هل تنجح مفاوضات مسقط بإعادة جدولة الحرب المؤجلة؟

حازم عيّاد
"الضربة الأمريكية تبدو وشيكة، ولا يحول دونها سوى المناورات الدبلوماسية والحاجة لحشد المزيد من القدرات العسكرية"- جيتي
"الضربة الأمريكية تبدو وشيكة، ولا يحول دونها سوى المناورات الدبلوماسية والحاجة لحشد المزيد من القدرات العسكرية"- جيتي
شارك الخبر
الجميع مستعدون للحرب في المنطقة إلا الولايات المتحدة الأمريكية، هذا ما كشفته واشنطن بقبولها شروط طهران لعقد المفاوضات في العاصمة العمانية مسقط اليوم الجمعة (6 من شباط/ فبراير الجاري)، فأمريكا لا زالت تحشد المزيد من القوات وتناقش الخيارات بعد أن تأكد لها أن لا نصر سريعا وحاسما يحاكي ويكرر مشهد العملية الحاسمة السريعة والنظيفة في فنزويلا التي لا زال صداها يتردد في أرجاء العالم على نحو مرعب.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إما أن تعزز من مكانة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة دوليا وإقليميا، أو تفقد أمريكا هيبتها وتسرع في تآكل مكانتها الدولية والإقليمية وتفقدها نكهة النصر الحاسم في فنزويلا. ولتجنب ذلك لا بد من توجيه ضربة حاسمة لإيران على نحو يضمن إضعاف النظام السياسي وصولا إلى انهياره، ما يتطلب تحضيرات كبيرة تفوق تلك التي كانت في حرب الـ12 يوما في حزيران/ يونيو 2025.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إما أن تعزز من مكانة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة دوليا وإقليميا، أو تفقد أمريكا هيبتها وتسرع في تآكل مكانتها الدولية والإقليمية

تتزامن مع المعوقات اللوجستية تحديات جيوسياسية تفرض على الولايات المتحدة البحث عن نصر وحسم سريع يمكنها من إزاحة التحفظات لدى المعارضين للحرب داخل أمريكا وفي الإقليم، وكذلك تحييد الخصوم الإقليميين والدوليين الراغبين في الاستثمار بالصراع في حال طال أمده، وامتد أثره زمانيا ومكانيا.

خيار الحرب بهذه المواصفات العالية يتطلب حشد مزيد من الموارد والأصول الأمريكية للدفاع والهجوم، فأمريكا تملك ما يفوق العشرين قاعدة عسكرية في المنطقة إلى جانب القطع البحرية، فضلا عن الكيان الإسرائيلي نفسه الذي يمثل عبئا يحتاج إلى حماية عبر منظومات دفاع جوي فعالة يحول دونها النقص الكبير في "مخزون الصواريخ الاعتراضية"، وفق ما أكدته ورقة بحثية متعلقة بمشروع الدفاع الصاروخي التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن (CSIS)، صدرت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية بل والاحتلال الإسرائيلي للتأني أكثر من مرة، والدفع بمزيد من القوات والأصول التي توقع رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي أيال زامير أن تمتد إلى أسبوعين أو شهرين كحد أقصى من الأنتاج الحربي والحشد العسكري.

لا توجد موانع سياسية وأخلاقية بهذا المعنى لدى النخبة في أمريكا تمنعها من مهاجمة إيران، لكن العواقب والتداعيات القريبة والبعيدة المدى للعملية العسكرية الأمريكية تمثل المعضلة الأساسية للضربة الأمريكية، خصوصا أن إيران أثبتت صلابة واضحة في حرب حزيران/ يونيو 2025، وفي احتجاجات وتظاهرات الشهر الماضي، فضلا عن الجرأة التي أبدتها التعامل مع حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن باختراق دفاعاتها، بعد أن حددت موقعها وتمكنت من التحليق بالقرب منها الثلاثاء الماضي.

أمريكا اليوم لا تختلف بالجوهر عن واقع بريطانيا وفرنسا عقب الحرب العالمية الثانية، منهكة من حروب خاضتها على مدى الأعوام الثمانين الماضية، غير أنها لا زالت أسوة بفرنسا وبريطانيا تبحث عن حرب جديدة تؤكد للعالم من خلالها أنها لا زالت فتيّة وشابة وقادرة

هذه الصلابة تحسبت لها الولايات المتحدة أكثر من مرة، فبعد أن بلغت التحصيرات للضربة الجوية ذروتها مطلع الشهر الفائت عادت وتراجعت تحت ضغط الحاجة لمزيد من الاستعدادات العسكرية الدفاعية والهجومية بنقل مزيد من الأصول، لتبلغ ذروتها مطلع شباط /فبراير الجاري، ثم تعود وتتراجع بعد تقديرات أكدت حاجتها لحشد مزيد من القدرات والعسكرية في ظل ممانعة إقليمية متعاظمة للضربة الأمريكية التي لا تخدم أهداف أي من دول المنطقة؛ باستثناء الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لتعديل ميزان القوى الإقليمي لصالحة وبشكل مطلق.

ختاما.. الضربة الأمريكية تبدو وشيكة، ولا يحول دونها سوى المناورات الدبلوماسية والحاجة لحشد المزيد من القدرات العسكرية، وبين الحشد العسكري والدبلوماسي فإن العدوان الأمريكي المتوقع على إيران يخفي هاجس أن يتحول -أو على الأقل هناك فرصة لأن يتحول- إلى مشهد مشابه للعدوان الثلاثي على مصر في الخمسينيات، من قبل فرنسا وبريطانيا والكيان لاستعادة هيبتهم ونفوذهم المتآكل، لتخرج أمريكا من كونها قوة عظمى إلى اعتبارها قوة كبرى بكبرياء مجروح وهيبة مكسورة عالميا وداخليا. فأمريكا اليوم لا تختلف بالجوهر عن واقع بريطانيا وفرنسا عقب الحرب العالمية الثانية، منهكة من حروب خاضتها على مدى الأعوام الثمانين الماضية، غير أنها لا زالت أسوة بفرنسا وبريطانيا تبحث عن حرب جديدة تؤكد للعالم من خلالها أنها لا زالت فتيّة وشابة وقادرة على مواصلة مسيرتها في خوض حروب كتلك في فيتنام وأفغانستان والعراق.

x.com/hma36
التعليقات (0)