عندما اغتيل الأرشيدوق فرانز فرديناند في
صيف 1914، لم يكن كثيرون يتوقعون أن رصاصة في مدينة أوروبية بعيدة ستفتح أبواب حرب
عالمية أعادت رسم الخرائط والذهنيات معًا. التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه
يستعير منطقه أحيانًا: حدثٌ صادم يكسر التوازن الهشّ، فيحوّل أزمة متراكمة إلى
انفجار شامل. هكذا تبدو المنطقة اليوم، بعد اندلاع الحرب المباشرة بين الولايات
المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ثم الخبر الأكثر زلزلة: مقتل المرشد
الإيراني علي
خامنئي. فجأة، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى لحظة
مفصلية تتقاطع فيها معادلات الردع، وشرعية السلطة، ومستقبل الدولة الإيرانية نفسها.
سنوات طويلة ظلّ الصراع بين واشنطن وطهران
يدور في المنطقة الرمادية: ضربات محسوبة، عمليات سيبرانية، رسائل نار عبر وكلاء،
وعقوبات تخنق دون أن تُسقط. كان الجميع يمشي على حافة الهاوية، لكنّ أحدًا لا يريد
السقوط. غير أن اتساع رقعة العمليات وتحولها إلى مواجهة مباشرة، ثم استهداف عواصم
خليجية وعربية برشقات صاروخية، كسر القاعدة القديمة التي قامت على “الحرب دون
حرب”. ومع مقتل المرشد، سقط أيضًا أحد أعمدة التوازن الداخلي في إيران، بما يمثله
الموقع من ثقل ديني وسياسي ورمزي.
سنوات طويلة ظلّ الصراع بين واشنطن وطهران يدور في المنطقة الرمادية: ضربات محسوبة، عمليات سيبرانية، رسائل نار عبر وكلاء، وعقوبات تخنق دون أن تُسقط. كان الجميع يمشي على حافة الهاوية، لكنّ أحدًا لا يريد السقوط. غير أن اتساع رقعة العمليات وتحولها إلى مواجهة مباشرة، ثم استهداف عواصم خليجية وعربية برشقات صاروخية، كسر القاعدة القديمة التي قامت على “الحرب دون حرب”. ومع مقتل المرشد، سقط أيضًا أحد أعمدة التوازن الداخلي في إيران، بما يمثله الموقع من ثقل ديني وسياسي ورمزي.
الخبر لم يكن تفصيلاً عابرًا في سياق الحرب؛
كان زلزالًا بنيويًا. فالمرشد في النظام الإيراني ليس مجرد رأس للدولة، بل هو مركز
الثقل الذي تتقاطع عنده شرعية الثورة، وسلطة المؤسسات، وضبط إيقاع التنافس بين
التيارات. غيابه المفاجئ في ذروة المواجهة يفتح الباب أمام احتمالات متناقضة:
تماسك داخلي سريع خلف قيادة بديلة بدافع "التعبئة الوطنية"، أو صراع
مكتوم بين أجنحة النظام حول خلافة لا تحتمل الفراغ طويلًا. وفي كلا الحالين، تتبدل
طبيعة القرار الإيراني تحت ضغط الحرب والانتقال السياسي في آن واحد.
إقليميًا، يضيف
اغتيال المرشد طبقة جديدة من
التصعيد الرمزي. فطهران ستقرأ الحدث باعتباره استهدافًا وجوديًا يتجاوز الحسابات
العسكرية، ما يرفع منسوب الرغبة في الردّ إلى مستوى الثأر السياسي، لا مجرد
المعادلة الردعية. هنا يصبح خطر الانفلات أكبر، لأن منطق “حفظ ماء الوجه” يتحول
إلى منطق "حفظ بقاء النظام". وفي مثل هذه اللحظات، تميل القرارات إلى
الحسم العاطفي بقدر ما تستند إلى الحساب البارد.
استهداف العواصم الخليجية والعربية جاء، في
هذا السياق، كجزء من استراتيجية توسيع الميدان. الرسالة واضحة: إذا كانت طهران تحت
النار، فلن تكون المنطقة بمنأى عنها. غير أن هذه المعادلة محفوفة بالمخاطر. فالمدن
التي تعرضت للقصف ليست مجرد ساحات ضغط، بل عواصم ذات سيادة، وقد يدفعها ذلك إلى
إعادة تعريف موقعها من الصراع، بين الاكتفاء بالدفاع وتعزيز الشراكات الأمنية، أو
الانخراط بصورة أعمق في العمليات الجارية. وهكذا تتقلص المسافة بين "الدعم"
و"المشاركة"، في لحظة إقليمية مشبعة بالشكوك.
الولايات المتحدة تجد نفسها بدورها أمام
مفترق طرق. فاغتيال المرشد قد يُقرأ في واشنطن وتل أبيب كضربة نوعية أربكت خصمًا
استراتيجيًا، لكنه في الوقت ذاته قد يحوّل الحرب المحدودة إلى صراع مفتوح بلا سقف
زمني. فالدولة التي تفقد رأس هرمها في زمن الحرب قد تتماسك بصورة أكثر صلابة، أو
تنزلق إلى صراعات داخلية تنعكس فوضى على محيطها. وفي الحالتين، لا تبدو النهاية
قريبة. فالحسم العسكري السريع يصبح أكثر تعقيدًا حين يمتزج بعامل الانتقال السياسي
داخل الخصم.
إسرائيل، التي تنظر إلى المواجهة باعتبارها
فرصة تاريخية لإضعاف الخطر الإيراني، تدرك أن المشهد لم يعد عسكريًا صرفًا. فمقتل
المرشد قد يفتح الباب أمام قيادة أكثر تشددًا، أو أقل قدرة على ضبط إيقاع الرد.
كما أن تعدد الجبهات المحتملة يفرض على المؤسسة الأمنية حسابات دقيقة بين الرغبة
في توجيه ضربات حاسمة والخشية من استنزاف طويل.
أما الاقتصاد العالمي، فهو المتلقي الصامت
لكل هذه الهزات. فكل صاروخ يعبر سماء الخليج يحمل معه ظلّ برميل نفط يرتفع سعره،
وكل تهديد لممر بحري حيوي ينعكس قلقًا في البورصات البعيدة. في عالم مترابط على
نحو غير مسبوق، لم تعد الحروب الإقليمية شؤونًا محلية. إنها اختبارات لقدرة النظام
الدولي على احتواء الصدمات، في زمن تتراجع فيه الوساطات الكبرى وتتعدد فيه مراكز
القوة.
كما في صيف 1914، تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة تتجاوز حسابات الأيام والأسابيع إلى رهانات السنوات والعقود. والسؤال الذي يخيّم فوق العواصم ليس من سيربح الجولة الأولى، بل أي شرق أوسط سيخرج من تحت ركام هذه الحرب: شرقٌ أكثر انقسامًا وأشد عسكرة، أم إقليمٌ يتعلم، بعد الكلفة الباهظة، أن الاستقرار ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة وجودية.
داخليًا في إيران، ستتجه الأنظار إلى آلية
الخلافة وإلى دور المؤسسات الأمنية في ضمان الاستمرارية. فالفراغ في قمة الهرم لا
يُقاس بالرمزية فقط، بل بقدرته على إعادة ترتيب موازين القوى بين التيارات
المحافظة والبراغماتية، وبين المؤسسة الدينية والعسكرية. وكل تأخر في حسم هذا
الانتقال يضاعف أثر الحرب على الداخل، ويجعل الجبهة الداخلية ساحة موازية للجبهات
الخارجية.
في المحصلة، لم تعد هذه الحرب مجرد مواجهة
بين دولتين أو تحالفين؛ إنها لحظة اختبار شاملة لبنية الإقليم ونظامه الأمني.
اغتيال المرشد أضاف عنصرًا دراميًا يرفع الرهانات إلى مستوى غير مسبوق، ويجعل كل
خطوة محسوبة بثقل التاريخ. فالشرق الأوسط الذي عرف حروبًا أعادت رسم خرائطه أكثر
من مرة، يقف اليوم أمام مفصل جديد، قد لا يغيّر الحدود الجغرافية فقط، بل تعريف
القوة والشرعية والردع في آن واحد.
كما في صيف 1914، تبدو المنطقة وكأنها دخلت
مرحلة تتجاوز حسابات الأيام والأسابيع إلى رهانات السنوات والعقود. والسؤال الذي
يخيّم فوق العواصم ليس من سيربح الجولة الأولى، بل أي شرق أوسط سيخرج من تحت ركام
هذه الحرب: شرقٌ أكثر انقسامًا وأشد عسكرة، أم إقليمٌ يتعلم، بعد الكلفة الباهظة،
أن الاستقرار ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة وجودية.