تصاعد الحديث في
الأيام الأخيرة عن استكمال الاستعدادات الأمريكية لشن هجوم على
إيران، من جهتهم
الإيرانيون يتحدثون عن استكمال الاستعدادات لمواجهة العدوان المحتمل والرد على
الأهداف الأمريكية. بعد هذه الاستعدادات يُطرح السؤال: متى يقرر الرئيس
ترامب بدء
الهجوم؟ وهنا تبرز المشكلة في عدم وضوح الهدف الاستراتيجي للإدارة الأمريكية،
ويزداد الغموض بسبب الهيمنة الشخصية للرئيس ترامب على صناعة القرار، في ظل هذا
الحشد ما هو الهدف الرئيسي للإدارة الأمريكية. هل تريد استخدام هذا الحشد غير
المسبوق للقوة لإحداث تعديل في سلوك النظام الإيراني وتوجيه بالصورة التي يردها
ترامب، أم أن الهدف الإطاحة بالنظام؟ هناك عدة سيناريوهات ترتبط بحالة الغموض الذي
يتسبب بها الرئيس بتغريداته المتكررة!
السيناريو الأول:
استمرار حشد القوات لفترة كبيرة لخنق النظام الإيراني لإجباره على الخضوع للمطالب
الأمريكية التي تبدأ من منع إيران من حقها في تخصيب اليورانيوم، والحد من القدرات
الصاروخية البالستية، والتخلي عن وكلائها الإقليميين، يُتوج بتوقيع اتفاق اقتصادي
مع واشنطن يضمن مكاسب أمريكية. والمعضلة هنا هي:
سيناريو القرار الشخصي لترامب، الذي لا بد أن يأخذ في الحسبان أن ترامب لا يبحث إلا عن المعارك القصيرة والمربحة، بما لا يصطدم مع قطاع مهم في قاعدته الانتخابية
إلى أي مدى يمكن الاستمرار بحشد
القوات، مع النزيف المالي لتمويل حشد القوات بمليارات الدولارات، لتحقيق هذه
المطالب أو جزء منها ويمكن أن يسميه ترامب كعادته بـ"اتفاق رائع"، في
مواجهة التصميم الإيراني بعد التنازل عن حقوها في التخصيب وصناعة الصواريخ وتمسكها
بأدواتها الإقليمية؟!
السيناريو
الثاني: توجيه ضربة لمراكز النظام. والسؤال هنا: ما الفائدة من ضربة لن تؤدي إلى
سقوط النظام ولا تؤدي إلى الإنجاز المطلوب. وهناك خياران، الأول ضربة استعراضية
محدودة تتعاطي معها إيران بمنطق الاستيعاب وتجنب الرد لمنع التصعيد، والخيار
الثاني ضربة قاسية ومؤلمة للنظام مما يستوجب الرد الإيراني حفاظا على الكرامة
الوطنية، وهنا سيكون الخيار الأفضل للنظام الإيراني هو الرد لكن باتجاه إسرائيل!!
مثل هذا الهجوم
سيجبر إسرائيل على التدخل والتحرك ضد إيران، لأن مثل هذه الضربة ستؤدي إلى أضرار
كبيرة في داخل إسرائيل، ومن خلال قراءة تجربة الأيام الأخيرة في ما تسميه إسرائيل
حرب "الأسد الصاعد" التي استمرت 12 يوما في حزيران/ يونيو الماضي، والتي
أثبتت فيها إيران قدرات كبيرة لا يمكن تجاهلها متمثلة في استخدام الصواريخ الفرط
صوتية، القادرة على حمل صواريخ متعددة الرؤوس، مما يصعب على منظومات الدفاع
الصواريخ الإسرائيلية والأمريكية (السهم، وباتريوت، وثاد) التصدي للصواريخ، لكن
أكبر تحد تواجهه إيران لكي تكون ضربتها مؤلمة لتحقيق هدفها هو نجاحها في استخدام
الكم الكبير من مخزونها الصاروخي، بحيث لا يتكرر سيناريو معركة الـ12 يوما حين
نجحت إسرائيل
إذا استمر التحدي الإيراني، وهذا يحتاج قدرة على الصمود الذي يتميز به القيادة الإيرانية رغم واقعيتها، لذلك فإن ترامب سيكون مضطرا إلى البحث عن مخرج يعطيه صورة الانتصار
في تحييد منظومة الصواريخ بضرب فوهات الأنفاق التي تنطلق منها
الصواريخ، مما وضع إيران وقتها في موقف محرج بسبب عجزها في وقتها من استخدام
مخزونتها الصاروخية!!
في ظل هذه
الخيارات المعقدة لتحقيق الأهداف السياسية، فإنه من الصعب ترجيح سيناريو بعينه،
وكل السناريوهات التي يتم طرحها لا تكاد تخرج عن هذه التصورات وهذه السيناريوهات
لن تقدم حلول ولن تشكل إنجازا يبحث عنه ترامب ليتباهى به!!
لذلك يبقى أمامنا
سيناريو القرار الشخصي لترامب، الذي لا بد أن يأخذ في الحسبان أن ترامب لا يبحث إلا
عن المعارك القصيرة والمربحة، بما لا يصطدم مع قطاع مهم في قاعدته الانتخابية خاصة
جماعة "ماغا"، خشية التورط في حرب طولية، علاوة على معارضة الحزب
الديمقراطي للتورط في الحرب.
إذا استمر التحدي
الإيراني، وهذا يحتاج قدرة على الصمود الذي يتميز به القيادة الإيرانية رغم
واقعيتها، لذلك فإن ترامب سيكون مضطرا إلى البحث عن مخرج يعطيه صورة الانتصار،
وإلا فإن الخيار البديل هو الخيار الأصعب وهو الخوض الحرب بدون أهداف واضحة لإخضاع
إيران الدولة والقيادة!!
الخلاصة: في ظل
هذه التعقيدات سيفضل ترامب اتفاق يعطيه صورة النصر والإنجاز بعد ضربة محدودة كخيار
بديل عن إشعال الحرب التي لا أحد يعرف نتائجها!!