الأحلام الصهيو ـ أمريكية الزلوطية

جعفر عباس
ستنتهي هذه الحرب يوما ما، ليس بالبعيد جدا، دون أن ينجح التحالف الصهيو ـ أمريكي في تغيير النظام الحاكم في ايران، أو احتلال شبر من أراضي إيران.. جيتي
ستنتهي هذه الحرب يوما ما، ليس بالبعيد جدا، دون أن ينجح التحالف الصهيو ـ أمريكي في تغيير النظام الحاكم في ايران، أو احتلال شبر من أراضي إيران.. جيتي
شارك الخبر
زلوط هو أحد الديوك المشهورة في الثقافة الشعبية السُّودانية، وكان هزيل البنية، وكلما حاول مغازلة دجاجة حسناء، هجمت عليه الديوك القوية ونتفت ريشه، فصار "مزلوطا" أي قليل الريش، وذات مساء نام زلوط على حبل مشدود، فوق سرير كانت تنام فيه صاحبته أم الحسن، ورأى في المنام أنه صار وسيماً، وتزوج بدجاجة جميلة، تمشي الهوينى أمامه هي وصغارها، ثم رأى في ذات الحلم نسراً كبيراً، يهم باختطاف كتكوت، فما كان منه إلا أن قفز عليه مدافعا عن مملكته، فوقع من الحبل على رأس أم الحسن، التي استيقظت فزعة، وضربته ونتفت ما تبقى له من ريش، فصار زلوط مثلا لمن يحول رغباته إلى أحلام غير قابلة للتحقيق.

يقف نفر ليس بالقليل من المسلمين والعرب، موقف المتعاطف مع ايران، وهي تواجه اعتداء غاشما من التحالف الصهيو ـ أمريكي، وهناك أيضا شرائح من العرب والمسلمين يطربها دوي الانفجارات هنا وهناك في إيران، ولكن وبصفة عامة، يمكن القول إن معظم الناس على اختلاف مللهم ونحلهم يجدون صعوبة في التعاطف مع أي من أطراف الحرب الثلاثة، ورغم أن هناك شبه إجماع بين شعوب العالم، على أن رئيس حكومة إسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو، سفاح يقود دولة بنت سفاح، وأن شريكه في الحرب الحالية على إيران، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثور يعاني من عمى الألوان السياسي، وينطح الأقارب والأباعد، مهشما الخزف في كل القارات، وأن هذا الثنائي بسجلهما الإجرامي، هما من أشعلا النيران المدمرة حاليا في الشرق الأوسط، بذرائع كاذبة، إلا أن إيران وبرغم أنها الضحية والمجني عليها، ذات سجل حافل بصنع العداوات، وقد نشرت لي "عربي21" في 19/11/2023، مقالا بعنوان "ملالي إيران وصناعة الأعداء حد الإتقان".

إن معظم الناس على اختلاف مللهم ونحلهم يجدون صعوبة في التعاطف مع أي من أطراف الحرب الثلاثة، ورغم أن هناك شبه إجماع بين شعوب العالم، على أن رئيس حكومة إسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو، سفاح يقود دولة بنت سفاح، وأن شريكه في الحرب الحالية على إيران، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثور يعاني من عمى الألوان السياسي، وينطح الأقارب والأباعد، مهشما الخزف في كل القارات، وأن هذا الثنائي بسجلهما الإجرامي، هما من أشعلا النيران المدمرة حاليا في الشرق الأوسط، بذرائع كاذبة، إلا أن إيران وبرغم أنها الضحية والمجني عليها، ذات سجل حافل بصنع العداوات
قلت في ذلك المقال فيما قلت: "ولأن الكلام ببلاش، فقد ظل ملالي إيران يقولون ما لا يفعلون، وما لا قدرة لهم على تنزيله إلى أرض الواقع، ويوزعون التهديدات بسخاء في كل الاتجاهات، حتى لم يعد لبلادهم حبيب في المجتمع الدولي، فلأن ثورة عام 1979 الإيرانية بهرت العالم ونالت الاستحسان والإعجاب الجماهيري في الدول المسلمة، وأرعبت العديد من الطواويس في الشرق الأوسط، فقد حسب الملالي أن الثورة بصيغتها الإيرانية سلعة قابلة للترويج والتصدير والنجاح، فتصبح طهران مركز الكون، وأم قرى العالم الإسلامي، فيحج إليها المسلمون أفواجا ضاربين أكباد البوينغ والإيرباص". وبعد أن خلخلوا الأوضاع عبر جماعات تولوا كفالتها في لبنان واليمن والعراق وسوريا، ها هم اليوم وفي سياق الحرب الحالية يرتكبون خطأ استراتيجيا بقصف دول الخليج العربية على الشط الغربي من الخليج.

وبعيدا عن الاعتبارات السياسية والدينية فإن الموقف الأخلاقي السليم من العدوان الصهيو ـ أمريكي الحالي على إيران، هو مناصرة المظلوم الذي هو إيران، ولو باللسان، مقرونا بإدراك أن الجناة (أمريكا وإسرائيل) لا يكنون كثير وُد لعموم دول المنطقة، وبأن الحرب على إيران تحولت إلى حرب إقليمية تنذر بخطر ساحق وماحق على الشرق الأوسط برمته، فالعصابة الحاكمة في إسرائيل ترى أنها مكلفة بتحقيق الوعد الإلهي، الذي يجعل دولتهم تمتد إلى ما وراء دجلة والفرات، بينما طاف مبشرون من غلاة المسيحيين على وحدات الجيش الأمريكي قائلين إن الحرب على إيران وعد من السماء، في سياق أرماغيدون، التي هي المعركة النهائية والحاسمة بين قوى الخير والشر في نهاية الزمان، والتي ستمهد للعودة الثانية للمسيح.

كان الهدف المعلن لحرب التحالف الصهيو ـ أمريكي على إيران في حزيران/ يونيو من العام الماضي، هو تدمير المنشآت النووية الإيرانية، ثم أعلن ترامب ان تلك المهمة تمت بنجاح تام، أما في الحرب التي بدأت في 28 شباط /فبراير المنصرم، فقد رفع الحليفان سقف مطالبهما، وقالا إن الحرب ستستمر حتى الاستسلام الإيراني غير المشروط، وإسقاط الحكم القائم في طهران، وفتح شهيتهما أن الموجة الهجومية الأولى صرعت مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، ومعه العشرات من رجال الصفين الأول والثاني في النظام الإيراني، وكما قرر تنصيب نفسه رئيسا لفنزويلا بعد أن اختطف رئيسها، فقد أعلن ترامب أنه من سيختار المرشد الجديد في إيران، وأنه قد يرسل قوات مشاة ومدرعات إلى إيران لإسقاط النظام، وذلك بعد أن أدرك ان التعويل على أكراد إيران المعسكرين في شمال العراق للقيام بتلك المهمة، سينتهي بفضيحة عسكرية.

رغم أن شرائح كبيرة من الشعب الإيراني ترفض حكم الملالي، إلا أن الشعوب تقف متحدة وراء السلطة الحاكمة أمام العدو الخارجي، وإيران ليست دولة رسمت حدودها قوى استعمارية كما هو حال الكثير من دول العالم، ولم تخضع قط لاستعمار مباشر، بل هي امتداد لإمبراطورية ضخمة، ولها تاريخ يمتد الى خمسة آلاف سنة، وشعب يتكئ على مثل هذا الإرث، لا يمكن أن ينحني أمام عدو قام سلفا بتحطيم كافة المرافق المدنية والخدمية ويطمح في ثروته النفطية، استنادا الى حسابات غبية بأن ايران وفنزويلا سيان.
قال نتنياهو إنه ظل يحلم طوال 40 سنة باليوم الذي يتم فيه تدمير إيران، أي أن ذلك الحلم كان في زمان لم تكن فيه إيران قادرة حتى تشطير نواة التمر، ثم كان من حسن حظه أن وصل ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن، وتحالف معه لتحقيق ذلك الحلم، متجاهلا نصائح هيئة أركان قواته المسلحة، وقد اتفق عدد من المحللين العسكريين والسياسيين ذوي الوزن والدراية، على أن نتنياهو جر ترامب من أُذنه إلى الحرب الأخيرة بابتزازه بملفات ابستين، القواد الذي كان متخصصا في غواية أهل الحكم والمال لإقامة علاقات فراش مع فتيات قاصرات.

ومن المعلوم لدى الكافة أن غزوات ونزوات ترامب في أوكار ابستين للرذيلة، مذكورة بالتفصيل بالكلمة والصور الحية في تلك الملفات، ومعلوم أيضا أن ابستين ظل يحتفظ بكل كبيرة وصغيرة عن ممارسات عملائه الكبار والصغار في سجلات الكترونية ضخمة، وأنه كان يبيع قسما من أسرار تلك الممارسات لجهاز الموساد الإسرائيلي، فكان أن نجح نتنياهو في لي ذراع ترامب: إما أن تشاركنا في الحرب على ايران، أو لن أضمن سكوت الموساد على ما يخصك من ملفات ابستين. وقد أثبتت الوقائع خلال الشهور القليلة الماضية ان ترامب سيظل يخوض المغامرة تلو الأخرى للتعتيم على ملفات ابستين، وقد أعلن سلفا أن الحرب التالية ستكون على كوبا.

على كل حال ستنتهي هذه الحرب يوما ما، ليس بالبعيد جدا، دون أن ينجح التحالف الصهيو ـ أمريكي في تغيير النظام الحاكم في ايران، أو احتلال شبر من أراضي إيران. فرغم أن شرائح كبيرة من الشعب الإيراني ترفض حكم الملالي، إلا أن الشعوب تقف متحدة وراء السلطة الحاكمة أمام العدو الخارجي، وإيران ليست دولة رسمت حدودها قوى استعمارية كما هو حال الكثير من دول العالم، ولم تخضع قط لاستعمار مباشر، بل هي امتداد لإمبراطورية ضخمة، ولها تاريخ يمتد الى خمسة آلاف سنة، وشعب يتكئ على مثل هذا الإرث، لا يمكن أن ينحني أمام عدو قام سلفا بتحطيم كافة المرافق المدنية والخدمية ويطمح في ثروته النفطية، استنادا الى حسابات غبية بأن ايران وفنزويلا سيان.

وهكذا فمن المؤكد أن حلم نتنياهو وترامب بتقرير مصير إيران سيصبح نموذجا كلاسيكيا لأحلام زلوط.
التعليقات (0)

خبر عاجل