شظايا أي ضربة أمريكية محتملة لإيران ستتناثر على الخليج

ياسر عبد العزيز
"تهديدات أمريكا بشن ضربة ضد النظام في طهران لم تنته"- الأناضول
"تهديدات أمريكا بشن ضربة ضد النظام في طهران لم تنته"- الأناضول
شارك الخبر
خبت جذوة التظاهرات في المدن الإيرانية، على الرغم من أنها، وبحسب التقديرات الرسمية، خلفت خمسة آلاف قتيل، فيما قدرت منظمة راهانا الحقوقية عدد القتلى بثلاثة آلاف ويزيدون قليلا، إلا أنه وفي المقابل، فإن تهديدات أمريكا بشن ضربة ضد النظام في طهران لم تنته، فلا تزال التصريحات الإعلامية المباشرة من ترامب، أو غير المباشرة من فريقه، يعلو وهجها، ما أوصل الأمر إلى حد الحرب النفسية، ما جعل المرشد الأعلى في إيران يرد بنفسه، في تحد مباشر لسيد البيت الأبيض.

بعد أيام من تهديدات أمريكية صريحة بالتدخل إذا استخدمت القوة ضد المتظاهرين في إيران، والتي خفت على خلفية إيقاف طهران إعدام 800 من المعارضين، عاد ترامب ليرفع نبرة التهديدات، بل واتخاذ الإجراءات من خلال فرض عقوبات على اثني عشر فردا وكيانا، قالت واشنطن إنهم يقفون خلف حملة القمع، لتخرج علينا الصحافة الأمريكية بأخبار عن توجيهات من الرئيس الأمريكي لفريقه للأمن القومي برغبته في أن يوجه عملا عسكريا ضد إيران، على أن تكون ضربة سريعة وحاسمة للنظام، وألا يتسبب في إشعال حرب مستدامة تمتد لأسابيع أو أشهر.

إدراك ترامب أن ضربات عسكرية ضد إيران ستكون معقدة، وقد تكون لها تداعيات اقتصادية وخيمة، ومن شأنها أن تشعل حربا أوسع نطاقا، وأن تثير تهديدات للقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، وكذا لحلفاء أمريكا في المنطقة

هذه التصريحات يقف وراءها عدة مطالب، أولها من تل أبيب، التي ترى أن الوقت لم يحن بعد لضربة قاصمة لطهران تمكن من تغيير النظام، إذ إن هناك من الإجراءات التي يجب أن تتخذ لتأمين مصالحها وواشنطن قبل هذه الضربة، وهو ما بدأت تل أبيب بالفعل اتخاذه على مستوى الجبهة الداخلية، وعلى مستوى مصالحها في الخارج، أما أمريكا فتعيد تمركز قواتها لأي سيناريو محتمل، مع محاولات لتحييد بعض الفاعلين المحتمل دخولهم على الخط في حال تمت الضربة، كما هو الحال في العراق، كما أنها تزيد إجراءات التأمين لبعض الحلفاء، بإرسال منظومات دفاع جوي في الأهداف المحتمل الرد عليها في حال تم توجيه الضربة لإيران.

تل أبيب ليست وحدها التي طالبت بمراجعة قرار الضربة، فإن الدول الخليجية كان على الخط في هذا المسار، بل لا تريد بالكلية توجيه ضربة لا تؤمن عواقبها، رغم رغبة ترامب الجامحة والمحددة بأن تكون الضربة سريعة وحاسمة. ويبدو أن إرجاء الضربة التي كان محددا لها في الرابع عشر من الشهر الجاري جاء على خلفية إدراك ترامب أن ضربات عسكرية ضد إيران ستكون معقدة، وقد تكون لها تداعيات اقتصادية وخيمة، ومن شأنها أن تشعل حربا أوسع نطاقا، وأن تثير تهديدات للقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، وكذا لحلفاء أمريكا في المنطقة، محركي الطاقة في العالم، ما يعني آثارا أبعد من ضربة محددة وحاسمة وسريعة.

من الناحية العسكرية، فإن ضربة حاسمة وسريعة لن يكون لها الأثر المرجو -تغيير النظام- وذلك بسبب تبني إيران منهجية (التحصين والتشتيت) المبنية على توزيع القدرات الاستراتيجية على طول البلاد وعرضها، مع تحصينها باستخدام أنفاق داخل الجبال. ومن الناحية السياسية، فإن المعارضة حتى الآن لم تثبت جدارة لتولي مقاليد البلاد المتعدد العرقيات، لكن يجمعها عامل أهم وهو الولاء للمرجعية الدينية، كما أن ضربة خارجية من أمريكا، "الشيطان الأكبر"، قد يكون مردودها عكسيا، إذ أظهرت التجربة خلال حرب الـ"12 يوم" أن الشعب يلتف أكثر حول قيادته تحت شعار "الدفاع عن السيادة الوطنية" حين يكون التهديد خارجيا، وبالنتيجة، أي نظام سيأتي على خلفية هذه الضربة سيكون منبوذا شعبيا، ولن تستقر له الأمور.

إزاحة إيران من المعادلة الإقليمية لا يخدم الخليج بالكلية، إذ إن البديل سيكون إسرائيليا يمينيا متطرفا، وهو خيار أظن أنه غير مقبول لدى قادة الخليج، وهو ما يمكن معه فهم هذا التقارب السعودي- الباكستاني- التركي، في محاولة لبناء تحالف استراتيجي رادع على عدة محاور

إقليميا، ستكون منطقة الشرق الأوسط ولا سيما منطقة الخليج، ساحة صراع وقلاقل، إذ تمتلك إيران شبكة نفوذ تمتد عبر فواعل غير دولتية، قادرة على استهداف المصالح الأمريكية وحلفائها دون الدخول في مواجهة مباشرة. وإذ وضعنا في الاعتبار تدفقات النفط العالمي من جهة وحركة الملاحة في هذه المنطقة من جهة أخرى، فإن أي عاقل سيقف كثيرا للدرس والفحص قبل الإقدام على هذه المغامرة.

لقد سعت دول الخليج خلال الأعوام الماضية إلى انتهاج سياسات توازن وانفتاح نسبي تجاه إيران، وهو ما كان يتبناه الرئيس أوباما، وخلفه الديمقراطي بايدن، وباركته دول الاتحاد الأوروبي، ولعل اجتماع بغداد منذ عامين، والذي وجه له الرئيس بايدن وحضره الرئيس الفرنسي، يدل على هذه السياسية التي ذهبت إليها دول الخليج تجاه إيران. فاندلاع مواجهة عسكرية قد يقوض مسارات التهدئة، ويعيد المنطقة إلى منطق الاستقطاب الحاد، كما قد تتعرض دول الخليج لضغوط داخلية، وربما أمنية، كرد فعل انتقامي من إيران؛ بسبب استضافتها قواعد أمريكية، أو حتى موقفها من الضربة المحتملة، ما يفرض عليها إدارة دقيقة للخطاب السياسي لتفادي الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

السيناتور الجمهوري الأشهر، ليندسي غراهام، عبّر عن خيبة أمله من دول الخليجية وامتعاِضه من تدخلها لوقف الهجوم المحتمل على إيران، وهو موقف يمكن منه قراءة النظرة الأمريكية لدول الخليج، من جهة، كما يمكن فهم التطور الخليجي في التعامل مع قرارات الإدارة الأمريكية خلال الفترة الأخيرة، بداية من عهدة الرئيس بايدن، والتي بدت فيها الرؤية الخليجية المستقلة، والتي توحي بفهم استراتيجي لمآلات القرارات الأمريكية. فبالإضافة لما بيّنّاه في الفقرة السابقة عن الأضرار التي ستلحق بالخليج جراء هذه الضربة، فإن إزاحة إيران من المعادلة الإقليمية لا يخدم الخليج بالكلية، إذ إن البديل سيكون إسرائيليا يمينيا متطرفا، وهو خيار أظن أنه غير مقبول لدى قادة الخليج، وهو ما يمكن معه فهم هذا التقارب السعودي- الباكستاني- التركي، في محاولة لبناء تحالف استراتيجي رادع على عدة محاور.
التعليقات (0)