العراق ولحظة استعادة القرار الوطني

فراس السقال
"الوطنيّة العراقيّة، حين تُقدَّم على ما سواها، هي الكفيلة بجمع الكلمة وتجاوز انقسامات الماضي"- جيتي
"الوطنيّة العراقيّة، حين تُقدَّم على ما سواها، هي الكفيلة بجمع الكلمة وتجاوز انقسامات الماضي"- جيتي
شارك الخبر
يمرّ العراق اليوم بمرحلة دقيقة من تاريخه الحديث، تختلط فيها التحدّيات بالفرص، والقلق بالأمل. فالتغيرات المتسارعة في الإقليم، وما تشهده المنطقة من صراعات واضطرابات، قد تفتح نافذة تاريخيّة أمام العراقيين لإعادة ترتيب بيتهم الداخلي، واستعادة قرارهم الوطني المستقل بعيدا عن أيّ هيمنة أو تدخّل خارجي.

مخاطر التدخلات الأجنبية

لقد أثبتت تجارب التاريخ أنّ الذي يُرهق أيّ بيت ويفسده هو التدخل الخارجي، وكذلك حال الدول والشعوب. فمتى ما تسللت الأجندات الأجنبية إلى مفاصل القرار، تراجعت المصلحة الوطنيّة، وانشغل أهل البلد بصراعات لا تخدم استقراره ولا مستقبل أبنائه. والعراق، بما له من موقع جغرافيّ وثقل حضاريّ وثروات هائلة، كان مرارا ساحة لتجاذبات إقليميّة ودوليّة أثّرت في مساره السياسيّ والاقتصاديّ.

متى ما تسللت الأجندات الأجنبية إلى مفاصل القرار، تراجعت المصلحة الوطنيّة، وانشغل أهل البلد بصراعات لا تخدم استقراره ولا مستقبل أبنائه

وعبر قرون طويلة من تاريخ العراق، عاش السنّة والشيعة جنبا إلى جنب، تقاسموا المدن والأسواق والمصاهرة والهموم اليوميّة، ولم تكن الهويّة المذهبيّة يوما سببا لصراع اجتماعيّ شامل بينهم. لقد شكّل العراقيون بمختلف مذاهبهم نسيجا وطنيا واحدا، يتقدّم فيه الانتماء للعراق على ما سواه، غير أنّ الأزمات كانت تتفاقم كلما اشتدت التدخلات الإقليميّة ذات الطابع السياسي والمذهبي والتوسعي، حين حاولت بعض القوى الخارجيّة توظيف الانتماءات الدينيّة لخدمة مشاريعها، فتُؤجَّج نار الفتنة من خارج السياق الوطني.

تحدّيات التحوّل ومسار تشرين

وبناء على هذا العمق التاريخيّ، شهد العراق تحوّلا جذريا بعد عام 2003، برزت معه تحدّيات عميقة في إدارة التعدديّة وسط استقطابات حادّة بلغت ذروتها في سنوات الاحتقان الطائفي. ومع مرور الوقت، عبّرت احتجاجات تشرين 2019 عن نزعة وطنيّة لافتة تجاوزت الانقسام المذهبي، ورفعت شعار الدولة الوطنيّة والسيادة، في دلالة واضحة على أنّ الوعي الشعبيّ العراقيّ يتّجه اليوم وبقوة نحو استعادة الهويّة الجامعة.

وفي هذا السياق، يتطلع المتابعون اليوم إلى دور المرجعيات الدينيّة العراقيّة في ترسيخ خطاب وطنيّ يبتعد عن التجاذبات الإقليميّة، لتظل صمام أمان للسلم الأهلي. إنّ الحفاظ على مكانة المرجعيّة كرمز روحيّ يراعي خصوصيّة الواقع الوطنيّ العراقيّ بعيدا عن أيّ اصطفافات سياسيّة خارجيّة، هو ركيزة أساسيّة لحماية وحدة المجتمع وصيانة قراره المستقل.

مشروع الدولة ومؤسسات الإصلاح

إنّ استعادة القرار تتطلب إدارة تكنوقراطية وطنيّة تدير الثروات بنزاهة وتوقف هدر الموارد. وهذا لن يتحقق دون إصلاح اقتصادي ينوّع مصادر الدخل، ومنظومة قانونية صارمة تحول مكافحة الفساد من شعار إلى واقع. ويبقى استقلال القضاء هو حجر الزاوية، فلا بناء لدولة قويّة دون قضاء مستقل يحمي الدستور ويُخضع الجميع لسلطة القانون دون انتقائيّة.

ويتطلّع العراقيون بمختلف مكوناتهم اليوم إلى وطن لا يخضع لهيمنة أيّ طرف، بل إنّ أصواتا وطنيّة وازنة داخل المكوّن الشيعي باتت تؤكد هويتها العراقيّة وترفض اختزال انتمائها في إطار تبعية سياسية لأيّ قوّة إقليميّة. إنّ الوطنيّة العراقيّة، حين تُقدَّم على ما سواها، هي الكفيلة بجمع الكلمة وتجاوز انقسامات الماضي.

اللحظة الراهنة فاصلة وحاسمة، فإمّا يبنى المشروع الوطني على أسس السيادة ودولة القانون، وإمّا البقاء في دائرة التجاذبات

أما الطاقم السياسي الحالي، فيواجه اختبارا حقيقيّا في مواكبة مرحلة تتطلب استقلالا أوضح في القرار. فالمرحلة القادمة تحتاج شخصيات تمتلك الكفاءة والقدرة على التحرر من أي ارتباط خارجي، والعراق يزخر بالشرفاء والخبراء المؤهلين لقيادة بلدهم نحو برّ الأمان إذا ما توفرت الإرادة الشعبيّة الجامعة التي تُعلي مصلحة البلاد فوق كلّ اعتبار.

العراق جسرا لتلاقي المصالح

إنّ استعادة القرار الوطنيّ لا تعني الانكفاء، بل تعني تحويل العراق من ساحة لتصادم الإرادات إلى جسر لتلاقي المصالح، يكون استقراره مصلحة للجميع، فالعراق بتاريخِه وثقله قادر على استعادة دوره الفاعل في محيطه العربيّ والإقليميّ، شريطة أن ينبع قراره من الداخل، حفاظا على السلم الأهلي وتجنبا لصراعات الوكالة.

إنّ اللحظة الراهنة فاصلة وحاسمة، فإمّا يبنى المشروع الوطني على أسس السيادة ودولة القانون، وإمّا البقاء في دائرة التجاذبات. ويبقى القرار الحقيقي مرهونا بوعي العراقيين وقدرتهم على تقديم مصلحة وطنهم فوق كلّ اعتبار، فالعراق القوي بسيادته هو الضمانة الحقيقيّة لاستقراره واستقرار المنطقة من حوله.

سَلامٌ على هَضَباتِ العِراقِ    وشَطَّيهِ والجُرفِ والمنحنى
سَـلامٌ عـليـهِ، فمـا أَجمــلَ    العـِراقَ وأَبـــهى بهِ موطنـا
التعليقات (0)