هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
لم يعد من الممكن قراءة التحولات المتسارعة في المشهد الدولي، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، بمعزل عن الانزياحات البنيوية العميقة التي تعصف بقواعد النظام العالمي الذي تشكل غداة الحرب العالمية الثانية؛ فإعلان تأسيس "مجلس السلام" (Board of Peace) في يناير 2026 برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يمثل مجرد حدث عادي في تفاعلات السياسة الدولية، بل هو سعي لتغيير بنيوي يروم إعادة رسم خارطة وقواعد العلاقات الدولية.
يتضح أن الميليشيات لم تعد أدوات مناسبة لإدارة النفوذ طويل الأمد. فالقوى الكبرى تفضّل التعامل مع دول هشة لكنها معترف بها، على كيانات مسلحة غير منضبطة تفتقر إلى المسؤولية القانونية والسياسية. حتى في حالات الصراع الحاد، يجري توظيف الميليشيات ضمن أطر زمنية ضيقة، مع السعي الدائم لإعادة تحويل النفوذ إلى قنوات رسمية أو شبه رسمية. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن الميليشيا، حين تتجاوز دورها التكتيكي، تتحول من أداة نفوذ إلى مصدر عدم استقرار يصعب التحكم فيه.
يخبرنا التاريخ القريب والبعيد كم احتوى عالم السياسة على شخوص سُذج لا يمكن وصفهم إلا بالغباء السياسي: يحتكمون للوعود والأمنيات ويتجاهلون وقائع الجغرافية وموازين القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية، وحتى الديمغرافية.
لقد شهد الفقه السياسي الوضعي تطوّرا كبيرا في مبادئه النظرية الفلسفية وفي إجراءاته العملية على حدّ سواء، وأصبحت الحياة السياسية تدار بحسب ذلك الفقه في الواقع، فأثرت النظريات السياسية بالتجربة، وأثرت التجربة بتلك النظريات، وقد تحقّقت من ذلك أقدار كبيرة من النجاح في إدارة الشأن السياسي، كما يبدو ذلك على سبيل المثال في الطرق التي يتمّ بها تداول السلطة، والتي تتمّ بها المراقبة والمحاسبة لمن تكون بيده تلك السلطة.
لم يظهر ما سُمّي بـ "مجلس السلام" الذي أطلقه دونالد ترامب في فراغ سياسي أو تاريخي. بل جاء في لحظة تشهد فيها المنظومة الدولية تصدّعاً غير مسبوق: حرب إبادة في غزة تُبَثّ على الهواء، شلل شبه كامل في مجلس الأمن، تصاعد غير مسبوق لدور المحاكم الدولية، وفي المقابل هجوم غربي منظم على هذه المحاكم حين تقترب من إسرائيل. في هذا السياق، لا يمكن قراءة مجلس ترامب باعتباره مجرد "مبادرة سلام"، بل كجزء من إعادة هندسة أعمق لكيفية إدارة النزاعات خارج إطار القانون الدولي عندما يصبح هذا القانون مزعجاً سياسياً.
لم يكن اختيار مارك كارني لمنصة منتدى دافوس مجرد تفصيل بروتوكولي. فدافوس هو الفضاء الرمزي الذي لطالما جرى فيه الترويج للنظام الليبرالي الدولي والعولمة المفتوحة وحوكمة الأسواق. أن يقف رئيس وزراء كندا هناك ليعلن أن العالم لا يمر بمرحلة انتقال بل بمرحلة “تمزّق”، وأن النظام الدولي القائم على القواعد يتآكل أمام أعيننا، فذلك يحمل رسالة سياسية مضاعفة: الرسالة لم تكن موجهة لكندا فقط، بل إلى قلب المؤسسة العالمية التي صاغت هذا النظام ودافعت عنه لعقود.
تثور تساؤلات كثيرة في كل مرة يتجدد فيها الجدل بشأن التغيير والإصلاح في المنطقة العربية، حول موقع الإسلام السياسي ودوره وهل هو الحل أم المشكل؟ وهل يمثل عائقا أمام الإصلاح والتغيير أم ينهض كأحد عناصره وشروطه؟ وتعود هذه التساؤلات بمستويات ومقاربات مختلفة ومتباينة.
لا يكاد يخفى على كل المتابعين والمعنيين بالملف الليبي، بأن ليبيا قد تحولت ومنذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، إلى حالة مرجعية تُستدعى كلما أُريد التدليل على النتائج الكارثية لإسقاط الأنظمة بالقوة المسلحة دون إعداد بديل مؤسسي أو رسم مسار انتقالي قابل للتطبيق، حيث لم يقتصر الإخفاق على غياب التخطيط، بل تمثّل في إنتاج واقع سياسي جديد أكثر اختلالًا، واقع أُزيحت فيه الدولة من موقع الفاعل المركزي، وحلّت محلها شبكات مسلحة ومراكز نفوذ مالية أعادت تعريف السلطة بوصفها غنيمة لا وظيفة، وأُفرغت فيه الملفات ذات الطابع الإجرائي أو الفني من مضمونها لتتحول إلى ساحات صراع حاد، تُدار بمنطق الإقصاء والتعطيل لا بمنطق التسوية.
تتعرض مدينة لندن، عاصمة بريطانيا، لهجوم من أطراف عنصرية ومعادية للمسلمين معروفة في الداخل والخارج، تهاجم بـأكاذيب وتلفيقات وادعاءات مزورة للواقع تنوع المدينة الإثني والديني والثقافي، واستهداف خاصة المسلمين فيها وعمدة المدينة المسلم ،المنتخب ديمقراطيا لثلاث مرات، صادق خان.
الجديد في المصالحة هو تكليف الدكتور علي الصلابي مستشارا للمصالحة الوطنية في المجلس الرئاسي، باعتبار أن الأخير هو المعني بالمصالحة وفق الاتفاقات السياسية التي تشكل المشهد السياسي الرسمي اليوم.
لا حاجة في البداية، ولاعتبارات عدة، إلى التعرّض لتشكيل ما سمّي "اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة"، لا فردياً ولا مجموعة، ولا سيما بوجود مشرفين، أمثال طوني بلير، ونيكولاي ملادينوف، ولجنة عليا برئاسة دونالد ترامب، والمنحاز بهذا القدر أو ذاك، لمراعاة نتنياهو.
حتى قبل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيسا، كانت الولايات المتحدة بلدا يخضع لنظام إقطاعي، السلطة والثروة فيه في يد أقل من 1% من السكان، فمنذ ما يسمى بثورة ريغان، على اسم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان (1981 ـ 1989)، عملت قوى اليمين الأمريكي على شل مؤسسات الدولة، وبث الهلع والجزع في نفوس المواطنين من خطر وهمي اسمه الدولة العميقة،
لا يمكن الحديث اليوم عن نظام دولي، أو عن قيم إنسانية مشتركة، من دون التوقف طويلاً أمام الجريمة المستمرة في غزة. فالإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني لم تتوقف، ولم تتراجع، ولم تُكبح، وكل ما سُمّي وقفاً لإطلاق النار لم يكن، في أحسن الأحوال، سوى غطاء سياسي هشّ، أُريد له أن يخدّر الضمير العالمي، بينما استمرت على الأرض سياسات التجريف والقتل والدمار والاستئصال، بأدوات أكثر هدوءاً أحياناً، وأكثر وحشية في أحيان أخرى.
تشهد تونس منذ أشهر تصاعدًا لافتًا في الاحتجاجات الاجتماعية، من قابس المختنقة بالتلوث والأمراض، إلى الجهات المهمشة التي تطالب بالعيش والكرامة، دون أن تجد أمامها سوى جدار الصمت أو لغة القمع. لا حوار، لا سياسات عمومية، لا خرائط حلول. فقط محاكمات، سجون، واتهامات فضفاضة. في هذا المناخ، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: كيف دخلت تونس عصر الوهم العظيم؟
الخطاب الأوروبي في هذا السياق لا يخرج عن الإطار التقليدي لسياسة الاتحاد الخارجية القائمة على "القيم المعيارية"، حيث تُقدَّم حقوق الإنسان باعتبارها مرجعية أساسية لأي علاقة مع الدول الثالثة. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من حدّته الأخلاقية، يتجنّب بعناية أي لغة يمكن أن تُفسَّر كدعم مباشر لإسقاط النظام أو تشجيع صريح على العصيان السياسي.
الإنسان كثيرا ما تحكمه مشاعره، ونوازعه، بغض النظر عن صحة أو خطأ هذه المشاعر، ومن ذلك: أنه لا يحب المكان الذي هزم فيه، أو المكان الذي حدث له فيه حادث جلل، سواء حادث شخصي، أو جماعي، فالأمم تكره المعارك التي تهزم فيها، وتكره المواضع التي منيت فيها بالهزيمة، أو النكبة، تلك طبيعة في كثيرين من الخلق.