قضايا وآراء

دبلوماسية الحذر.. كيف تدير أوروبا أزمة الاحتجاجات الإيرانية؟

سمير الخالدي
التحليل الأوروبي يميل إلى تفضيل الاستقرار النسبي على التغيير غير المضمون، خاصة في مناطق مؤثرة في أمنه الطاقوي والجيوسياسي.
التحليل الأوروبي يميل إلى تفضيل الاستقرار النسبي على التغيير غير المضمون، خاصة في مناطق مؤثرة في أمنه الطاقوي والجيوسياسي.
شارك الخبر
منذ اندلاع موجات الاحتجاج الأخيرة في إيران، حرص الاتحاد الأوروبي على صياغة موقف واضح في الشكل، لكنه محسوب بدقة في المضمون. فقد صدرت عن مؤسسات الاتحاد، وعلى رأسها الممثل الأعلى للسياسة الخارجية، بيانات متتالية تدين استخدام العنف ضد المتظاهرين، وتطالب السلطات الإيرانية باحترام الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير والتجمع السلمي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، ووقف القيود المفروضة على الإنترنت.

الخطاب الأوروبي في هذا السياق لا يخرج عن الإطار التقليدي لسياسة الاتحاد الخارجية القائمة على "القيم المعيارية"، حيث تُقدَّم حقوق الإنسان باعتبارها مرجعية أساسية لأي علاقة مع الدول الثالثة. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من حدّته الأخلاقية، يتجنّب بعناية أي لغة يمكن أن تُفسَّر كدعم مباشر لإسقاط النظام أو تشجيع صريح على العصيان السياسي.

فعلى عكس حالات أخرى، لم يستخدم الاتحاد الأوروبي مفردات من قبيل "الوقوف إلى جانب المتظاهرين لإحداث تغيير سياسي"، بل اكتفى بالتأكيد على "الطموحات المشروعة للشعب الإيراني" و"حقه في حياة كريمة". هذا الاختيار اللغوي يعكس إدراكا أوروبيا لحساسية السياق الإيراني، حيث لطالما استخدمت السلطات خطاب "التدخل الخارجي" لتجريم أي حراك داخلي.

على مستوى الإجراءات، لم يقتصر الموقف الأوروبي على البيانات، بل ترافق مع توسيع تدريجي لنظام العقوبات، شمل مسؤولين أمنيين وقضائيين وكيانات مرتبطة بأجهزة الأمن. ومع ذلك، ظل هذا التصعيد مضبوط الإيقاع، بحيث لا يؤدي إلى قطيعة شاملة مع طهران أو إلى إغلاق قنوات الاتصال الدبلوماسي القائمة.

باختصار، يمكن توصيف الموقف الأوروبي بأنه إدانة أخلاقية واضحة، مقرونة بضبط سياسي صارم، هدفه ممارسة الضغط دون دفع الأمور نحو انفجار إقليمي أو داخلي غير قابل للاحتواء.

لماذا يختلف الموقف الأوروبي عن الموقف الأمريكي تجاه المتظاهرين؟

يعود الاختلاف بين المقاربتين الأوروبية والأمريكية إلى جذور بنيوية في فلسفة السياسة الخارجية لدى الطرفين. فالولايات المتحدة لا تتحفّظ تاريخيا عن تبني خطاب مباشر داعم للاحتجاجات في الدول الخصمة، وتعتبر ذلك أداة ضغط سياسية مشروعة، وأحيانا مدخلا لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية.

في الحالة الإيرانية، عبّرت واشنطن عن دعم صريح للمتظاهرين، وذهبت في بعض الأحيان إلى ما يشبه تشجيع استمرار الاحتجاجات، مقرونا بتهديدات بعقوبات أوسع ورسائل ردع ذات طابع سياسي وأمني. هذا النهج ينسجم مع رؤية أمريكية ترى في إيران خصما استراتيجيا، وليس مجرد شريك إشكالي يمكن احتواؤه.

يعود الاختلاف بين المقاربتين الأوروبية والأمريكية إلى جذور بنيوية في فلسفة السياسة الخارجية لدى الطرفين. فالولايات المتحدة لا تتحفّظ تاريخيا عن تبني خطاب مباشر داعم للاحتجاجات في الدول الخصمة، وتعتبر ذلك أداة ضغط سياسية مشروعة، وأحيانا مدخلا لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية.
في المقابل، ينطلق الاتحاد الأوروبي من مقاربة مختلفة، تقوم على الفصل النسبي بين الدفاع عن حقوق الإنسان والهندسة السياسية للتغيير. الأوروبيون يدركون أن أي دعم مباشر أو علني لإسقاط النظام قد يأتي بنتائج عكسية، سواء عبر تعزيز خطاب التشدد داخل إيران، أو عبر تقويض ما تبقى من فرص التأثير الأوروبي من داخل المنظومة الدبلوماسية.

كما أن الاتحاد الأوروبي، بخلاف الولايات المتحدة، لا يمتلك أدوات ردع عسكرية موحّدة، ولا يرغب في تحمّل تبعات تصعيد مفتوح في الشرق الأوسط. ولذلك، فهو يفضّل استخدام أدوات "القوة الناعمة الصلبة" مثل العقوبات القانونية، العزلة الدبلوماسية الجزئية، والضغط عبر المنظمات الدولية.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل أن أوروبا ما زالت تنظر إلى إيران من زاوية ملفات متشابكة، مثل منع الانتشار النووي، وأمن الملاحة والطاقة، والاستقرار الإقليمي. وأي انهيار غير مضبوط للوضع الداخلي الإيراني قد يفتح الباب أمام سيناريوهات فوضوية لا تصب في المصلحة الأوروبية، خصوصا في ظل انشغال القارة بأزمات كبرى، على رأسها الحرب في أوكرانيا.

تلك الحرب التي أدخلت "المسيّرات الإيرانية" كعنصر حاسم؛ حيث يرى الأوروبيون أن دعم طهران لموسكو حوّل النظام الإيراني من "مصدر قلق إقليمي" إلى "تهديد مباشر للأمن القومي الأوروبي". هذا التحول جعل الإدانة الأوروبية تتجاوز البعد الأخلاقي لتصبح جزءا من استراتيجية الردع في حرب أوكرانيا، ومع ذلك تظل بروكسل حذرة من دفع طهران نحو ارتماء كامل في الحضن الروسي.

إضافة إلى ذلك، يلعب البعد الاقتصادي دورا مهما في هذه الحسابات؛ فبالرغم من انهيار التبادل التجاري بسبب العقوبات، لا تزال أوروبا تنظر إلى إيران كخزان ضخم للطاقة ومسار حيوي للملاحة الدولية،  وأي انفجار داخلي غير مسيطر عليه قد يعني قفزة في أسعار الطاقة واضطرابا في سلاسل الإمداد، وهو ما تحاول أوروبا تجنبه في ظل أزمة التضخم التي تضرب القارة.

لا يمكن فهم الموقف الأوروبي من الاحتجاجات في إيران بمعزل عن هذه الشبكة المعقّدة من الحسابات. فالاتحاد الأوروبي يسير على خط رفيع بين الدفاع عن القيم، والحفاظ على المصالح، وتجنّب الانجرار إلى صراعات مفتوحة.
من هنا، فإن الاختلاف مع واشنطن ليس اختلافا في المبدأ، بل في الوسيلة وحدود التدخل: الولايات المتحدة تميل إلى المواجهة السياسية المباشرة، بينما يفضّل الاتحاد الأوروبي الضغط المتدرّج وتجنّب كسر الخطوط الحمراء السيادية.

عوامل تحكم حسابات أوروبا في التعامل مع إيران

1 ـ تحكم الموقف الأوروبي من إيران مجموعة من العوامل المتداخلة، يتقدمها هاجس الاستقرار. فالتحليل الأوروبي يميل إلى تفضيل الاستقرار النسبي على التغيير غير المضمون، خاصة في مناطق مؤثرة في أمنه الطاقوي والجيوسياسي. هذا الاعتبار لا ينفصل عن الخشية من أن يؤدي انفجار داخلي واسع في إيران إلى فوضى إقليمية، وارتدادات اقتصادية وأمنية يصعب احتواؤها في ظرف دولي شديد الهشاشة.

2 ـ العامل الثاني يتمثل في البنية المؤسسية للسياسة الخارجية الأوروبية. فالقرار الأوروبي هو نتاج توافق بين 27 دولة ذات مصالح ورؤى مختلفة، ما يفرض خطابًا أقل حدّة وأكثر قابلية للتسوية مقارنة بصناعة القرار الأمريكية الأكثر مركزية.

3 ـ أما العامل الثالث، فهو الاعتبارات القانونية والدولية، فالاتحاد الأوروبي يحرص على تأطير مواقفه ضمن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، سواء فيما يتعلق بحقوق الإنسان أو العقوبات. هذا الالتزام يمنحه شرعية أخلاقية، لكنه يقيّده في الوقت ذاته عن اتخاذ مواقف أحادية أو صدامية.

4 ـ ولا يقل أهمية عن ذلك العامل الجيوسياسي المتعلق بعلاقة إيران بكل من روسيا والصين. فالتصعيد غير المحسوب ضد طهران قد يدفعها أكثر نحو المحور الشرقي، وهو سيناريو لا يخدم المصالح الأوروبية في عالم يتجه نحو استقطاب حاد.

في المحصلة، لا يمكن فهم الموقف الأوروبي من الاحتجاجات في إيران بمعزل عن هذه الشبكة المعقّدة من الحسابات. فالاتحاد الأوروبي يسير على خط رفيع بين الدفاع عن القيم، والحفاظ على المصالح، وتجنّب الانجرار إلى صراعات مفتوحة.

في نهاية المطاف، يبقى الرهان الأوروبي معلقًا على القدرة على الموازنة بين ضغط الشارع الإيراني وضغوط الجغرافيا السياسية. ومع استمرار الاحتجاجات، قد يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطرا لتجاوز الإدانة المحسوبة نحو سياسات أكثر صرامة، إذا ما استمرت طهران في غلق أبواب الدبلوماسية والارتماء أكثر في الحضن الروسي. فهل تنجح أوروبا في الحفاظ على هذا الخط الرفيع، أم أن العواصف القادمة ستجبرها على الانحياز لجهة دون أخرى؟
التعليقات (0)