بعض
العرب ينفون عنا نحن أهل السودان
انتماءنا للعرب، ويشاركهم
الرأي بعض أهل السودان، متعللين بأننا أفارقة أقحاح، وأن
اسم بلادنا مشتق من لون بشرة ساكنيها (السواد)، بينما شرائح كبيرة من السودانيين
يقولون إنهم عرب عاربة، وتحديدا من قبيلة قريش، بل منهم من استنبت شجرة عائلة
تنتهي عند البيت الهاشمي، ويا ويلك وظلام ليلك لو سألتهم ما إذا كان من المرجح أن
يكونوا من نسل أبي لهب، الذي هو عبد العزى بن عبد المطلب الذي هو عم النبي عليه
السلام، وهناك من هم أكثر تواضعا وانتسبوا إلى خزرج المدينة المنورة، واستزرعوا
شجرة عائلة تنتهي عند بني النجار، وهم بطن رئيسي من الخزرج القحطانيين، الذين هم
أخوال عبد المطلب بن هاشم، جد الرسول عليه السلام، وأول من ناصر الدعوة المحمدية.
وبين هؤلاء وهؤلاء ولدت في السودان مدرسة
الغابة والصحراء على أيدي قابلات من الشعراء والكتاب والفنانين، لتقول إن
السودانيين شعب هجين فيه شيء من الغابة (
أفريقيا) وشيء من الصحراء (العرب)، وفي
هذا يقول الشاعر السوداني الراحل محمد المكي إبراهيم، في وصف وطنه الخلاسي الهجين:
الله يا خلاسيه
يا حانةٌ مفروشةٌ بالرمل
يا مكحولة العينين
يا مجدولة من شعر أغنية
يا وردة باللون مسقيّه
يا مملوءة الساقين أطفالا خلاسيين
يا بعض زنجيّه
يا بعض عربيّه
وبعض أقوالي أمام الله
وكأني بهذا الشاعر يعتذر عما قاله قبل
سنوات، عندما هجر الدراسة في الجامعة، ليعيش حينا من الدهر في أوروبا، ثم قرر
العودة إلى الوطن الأفريقي، فلعن "خاش" القارة السوداء:
أفريقيا الجرح القديم بذاءة فوق ﺍﻟﺒﺤﺎﺭ
ﺃﺑﺪٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺮﺭ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻗﺎﺋﺢ ﺃﻟﻤﺎً ﻭﻋﺎﺭ
ﻟﻦ ﻳﻌﺒﺮ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻣﻦ ﺃﺑﻮﺍﺑﻚ ﺍﻟﺤﻤﺮﺍﺀ
ﻳﺎ ﺃﻧﺸﻮﻃﺔ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﺍﻟﺬﻟﻴﻞ ﻭﻳﺎ ﻣﻼﺀﺍﺕ ﺍﻟﻐﺒﺎﺭ
ﻏﺎﺑﺎﺗﻚ ﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ ﻣﺎ ﺍﺷﺘﻌﻠﺖ ﺣﺮﻳﻘﺎً-
ﻟﻢ ﻳﻬﺎﺟﺮ ﻓﻰ ﻧﻮﺍﺣﻴﻬﺎ ﺿﻴﺎﺀ ﺍﻟﺸﻮﻕ
ﻭﺍﻟﺸﻮﻕ ﺍﻟﻮﺟﻴﻊ ﺇﻟﻰ اﺗﺠﺎﻩ .
ﻛﻨﺎ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺠﺎﻋﺔ ﻟﻠﻔﻌﻞ،
ﺇﻣﻜﺎﻧﺎﺗﻨﺎ ﺿﻤﺮﺕ
ﻭﺭﺍﺡ ﺷﺒﺎﺑﻨﺎ ﺍﻟﻀﺎﺭﻯ ﻫﺒﺎﺀ
ومهما قيل في أمر
هوية أهل السودان، فهم
"عربيقيون" أي نتاج تلاقح العروبة والأفريقانية، وما عليهم إلا أن
يصبروا على ذلك ويحتسبوا، ولكن مصاب الأفريقانيين أكثر إيجاعا وإيلاما، فمضابط
محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، تبدو وكأنها مخصصة للحكام والقادة الأفارقة، ولكن
ليس من باب التحامل والافتئات، بل لأن سجلاتهم الدموية تشهد على ذلك، فباستثناء
مجرمي حرب البلقان سلوبودان ميلوسوفيتش، ورادوفان كراديتش تكاد قائمة الاتهام في
تلك المحكمة قصرا على الأفارقة، وما زال هناك نفر كثير في أفريقيا اليوم يرتكبون
جرائم الإبادة، وكأن إسرائيل هي مثلهم الأعلى: وعندك السودان والصومال وإثيوبيا
وليبيا وأفريقيا الوسطى.
مصاب العربيقيين (عرب أفريقيا) أفدح، فأكثر من نصفهم يرزح تحت نير أنظمة شمولية شرسة، وحكام "مزمنين"، فمن آل الأسد في سوريا (54 سنة)، إلى مُدَمِّر ليبيا معمر "الجزافي (42 سنة)، إلى حسني مبارك في مصر (40 سنة)، إلى عمر البشير في السودان (30 سنة)، إلى روبرت موغابي في زيمبابوي (37 سنة)،
ودخلت كلمة كليبتوكراسي القاموس السياسي،
عبر بوابة أفريقيا، وال"كليبتومانيا" اضطراب نفسي، يجعل المصاب به يشعر
برغبة قهريّة لا تُقاوم لسرقة النفيس والرخيص، ففي عام 2016 كشف المجلس الاستشاري
للاتحاد الأفريقي لمكافحة الفساد أن القارة تخسر ما يقارب 120 مليار دولار سنويا
بسبب الفساد، مما يشكّل تهديدا جسيما لاقتصادات الدول الأفريقية ويُعيق جهودها نحو
تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتنمية المستدامة.
وأوضح المجلس أن هذه الخسائر تتفاقم نظرًا
لاعتماد عدد كبير من الدول على القروض الدولية، لتمويل مشاريع التنمية، ثم تختفي تلك
القروض في جيوب أقطاب الحكومات، وأشار تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني
بالمخدرات والجريمة، إلى أن الفساد يُعدّ من أبرز العوائق أمام النمو الاقتصادي
والاجتماعي في أفريقيا، حيث يُهدر ما يقارب 25% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة
سنويا، وهو ما يعادل ربع إنتاجها الاقتصادي.
وفي سياق آخر، أظهر تقرير البنك الأفريقي
للتنمية لعام 2024 ارتفاع ديون أفريقيا الخارجية من 1.12 تريليون دولار في 2022
إلى 1.152 تريليون دولار بنهاية 2023. وخلال الثلاثين سنة الأخيرة ظل الصومال
والسودان وجنوب السودان واريتريا وليبيا تتربع عن جدارة واستحقاق في صدارة قائمة
الدول التي فيها فساد مؤسسي.
منذ مطلع عام 2024 استقال وزير العدل
الكونغولي، كونستانت موتامبا، بعد ثبوت اختلاسه 19 مليون دولار كانت مخصصة لبناء
سجن، (ولهذا لم يتم الحكم عليه بالسجن)، وسجن محافظ بنك غينيا المركزي السابق
إبراهيما شريف باه بتهم خيانة الأمانة والفساد، (الاتجار بالعملة الوطنية)، ونشر
موقع "ليه ديبلومات" تقريرا للكاتب جوزيبي غاليانو سلط فيه الضوء على
مشروع الغاز الضخم الذي تقوده شركة الطاقة الإيطالية "إيني" في قلب
أدغال الكونغو، مقابل رشا وعمولات بمئات الملايين لثلاثة من الوزراء، وفي السنغال
أدين خمسة وزراء، على رأسهم وزير التنمية المجتمعية السابق في السنغال أمادو منصور
فاي، بسرقة المال العام ولم تصدر بحقهم
أحكام بعد، وبعيدا عن الأسماء انظر ترتيب الدول الأفريقية في ذيلية قائمة منظمة
الشفافية الدولية:
جزر القمر 158، الكونغو 163، بوروندي
167، غينيا الاستوائية 172،
السودان 175، إريتريا
177، ليبيا 177، الصومال 181، جنوب السودان 181.
ومصاب العربيقيين (عرب أفريقيا) أفدح، فأكثر
من نصفهم يرزح تحت نير أنظمة شمولية شرسة، وحكام "مزمنين"، فمن آل الأسد
في سوريا (54 سنة)، إلى مُدَمِّر ليبيا معمر "الجزافي (42 سنة)، إلى حسني
مبارك في مصر (40 سنة)، إلى عمر البشير في السودان (30 سنة)، إلى روبرت موغابي في
زيمبابوي (37 سنة)، أما أطول رؤساء الدول فهو ـ يعطيه العافية ـ بول بيا، الذي يحكم
الكمرون منذ عام 1975، ورغم أنه واجه اتهامات خطيرة بالفساد والغش وبالجرائم ضد
الإنسانية، إلا أنه جبل لا يهزه ريح.