حروب غزة أكرانيا إيران.. مأزق النيوليبرالية والتحول الخطير

عبد العزيز التميمي
تكاد تجمع مراكز البحوث والرصد والتحليل العالمي على أن ما يعيشه العالم اليوم يرتقي إلى مستوى المأزق التاريخي الشامل، لا مجرد أزمة عابرة.. الأناضول
تكاد تجمع مراكز البحوث والرصد والتحليل العالمي على أن ما يعيشه العالم اليوم يرتقي إلى مستوى المأزق التاريخي الشامل، لا مجرد أزمة عابرة.. الأناضول
شارك الخبر
يعيش العالم اليوم تحولات عميقة وشاملة، وتجتاحه حروب لا تنتهي في غزة وأكرانيا وإيران، وتتمدد فيه زلازل امبراطورية وإقليمية تهز استقراره وتهدد السلم العالمي. تحولات تتطلب من الدارسين والمراقبين للشأن الدولي مقاربات مركبة ومتعددة المستويات تحلل طبيعة تلك التحولات وإن كانت تعكس أزمة أو مأزقا أو نهاية دورة حضارية امتدت على قرون إلى أن ترهلت وفقدت البوصلة، وقواعد التوازن، والاتزان الإنساني والبشري.. إذ لا يمكن تحليل الأزمة الحالية إلا من خلال فهم تداخُل مستوياتها وتراكُبها في سياق تاريخي ـ حضاري متحول. فهل يعيش العالم حقا مأزقا تاريخيا؟

تكاد تجمع مراكز البحوث والرصد والتحليل العالمي على أن ما يعيشه العالم اليوم يرتقي إلى مستوى المأزق التاريخي الشامل، لا مجرد أزمة عابرة. إننا أمام تحول مفاهيمي بنيوي ومجتمعي شامل، تتقاطع فيه أزمات البنية الرأسمالية، مع أزمة الشرعية السياسية، وانهيار المعنى في الثقافة، وارتجاج منظومة القيم، إضافة إلى التهديدات البيئية والوجودية.

فهذا المأزق لم يعد يكشف عن أزمة في النظام العالمي فحسب، بل أزمة في شكل الحضارة المعاصرة ذاتها وطبيعتها وطبيعة بنيانها الهيكلي ومبادئها الأممية التي شُيّدت على مفاهيم التقدم والحرية والسوق والعقلانية والتنوير، لكنها الآن تُظهر تناقضاتها القاتلة.

طبيعة الأزمة ومعالمها

بدت مؤشرات هذه الأزمة اقتصاديًا: في أفول النيو ليبرالية وتصدّع فكرة السوق الحرة، تفاقم اللامساواة الفاحشة بين المركز والأطراف، وداخل المجتمعات نفسها، أزمات سلسلة التوريد، وتحوّل الاقتصاد نحو الحمائية وتفجير حرب الرسوم الجمركية و"إعادة التوطين". بعد أن كان الاقتصاد الرأسمالي العالمي منضبطا لقوانين السوق الرأسمالية العالمية وآليات اشتغالها الداخلي التي بلغت مداها بعد الحرب الباردة في نظام العولمة ووكالة دولية للتجارة سرعان ما اهتزت قوانينها وتجوزت أنظمتها وتعديلاتها، تصاعد الدين العام، واضطراب العملة، وصعود اقتصاد المنصات الذي يسحق القيم التقليدية للعمل.

تختزن إمكانيات النهوض البشري الجديد عدة مسارات منها: صعود تيارات ما بعد النمو التي تسائل جنون الاستهلاك والتراكم، الثورات الرقمية قد تُستخدم أيضًا في خلق شبكات مقاومة ونماذج تعليم بديلة، تصاعد حركات شعبية وثقافية تسعى لتأسيس سياسات المعنى واقتصاد الرحمة.
كما بدت مؤشرات هذه الأزمة سياسيا في: أزمة الديمقراطية التمثيلية وانهيار شرعية النخب السياسية، صعود اليمين الشعبوي والفاشيات الجديدة، تآكل السيادة الوطنية أمام قوة الشركات والاحتكارات الرقمية، تحوّل الأمم المتحدة ومؤسساتها الى هياكل من الشمع وتحول النظام الدولي إلى هياكل فارغة فاقدة للفعالية فاقدة للسلطة الاعتبارية التي امتلكتها غداة الحرب العالمية الثانية وفي أجواء كانت مفعمة بالتفاؤل والعقود والمواثيق والمعاهدات الدولية وعلى رأسها الإعلان عن الميثاق العالمي لحقوق الانسان قي 10 ديسمبر 1948.

وبدت مؤشرات هذه الازمة اجتماعيا في: تفشي ظواهر تفكك الروابط الاجتماعية وصعود الفردانية المتوحشة، تصاعد الاغتراب الوجودي والقلق النفسي كمؤشر حضاري، شلل الدولة الاجتماعية وانهيار التكافل المؤسسي.

فيما بدت مؤشرات هذه الازمة ثقافيًا ووجوديًا في: أزمة المعنى و"نهاية الروايات الكبرى" كما قال جان فرانسوا ليوتار، انتشار ثقافة النسبية المطلقة التي تفتك بالقيم المشتركة، أزمة الإنسان الحديث مع نفسه، وفقدان الأفق والغاية، تشيئ الإنسان وتحويله مفاهيميا وقيميا إلى مجرد "مُستخدم" أو "مستهلك" أو "رقم"، اختلال في مفهوم الحرية: من حرية وجودية إلى حرية استهلاكية، تآكل الحقيقة في ظل العوالم الافتراضية وتضخم "الواقع الزائف".

وفي طور اخر من الأزمة بدأ تغيّر في قواعد الاشتباك واحتدام اللصراع داخل الرأسمالية ذاتها.

ـ فلم يعد الصراع اليوم بين الشمال والجنوب فحسب، بل تسرب داخل المركز الرأسمالي نفسه.

ـ فصراع الولايات المتحدة والصين يتخذ شكل صدام حضارات واقتصاد ونفوذ. بين نظامين رأسماليين.

ـ وبين التفكك والارتباك، لا تملك أوروبا اليوم مشروعًا مستقلاً.

ـ وأدت فوضى السوق المالية وتضخم المضاربات، الى انهيار الفكرة الكلاسيكية للرأسمالية الإنتاجية.

ـ وتزايد الانقسام داخل المجتمعات الغربية بين نخب مترفة وطبقات مسحوقة تفتقد تدريجيا لقوة التمثيل النقابي والسياسي.

وطبيعي أن يطرح هذا المأزق السؤال الأخطر: هل هناك أفق لعودة الإنسان وعودة المعنى؟

رغم عمق الأزمة، فإن المأزق التاريخي يفتح أيضًا إمكانيات جديدة، إذا ما توفرت إرادة جماعية للتحول. فما هي ملامح الأفق الممكن؟

تكمن ملامح الأفق الممكن في: الانتقال إلى منظومات جديدة: بناء عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع، ظهور نماذج "رأسمالية اجتماعية" أو "اقتصاد تضامني"، تعاظم الحاجة إلى ثقافة كونية جديدة تقوم على مركزية الحرية الإنسانية والاعتراف وتثمين الاختلاف، والكرامة، وتعدد المعنى، عودة المعنى من خلال فلسفة جديدة للإنسان، فلسفة تتجاوز النموذج الوضعي الذي اختزل الإنسان في الكفاءة والإنتاج، استعادة البُعد الوجودي، الروحي، الجماعي، والبيئي للوجود الإنساني.

وتختزن إمكانيات النهوض البشري الجديد عدة مسارات منها: صعود تيارات ما بعد النمو التي تسائل جنون الاستهلاك والتراكم، الثورات الرقمية قد تُستخدم أيضًا في خلق شبكات مقاومة ونماذج تعليم بديلة، تصاعد حركات شعبية وثقافية تسعى لتأسيس سياسات المعنى واقتصاد الرحمة.

لكي نخرج من الفوضى الخلّاقة إلى نظام جديد عقلاني وإنساني، نحتاج إلى: فلسفة جديدة للمستقبل: لا تكرّس الانفصال، بل تعتمد تصالح الإنسان مع ذاته والبيئة والتاريخ، إعادة بناء المنظومات: الاقتصادية والسياسية على أساس العدالة والمعنى، إيجاد تحالفات عالمية بديلة تتجاوز هيمنة القطب الواحد، نحو تعددية تشاركية، العبور الى مفهوم جديد للحرية: لا حرية السوق وحدها، بل حرية الكرامة، والتأمل، والمشاركة، والاختلاف.

نحن أمام لحظة عالمية مشحونة: حرب إبادة على غزة، حرب على أوكرانيا، حرب على إيران، صعود اليمين، انهيار الثقة بالقانون الدولي، اهتزاز الليبرالية، ثورة الذكاء الاصطناعي. فهل يمكن أن تعود “السرديات الكبرى” الماركسية والإسلام السياسي كأطر تفسير ومعنى في عالم يتفكك أمام أعيننا؟
فالعالم يعيش لحظة شبيهة بلحظات "ما قبل التحول الكبير"، مثل ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، أو قبل الثورات الصناعية. وقد تلد هذه الفوضى حضارة جديدة، أو تسقط في براثن البربرية الحديثة. الاختيار ليس حتميًا، بل رهن بما سيفعله الإنسان اليوم في وجه العبث، دفاعًا عن الإنسان ذاته.

نحن أمام لحظة عالمية مشحونة: حرب إبادة على غزة، حرب على أوكرانيا، حرب على إيران، صعود اليمين، انهيار الثقة بالقانون الدولي، اهتزاز الليبرالية، ثورة الذكاء الاصطناعي. فهل يمكن أن تعود “السرديات الكبرى” الماركسية والإسلام السياسي كأطر تفسير ومعنى في عالم يتفكك أمام أعيننا؟

في مثل هذه اللحظات تاريخيًا، لا تعود الأفكار القديمة وسردياتها الكبرى كما هي، بل تعود بوصفها استجابات لأزمة معنى. لذلك فان تشكلاتها المعرفية والثقافية والسياسية ستكون مختلفة عما كانت عليه. وتبقى أدوارها وفعالياتها منوطة بمدى قدرتها على التطور ووعي اللحظة التاريخية والانفتاح على المجتمعات المفتوحة والمشتركات الإنسانية. والخطر كل الخطر ان تعود السرديات في شكل مغلق وانفعالي فتنال نصيبها من فوضى جاثمة على عالم يعيش مخاضا في قوقعته.
التعليقات (0)

خبر عاجل