منذ أن ابتلى
الله كوكب الأرض برئاسة دونالد
ترامب لحكومة الولايات المتحدة، نشطت جيناتي
السودانية، وأضفيت على نفسي لقب "خبير الشؤون الرئاسية الأمريكية".
وعلاقة هذا الأمر بالسودان، هو أن بعض كبار ضباط الجيش السوداني، الذين يحالون إلى
التقاعد، يضفون على أنفسهم لقب "خبراء استراتيجيين"، وفي تقديري فإنهم
اختاروا ذلك اللقب والمسمى تأسيّا باللواء الأردني المتقاعد فايز الدويري، وزميله
في التقاعد على نفس الرتبة صالح المعايطة، اللذَيْن تحتفي بهما وسائل الإعلام،
وتستضيفهما لتحليل النزاعات المسلحة هنا وهناك، وأثبتا عمق ثقافتهما السياسية
والعسكرية.
كنت أعرف ترامب
قبل ولوغه في صحن
السياسة، كمقدم برنامج تلفزيوني للمنافسات، ثقيل الظل،
ومتغطرس، ذي لون بشرة "برتقالي"، كان البِشر يعلو وجهه وهو يصيح
في وجه المتنافس الخاسر: أنت مفصول. ثم حدثت عجيبة آخر الزمان بأن صار رئيسا
لبلاده ما بين 2017 و2021، ثم مجددا منذ مطلع عام 2025، ووجدت نفسي أتابع كل
حركاته وسكناته، بشغف من يدعي الاختصاص في الشؤون الأمريكية والدولية، وأنا
أتميَّز من الغيظ، حتى صرت مشمولا بالمثل المصري "شايل طاجن سِتَّك" الذي
يقال للشخص العبوس، الحزين، الذي يُشبه حاله حال شخص يحمل ثقلا كبيرا (طاجن) يخص
جدته، ثم وجدتُ نفسي أعمل بفحوى المثل الإنجليزي القائل: إذا لم تستطع هزيمتهم،
انضم إليهم. بمعنى أنني أصبحت ترامبي الهوى، وهو نوع الهوى الذي يجعلك "تأكل
هوا"، لأنه ينجم عن ذهاب العقل جزئيا أو كليا، فقد صرت أتابع أفعال وأقوال
ترامب كمادة ترفيهية، وأجد نفسي ابتسم وأضحك، ربما من باب أن شر البلية ما يضحك.
بحكم تخصصي
المزعوم أو المحسوم في الأمور الترامبية، اكتشفت -ربما متأخرا عن غيري- أنه كذاب
أشِر، وجاهل، وشبه أمي، وجانح ذو سجل حافل بالمخازي الثابتة قضائيا، لا يؤتمن على
أمر، ودَعِيّ ونرجسي متغطرس، وبلطجي/ قبضاي، ورغم هذا وجدت نفسي أتخلص من طاجن
ستي، وأقوم بتطبيع العلاقات معه، بمنطق "داهية تأخذ أمريكا وسنين
أمريكا"، وصرت أتعامل مع المادة الترامبية كمنتوج ترفيهي هوليوودي.
ترامب يستخدم ما يعرف في طرائق تدريس اللغات بأسلوب الغمر الشامل، الذي يوجب على المعلم ألا يستخدم سوى اللغة المناط به تدريسها، عند تقديم الدروس للطلاب، بعد أن أثبتت تجارب بني البشر أن اللغة تنتقل بالعدوى
بالله عليك كيف
لا يستهويك رئيس أقوى دولة في العالم، وصحافة بلاده ترصد له 30,573 كذبة في ولايته
الأولى (2017-2021) بمتوسط 21 كذبة يوميا؟ وقام خبراء سياسيون حقيقيون (وليسوا
أدعياء مثلي) بدراسة تلك الأكاذيب، واكتشفوا أنها تكتيك يسمى "مجال
الفيضان"، بحيث لا يعلو شأن حدث أو تصريح على ما سبقه أو يليه، فَيَحار
الجمهور، ويفقد القدرة على التفاعل مع ما يصدر من الرئيس. وما حربه على فنزويلا،
ثم التهديد بضرب إيران، واحتلال غرينلاند، وتشكيل مجلس إدارة لقطاع غزة، وكأنه
كوكب جديد تم اكتشافه وبحاجة إلى وصاية دولية برعاية أمريكية، وهجومه على الحلفاء
التاريخيين في أوروبا، وما كل ذلك إلا لتغمر هذه تلك، وتغمر جميعها ما ظل يثار حول
أنه كان طرفا فاعلا في الفضائح الجنسية لسيئ الذكر جيفري إبستين، الذي تم العثور
عليه مشنوقا في غرفة سجنه، ولا يجزم أحد بأن نحروه أو انتحر.
وفي هذا فإن
ترامب يستخدم ما يعرف في طرائق تدريس اللغات بأسلوب الغمر الشامل، الذي يوجب على
المعلم ألا يستخدم سوى اللغة المناط به تدريسها، عند تقديم الدروس للطلاب، بعد أن
أثبتت تجارب بني البشر أن اللغة تنتقل بالعدوى، فمن يعش طويلا بين قوم يتكلمون لغة
غير لغة قومه، يلتقط اللغة الجديدة عليه بأسرع مما يفعل من يدرسها أو يستخدمها على
نطاق محدود.
كلما فتح ترامب
فاه خسر الشعب الأمريكي جزءا من رصيده المعرفي الهزيل أصلا، وخلال ولايته الأولى
أثار ترامب مشاعر القلق حول مصير "المعرفة الموضوعية"، وفي ولايته
الحالية، هناك ما يشي بأننا نعيش في عالم "الغباء المسنود بالتكنولوجيا".
وبينما يعرف كل ذي عقل سليم أن التعامل -مثلا- مع الأخبار التي ترد عبر التطبيق
المسمى واتساب، ينبغي أن يكون بمنطوق الآية الكريمة "إذا جاءكم فاسق بنبأٍ
فتبينوا.." تفاديا للندم وعض الأصابع، فإن الأمريكان أوصلوا ترامب مرة أخرى إلى
البيت الأبيض، لأنه ظل وما زال يمطرهم يوميا عبر منصة تويتر/ إكس، وشبكة قنوات
فوكس، بكلام يقوم على ساقين من رمل، فيضيفون إليه الماء والأسمنت في مخيلاتهم،
ويحيلونه أي شيء صلب.
أعود وأقول إن
التفاعل الانفعالي مع ما يصدر عن ترامب، لم يؤذِه في عقر داره، والمرض المزمن
الميؤوس من الشفاء منه، يستوجب على المصاب به "التعايش" معه، أي الصبر
عليه. وترامب كارثة حلت على البيئة السياسية والثقافية والعسكرية والمعرفية
الكونية، ولا بد من "الصبر والاحتساب"، مما حدا بقاموس أوكسفورد للغة
الإنجليزية إلى تسمية عام 2016 الذي فاز فيه ترامب بالانتخابات الرئاسية بـ"سنة
ما بعد الحقيقة"، أي بداية حقبة التفشي الوبائي للجهل، بينما وصمها قاموس
ويبستر الأمريكي بـ"السيريالية"، ودخلت مصطلحات "الأخبار
الملفقة"، و"الحقائق البديلة" قاموس السياسة والصحافة الأمريكية.
تقول المفكرة
الألمانية "حنة آرندت" -كانت يهودية علمانية يكرهها الصهاينة- في كتابها
"أصول الشمولية" الذي صدر عام 1951، أي بعد انتهاء الحرب العالمية
الثانية بست سنوات، ما معناه "إن الغاية النموذجية للحكم الشمولي ليس -مثلا-
أن يكون هناك نازي متعصب، أو شيوعي منبطح على النصوص، بل أن يكون الشعب عاجزا عن
التمييز بين الواقع والمتخيَّل". وهذا ما نجح فيه ترامب الذي يدوس على
الدستور والقانون داخليا، ويشعل براكين الغضب خارجيا، ثم يزعم أنه بذلك "يجعل
أمريكا عظيمة مجددا"، بينما هناك ملايين يصفقون له.