يؤمن ملايين الأمريكان، ومعهم أرتال من
الأوروبيين بأن كتاب "النبوءات" للمنجِّم والصيدلاني الفرنسي ميشيل دي
نوستراداموس (1503 ـ 1566)، يحوي نبوءات حول وقائع وأحداث سيشهدها هذا البلد أو
ذاك، على مرّ القرون، وبدوري فقد ظللت أقوم، وعلى مدى بضع سنوات، بالترويج لنفسي
كشخص من أصحاب البركات والكرامات، في مقالاتي هنا وهناك بعد أن أضفيت على نفسي لقب
سي. دي. CD، كي أبدو
مواكبا للعصر، تقاس قدراته الخارقة بالميغا بايت والغيغا بايت، وقابل لـ "التحديث"،
وإعادة البرمجة، وتفاديا لشبهة "الرجم بالغيب"، فقد قصرت قدراتي
الكهنوتية على استدعاء الماضي والكشف عن أمور حدثت لم ينتبه اليها الآخرون، مع
ربطها بالحاضر، أي أن قدراتي ذات أثر رجعي.
ولعلي قلت في الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب
على مدى نحو عشر سنوات، أكثر مما قاله مالك في الخمر، وجرير في الفرزدق، والعكس،
والمتنبي في ضبّة الأسدي: ما أنصف القوم ضبة/ وأمه الطُرطبّة/ وَما يَشُقُّ عَلى
الكَلــبِ/ أَن يَكونَ ابنَ كَلْبَةْ. ولم أكن في ذلك متجنِّيا على الرجل، فقد ظل
يثبت بالأقوال والأفعال أنه دنس ونجس، وأنه فيروس أصاب أوصال العالم كله بالعطب،
والخطوب الجسام، ولهذا دعا عليه الشاعر الحطيئة من تحت التراب:
حياتك ما علمت حياة سوء / وموتك قد يسر الصالحينا
ولعل الحطيئة أول من تكهن بظهور هذا الكائن
بلونه البرتقالي ووجهه الذي يقطع الخميرة:
أرى لي وجها قبح الله خلقه / فقُبِّح من وجه وقُبِّح حامله
بينما قال فيه أبو المنصور الأصفهاني:
رجلُ كوجهِ البغل طلعتهُ / ما ينقضي من قبحِه الوصفُ
من حيث ما تأتيه تُبصِرهُ / من أجلِ ذاك أمامَهُ خلفُ
حصنٌ لهُ من كلِ نائبةٍ / وعلى بنيهِ بعدَهُ وقفُ
جفتِ المدائحُ عن خلائقهِ / ولقد يليقُ بوجههِ القذفُ
لم ينجح ترامب بالوفاء بأي من الوعود التي
بذلها خلال حملته الانتخابية، ومن ثم بات يرمي اللوم الفج، على من سبقوه في الحكم،
فقد قال إن سلفه على كرسي الرئاسة جو بايدن أنفق 8 مليارات من الدولارات لجعل
الفئران مزدوجة الجنس أي تجمع بين الذكورة والأنوثة، وعندما سقطت طائرة ركاب
أمريكية خلال رحلة داخلية، في مطلع عام 2025 قال إن الرئيس الأسبق باراك أوباما ـ
الذي رحل عن السلطة في يناير 2017 هو المسؤول عن الحادث، فكان أن صاح فيه جرير بن
عطية عبر القرون:
فغُضّ الطرف أنك يا ترامبو / لا بوشاً بلغت ولا أوباما.
يعني أن ترامب ليس في قامة الرئيسين
السابقين بوش وأوباما، ولما قالوا لجرير ان بيت الشعر هذا مكسور، أجاب بأنه يتعلق
بشخص مكسور، وأن كسر المكسور "مجبور".
ولا يخفى على كل ذي حس وحواس سليمة، أن
ترامب جاهل عصامي، فتوالي السنين يكسب الإنسان السوي المزيد من الخبرة والمعرفة
والحكمة، ولكن، وكلما طال بقاؤه في دهاليز السلطة، ارتد ترامب إلى الأمية
المعرفية، ويفضحه لسانه الذي يستعصي على الكبح، فيقول مثلا إن إسبانيا من الدول
المؤسسة للمجموعة الدولية المؤسسة لـ"بريكس BRICS"،
بينما هي تخص عددا من الدول ذات القوة الاقتصادية الصاعدة: البرازيل وروسيا والهند
والصين وجنوب أفريقيا، وانضمت إليها مؤخرا نحو 12 دولة أخرى، ليس من بينهن دولة
أوروبية واحدة، ولهذا قال فيه ابن الرومي من وراء القبر:
و تحسبُ العينُ فكّيهِ إذا اختلفا / عند التنغُّم فكِي بغلِ طحَّانِ
بينما قال فيه عبد القاهر الجرجاني:
كبِّرْ على العلمِ يا خَليلي / ومِلْ إلى الجهلِ مَيْلَ هائمْ
وعِشْ حمارًا تعِشْ سعيدا / فالسَّعدُ في طالِعِ البهائمْ
كما قال أيضا:
أَبٌنّي إِنَّ مِنَ الرِجالِ بَهيمَةً / في صورَةِ الرَجُلِ السَميعِ
المُبصِرِ
والشاهد هو أن ترامب يتعرض مرارا للرفس من
قبل حصانه (لسانه) لأنه لا يعرف كيف يصونه، فقد كان من وعوده الانتخابية أنه سيجلي
ستة ملايين "مهاجر" مقيم في الأراضي الأمريكية خلال الأشهر الثلاثة
الأولى من حكمه، وأطلق العنان لقوات إدارة الهجرة والجمارك، التي حشد فيها آلاف
البلطجية ليجتاحوا عددا من الولايات، يختطفون الصغار والكبار من الشوارع والبيوت
ويطلقون النار عشوائيا على المارة، ولما قالوا له إن الأمير البريطاني هاري يقيم
في أمريكا بوصفه مهاجرا، برر عدم إبعاده قسرا، بأنه (هاري) يواجه ما يكفيه من
المشاكل مع زوجته ميغان.
ولا يجد ترامب حرجا في أن يكون لعانا وفاحشا
وبذيئا على الملأ، وعلى عشقه للأضواء للتغزل بنفسه وذكائه وأمجاده المتوهمة، فإنه
يستعصم بجلافته الفطرية إزاء معظم الأسئلة التي يوجهها اليه الصحفيون، ويشتمهم
بأقذع الألفاظ، المستقاة من مجارير الصرف الصحي، مما حدا بأبي نواس أن يصرخ:
لو أنهُ عضّ على فأرةٍ / لعاف أن يأكلها القط
أما الشاعر المصري الرقيق إبراهيم ناجي، فقد
فاض به الكيل، ووجد بعض زوار قبره ورقة جاء فيها عن ترامب:
يا فخر داروينٍ ومذهبه / وخلاصة النظرية القذرة
أرأيت قرداً في الحديقة قد / فلّته أنثاه على شجرة
يا عبقرياً في شناعته / ولدتك أمك وهي معتذرة
ومعلوم أن ترامب يفتعل الأزمات في علاقات
بلاده الاقتصادية ويفتح النار على حلفاء بلاده التاريخيين، ويغزو هذا البلد أو
ذاك، في سبيل صرف الأنظار عن سجل مخازيه، كشريك في جرائم القوّاد الراحل جيفري
ابستين، مما حدا بالشاعر الأموي الطرماح بن حكيم إلى الهتاف:
أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى / خلال المخازي عن ترامبٍ تَجَلَّتِ
وهناك شاعران عربيان راحلان طلبا عدم إيراد
اسميهما قرين ما قالاه عن ترامب، خوفا من تعريض نسليهما للعدوان، قال الأول:
يا مَن بِبُغضِكَ قد ملأتَ قلوبَنا / ضاقت عليكَ الأرضُ رُغمَ رُحوبِها
ما كانَ هذا البُغضُ يوماً طبعَنا / بل أنتَ مَن بَدأَ البغيضَ بطِيبِها
بينما قال الآخر:
قل للبغيض أخي البغيض ابن البغيض ابن
البغيضة
ضاقت على الثقلين من بغضائك الأرض العريضة
ودعت ملائكة السماء عليك دعوى مستفيضه
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.