

يتم تصميم خطط سداد خاصة بالمشروعات الموسمية، للمزارع: سداد واحد أو اثنين سنويا بعد الحصاد، لصانع الحرف الموسمية سداد مرتكز في موسم البيع، للعامل في السياحة أقساط أعلى في موسم الذروة وأقل في الموسم المنخفض. هذه المرونة تقلل من ضغوط السداد وتخفض احتمالات التعثر.

منصات تمويل جماعي محلية صغيرة

بدلا من منصة واحدة كبيرة، إنشاء منصات صغيرة متخصصة جغرافيا (منصة لمحافظة الفيوم، أخرى للمنيا) أو قطاعيا (منصة للمشروعات الزراعية فقط). هذا التخصص يسهل التقييم والمتابعة، ويبني ثقة أكبر بين الممولين وأصحاب المشروعات.

برامج تدريب مدمجة إلزامية

ربط التمويل بتدريب إلزامي مكثف (أسبوع أو أسبوعين) قبل صرف التمويل، يتعلم فيه صاحب المشروع الأساسيات الإدارية والمالية والتسويقية. هذا التدريب يرفع معدلات النجاح بشكل ملحوظ، ويبرر جزءا من التكلفة الإضافية.

صناديق للحالات الطارئة والفشل

إنشاء صندوق خاص (ممول من جزء من أرباح المؤسسة أو من زكاة الأموال أو من تبرعات) لدعم أصحاب المشروعات الذين فشلوا بسبب ظروف خارج إرادتهم. الصندوق لا يلغي الديون، لكنه يقدم دعما طارئا (غذاء، علاج، تعليم أطفال) لحماية الأسرة من السقوط في الفقر المدقع.

شراكات استراتيجية مع الجهات الحكومية والمنظمات الأهلية

التعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي: للوصول لقواعد بيانات الأسر الفقيرة والمحتاجة، مع الجمعيات الأهلية التي لها حضور قوي في المناطق الفقيرة وتعرف احتياجاتها، ومع المجالس المحلية للحصول على دعم محلي وتسهيلات في التراخيص، ومع غرف التجارة والصناعة لربط المشروعات الصغيرة بسلاسل التوريد والأسواق، هذه الشراكات توفر موارد وخبرات وشبكات لا تملكها المؤسسات المالية وحدها.

وفي الختام، فإن مصر لن تصل إلى مصاف أفضل عشرة اقتصادات عالمية بالاعتماد على عدد محدود من الشركات الكبرى أو القطاعات المحدودة. النهضة الحقيقية تأتي من إطلاق طاقات ملايين المصريين، من تحويل كل فرد لديه فكرة ومهارة إلى منتج ومساهم في الاقتصاد، من بناء اقتصاد متنوع ومرن قائم على آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة المنتشرة في كل مدينة وقرية.

والتمويل الإسلامي بمبادئه العادلة وصيغه المرنة وقيمه الأخلاقية هو المفتاح لفتح هذا الباب الواسع. إنه ليس مجرد بديل تقني، بل منظومة متكاملة تحقق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والرضا النفسي في آن واحد.

المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي القلب النابض للاقتصاد، والتمويل الإسلامي هو الدم الذي يضخ الحياة في هذا القلب؛ معا يصنعان المعجزة الاقتصادية التي ننشدها.

الطريق واضح والإمكانيات متاحة والأمثلة الناجحة موجودة حول العالم، ما ينقصنا هو الإرادة السياسية، والتخطيط المحكم، والعمل الدؤوب، والصبر الاستراتيجي.

مصر قادرة بإذن الله على بناء منظومة رائدة عالميا في التمويل الإسلامي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، منظومة تحول ملايين المصريين من باحثين عن فرص إلى صانعين لها، ومن مستهلكين إلى منتجين، ومن أفراد يعانون البطالة إلى رواد أعمال يخلقون فرص العمل للآخرين.

هذا ليس حلما بعيد المنال، بل هدف قابل للتحقيق إذا توفرت الرؤية والعزيمة. وعندما يتحقق، سنجد أن الطريق نحو مصاف العشرة الكبار اقتصاديا أصبح أقرب بكثير مما كنا نتصور.
التعليقات (0)