يعود الصراع
المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة مرة أخرى، في سجال يبدو عنيفا هذه
المرة مع استمرار تجميع الأصول العسكرية الأمريكية في مناطق متفرقة حول جغرافية الجمهورية
الإسلامية، في خطوة تبدو جدية في توجيه ضربة عسكرية كبيرة تجاه طهران، إذ تشير التقارير
إلى نشر قرابة أربعين ألف جندي في قواعد عسكرية مختلفة في المنطقة مع حاملتي طائرات
وتسع سفن
حربية، وعشرات الطائرات الحربية من طرازات مختلفة، في حشد غير مسبوق منذ غزو
العراق عام 2003م.
أسباب
الصراع:
يعود الصراع
إلى عام 1979 مع سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي ووصول آية الله الخميني إلى السلطة،
وتبنيه نهجا جديدا حينها بالتصدي للنفوذ الأمريكي أو ما يعرف في الأوساط السياسية
الإيرانية
محاربة الاستكبار العالمي، وتمثل ذلك على أرض الواقع في سياسات بقطع العلاقة مع إسرائيل
ودعم حركات المقاومة، من حزب الله لحماس ولاحقا في إطار المشروع التوسعي أنصار الله
الحوثيين في اليمن وحركات مسلحة في العراق.
السلوك الإيراني في المنطقة لا يضر مصالح واشنطن بشكل مباشر، فنظام طهران يمتاز بأسلوب براغماتي يجعله مستعدا للتفاوض والتفاهم من منطق المصالح المشتركة بعيدا عن الشعارات السياسية المتداولة، وهو ما تمثل في تفاهمات سابقة إبان الغزو لأفغانستان والعراق، وحتى التدخل في سوريا كان بضوء أخضر أمريكي، لكن سلوك طهران يضر إسرائيل فقط
هذا على
الصعيد السياسي، أما عسكريا فاستمرت إيران في تطوير برنامج نووي يتهمه خصومها بأنه
لأغراض عسكرية بحتة ومن ضمنها تصنيع قنبلة نووية، بالإضافة إلى صناعات متطورة كطائرات
بدون طيار وصناعة صواريخ بالستية أثبتت نجاعتها في الحرب الأخيرة مع إسرائيل.
الموقف
الإقليمي والدولي:
تبدو إسرائيل
الأكثر حماسا في الإقليم لتجدد الحرب، لكن هذه المرة ستكون الولايات المتحدة هي رأس
الحربة في مواجهة إيران بدلا منها، وتدفع تل أبيب بهذا الاتجاه، وما زيارة نتنياهو
خلال الأيام الماضية لواشنطن ولقاؤه الرئيس ترامب إلا خطوة في إطار
التصعيد، بسبب ما
تعتبره إسرائيل تهديدا وجوديا لمشروعها الصهيوني، ولما تمتلكه طهران من صواريخ بالستية
ضربت بها عمقها مما دفعها لطلب وقف الحرب بعد اثني عشر يوما من انطلاقها.
تركيا تدفع باتجاه معاكس لإسرائيل رغم المنافسة التاريخية مع إيران على النفوذ
في المنطقة، لكن حذرها مرده إلى ارتباطها جغرافيا بإيران، والذي من المتوقع أن يؤثر
داخليا عليها من ناحية تدفق كبير للاجئين عبر الحدود، وكذلك إحياء المشروع الكردي في
شمال غرب إيران ممثلا في حزب الحياة الكردي وحزب العمال الكردستاني؛ اللذين يسعيان
لإقامة كيان كردي يمتد من مهاباد لديار بكر وأجزاء من العراق وسوريا.
أما الرياض
فتبدو هذه المرة تصطف إلى جانب تركيا رغم العداء الأيديولوجي مع طهران، فأي حرب إقليمية
على إيران ستؤثر عليها داخليا، من خلال اضطراب المنطقة الشرقية المحاذية للخليج العربي
والتي تقطنها أقلية شيعية متعاطفة مع إيران، بالإضافة إلى عودة التوتر الحدودي مع اليمن
من جهة محافظة صعدة؛ معقل الحركة الحوثية التي لن تسكت حتما إذا تم استهداف إيران بحرب
مدمرة، رغم أن الحركة تعيش حاليا هدنة مع السعودية توسطت فيها طهران نفسها، فأي حرب
مدمرة في الإقليم ستجد فيها الرياض نفسها منغمسة بشكل خطير، وهي تعيش أزمة مالية بسبب
نزول أسعار النفط، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسمح بعودة الأحداث في اليمن إلى
المربع الأول عند بداية تدخلها العسكري فيه عام 2015م.
هناك دول
أخرى محيطة بالجغرافيا الإيرانية (كباكستان والعراق) تخشى بشكل قاطع الحرب، بسبب هشاشة
وضعها الأمني وارتباط فسيفساء ديمغرافيتها بالديمغرافية الإيرانية، كحال باكستان التي
تقطنها أقلية بلوشية لها امتدادات كبيرة في الجغرافية الإيرانية، فأي زعزعة للوضع الأمني
الداخلي في إيران سيدفع البلوش عن طريق جماعاتهم المسلحة الانفصالية (كجند الله) للسعي
نحو الاستقلال وهو ما سينعكس داخليا على باكستان. أما العراق فإنه بعد خروجه من حرب
طاحنة مع تنظيم داعش واستقراره النسبي فإنه معرض مرة أخرى لتدهور وضعه بسبب ارتباط
نظامه السياسي مع نظام طهران.
دوليا،
تعتبر الصين وروسيا في صف طهران والأقرب لها سياسيا واقتصاديا، وترفضان أي شكل من أشكال
التصعيد في المنطقة. أما القوى الأخرى المحسوبة على المعسكر الغربي كبريطانيا وفرنسا
وحتى ألمانيا فمن مصلحتها رفض التصعيد كونه سيهدد إمدادات الطاقة إليها من الخليج.
نقاط القوة
الإيرانية:
تعلم طهران
أن الولايات المتحدة مترددة في شن حرب مدمرة عليها لما لها من أثر سيطال الاقتصاد العالمي،
وجغرافية المنطقة عموما، فتعرض طهران لحرب مدمرة سيدفعها إلى قصف إسرائيل بلا هوادة،
وربما هذه المرة لمناطق أكثر حساسية فيها كمفاعلاتها النووية وموانئها، ومناطق الكثافة
السكانية الحضرية كمنقطة غوش دان في قلب تل أبيب، بالإضافة إلى استهداف القواعد الأمريكية
المنتشرة في المنطقة خصوصا القواعد في الضفة الجنوبية من الخليج العربي.
هناك كذلك
ورقة قوية بيد طهران تستطيع بها تحويل الحرب الإقليمية عليها إلى أزمة اقتصادية عالمية،
وهو إغلاقها لمضيق هرمز واستهداف ناقلات النفط الخارجة منه، مما سيؤدي إلى ارتفاع سعر
الذهب الأسود بحسب خبراء إلى 200 دولار للبرميل، حيث يخرج ما يقارب من 20 في المئة
من نفط العالم يوميا من الخليج العربي،، وتعتمد عليه دول مهمة على صعيد الخارطة الاقتصادية
العالمية كالصين وكوريا الجنوبية ودول أوروبية عديدة، مما سيدفع هذه الدول للتدخل والضغط
لوقف هذه الحرب، بالإضافة إلى امتداد تأثيره على المستهلك الأمريكي داخليا، والذي سيعاني
من ارتفاع أسعار المحروقات عليه في وقت حرج بالنسبة إلى إدارة ترامب؛ حيث انتخابات
الكونغرس على الأبواب.
نظرة الولايات
المتحدة للصراع:
تبدو الولايات
المتحدة في موقف صعب جدا حيال التعامل مع إيران رغم السقف المرتفع لتصريحات مسؤوليها،
خصوصا الرئيس ترامب ووزير خارجية مارك روبيو اللذان يطالبان بتخلي إيران عن أنشطتها
النووية وصواريخها البالستية ودعمها لأذرعها في المنطقة، وهو ما يعني فعليا تجريد طهران
من كامل أوراقها وبالتالي استسلامها، لكنهما يدركان حقيقة الموقف الإيراني العنيد والصلب
في آن معا استنادا إلى أنه نظام عقائدي ديني، والاستسلام ليس واردا في عقيدته.
عوّدتنا الولايات المتحدة على حشد تحالفات كبيرة قبل خوضها أي صراع عسكري كحال حربي العراق وافغانستان، وتدخلها العسكري الأخير ضد أنصار الله، لكن هذه المرة يبدو أن لديها سيناريوهات للحرب لا تخضع للحسابات السياسية المنطقية
كذلك السلوك
الإيراني في المنطقة لا يضر مصالح واشنطن بشكل مباشر، فنظام طهران يمتاز بأسلوب براغماتي
يجعله مستعدا للتفاوض والتفاهم من منطق المصالح المشتركة بعيدا عن الشعارات السياسية
المتداولة، وهو ما تمثل في تفاهمات سابقة إبان الغزو لأفغانستان والعراق، وحتى التدخل
في سوريا كان بضوء أخضر أمريكي، لكن سلوك طهران يضر إسرائيل فقط، حيث يتحدى مشروعها
في الهيمنة على المنطقة، ومصالح واشنطن أكبر إذا تم قياسها كونها القوة العالمية الأولى
المهيمنة بالنظر إلى مصالح تل أبيب التي لا تعدو كونها قاعدة عسكرية متقدمة لها في
الإقليم، وليس من المنطق سياسيا أن تحارب وتشعل أزمة اقتصادية عالمية لأجل هذا "الكيان
الوظيفي" إن صح التعبير، أي باختصار لا يمكن أن تعرض مصالحها ممثلة بالاستقرار
الاقتصادي العالمي الذي تهيمن عليه؛ لأجل دولة تطمح إلى نفوذ إقليمي مكلف.
سيناريوهات
أخرى للحرب:
عوّدتنا
الولايات المتحدة على حشد تحالفات كبيرة قبل خوضها أي صراع عسكري كحال حربي العراق
وافغانستان، وتدخلها العسكري الأخير ضد أنصار الله، لكن هذه المرة يبدو أن لديها سيناريوهات
للحرب لا تخضع للحسابات السياسية المنطقية والتي على أساسها يمكن اتخاذ أمر الدخول
في الحرب من عدمه:
1- مبادرة
إسرائيل إلى شن هجوم جوي كبير كحال حرب الـ12 يوما، وهو ما سيقلل الكلفة على الولايات
المتحدة من اندلاع حرب إقليمية موسعة، وبالتالي حصرها بين طرفين وتجنيب المنطقة أي
تداعيات خطيرة يتهدد بها إمدادات النفط للسوق العالمي، عندها ستتدخل واشنطن لإيقافها
بضربة قاضية تدفع بها طهران لتقديم تنازلات كبيرة.
2- شن
الولايات المتحدة مع إسرائيل حربا مباشرة كبيرة على إيران، بضربة قاضية تستهدف مراكز
النظام العسكرية والمدنية، وتؤدي إلى شلل قدرات طهران، وبالتالي منعها من الرد الكبير
ودفعها للتنازل. لكن هذا السيناريو له مخاطر كبيرة في حال تمكن إيران من امتصاص الضربة
الأولى والرد بكافة الاتجاهات، مما يعقد الحرب ويجعلها مفتوحة المآلات.
3- نجاح
الوساطة العمانية في التوصل لاتفاق بين طهران وواشنطن حاليا بالتزامن مع إخراج ضربة
عسكرية أمريكية محدودة يقابله رد إيراني محدود، يتبعه تنازل عن اليورانيوم المخصب بنسبة
60 في المئة ونقله إلى جهة محايدة، مع الإبقاء على نسبة تخصيب لا تتعدى الـ3 في
المئة المسموح بها دوليا في إطار سلمية البرنامج النووي، وهو العودة عمليا إلى اتفاق
عام 2015م بين الجانبين، لكن هذه المرة مع استبعاد رفع كبير للعقوبات كما كان عليه
الحال سابقا، إرضاء لتل أبيب من جهة وإبقاء نظام طهران تحت الضغط داخليا من جهة أخرى،
وبالتالي استمرار الضغوط الداخلية عليه من قبل شعبه، أملا في انتزاع تنازل كبير منه
في المستقبل القريب.