قضايا وآراء

ترامب ومادورو.. انهيار الضمانات الدولية وسيادة القوة الأمريكية

منار محمد السكندراني
تبدو الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت، ليس فقط على مستوى التحالفات، بل في إعادة صياغة الحسابات الاستراتيجية ذاتها، في عالم لم يعد يُدار بمنطق الثوابت والحاجة إلى السلم، بل بمنطق التقلّب والترقّب الدائم والاستعلاء. إكس
تبدو الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت، ليس فقط على مستوى التحالفات، بل في إعادة صياغة الحسابات الاستراتيجية ذاتها، في عالم لم يعد يُدار بمنطق الثوابت والحاجة إلى السلم، بل بمنطق التقلّب والترقّب الدائم والاستعلاء. إكس
شارك الخبر
في مفاجأة فاجعة للعالم، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة “ألقت القبض على نيكولاس مادورو وزوجته وأخرجته من بلاده”، تصريح لم يكن مجرد عبارة صادمة في سياق تصعيد سياسي عابر، بل كشف عن ذهنية أمريكية عارية تتعامل مع النظام الدولي بوصفه مجالًا مفتوحًا لفرض إرادتها، ومع السيادة الوطنية باعتبارها مفهومًا قابلًا للتجاوز متى تعارضت مع المصالح الأمريكية. فبغضّ النظر عن دقة التفاصيل أو مآلات الحدث، فإن مجرد صدور هذا الخطاب عن أعلى سلطة في واشنطن يضع العالم أمام إشكال قانوني وسياسي بالغ الخطورة، يتمثل في السؤال عن الجهة التي تملك حق اعتقال رئيس دولة ذات سيادة، وعن السند الشرعي الذي يمكن أن يبرر مثل هذا الادعاء خارج أطر القانون الدولي ومؤسساته المعترف بها.

فمن منظور القانون الدولي، تُعد سيادة الدول أحد الأسس التي قام عليها النظام العالمي المعاصر، وقد كُرِّست صراحة في ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. غير أن الادعاء الأمريكي باعتقال رئيس دولة خارج إطار تفويض دولي ليس أمرًا مستحدثًا في أمريكا اللاتينية، إذ شهدت المنطقة عام 1989 سابقة قانونية خطيرة تمثلت في التدخل العسكري الأميركي في بنما واعتقال الجنرال مانويل نورييغا حين أعلن نيته لتأميم قناة باناما بل ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته هناك بنفس التهم التي يجابهها مادورو.

فنزويلا، بما تختزنه من احتياطات طاقة استراتيجية، وبما نسجته من علاقات اقتصادية ومالية مع بكين، وتفاهمات عسكرية وتقنية مع موسكو، لم تعد يُنظر إليها في واشنطن كدولة خارجة عن المسار السياسي فحسب، بل كحلقة محتملة في شبكة نفوذ دولي منافس، الأمر الذي يفسر ارتفاع منسوب الخطاب التهديدي ومحاولات نزع الشرعية السياسية والقانونية عن قيادتها.
ورغم أن واشنطن بررت ذلك التدخل آنذاك باتهامات جنائية وأمنية، فإن العملية جرت دون تفويض من مجلس الأمن، وفي تجاهل صريح لمبدأ السيادة والحصانة، ما جعلها موضع انتقاد واسع في الفقه القانوني الدولي. واليوم، يعيد تصريح ترامب بشأن مادورو إنتاج المنطق نفسه، القائم على منح الولايات المتحدة لنفسها سلطة تنفيذية وقضائية عابرة للحدود، وهو منطق يُحوِّل الاستثناء إلى قاعدة، ويؤسس لسوابق تفرغ القانون الدولي من مضمونه، وتُخضع مصير الدول وقادتها لموازين القوة لا لسلطة المؤسسات الدولية، بما يفتح سؤالًا مقلقًا حول ما إذا كانت الدول المنخرطة في منظومة الأمم المتحدة ما تزال قادرة فعليًا على الاطمئنان إلى الضمانات التي يفترض أن يوفرها هذا الانتماء. إن مثل هذا التصرف يزيل زيف قناع "المصلحة الدولية" و"السلم العالمي" يضعنا أمام حقيقة أن مؤسسة الأمم المتحدة وما يتبعها من مواثيق دولية وانسانية انتهت صلاحيتها.

لا يمكن قراءة هذا السلوك الأمريكي بمعزل عن التحولات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن الصراع المتصاعد مع الصين وروسيا على النفوذ الاقتصادي والعسكري. فواشنطن تواجه اليوم تحديًا مزدوجًا: تمددًا اقتصاديًا صينيًا يعتمد على الاستثمار طويل الأمد، والبنية التحتية، واتفاقات الطاقة، يقابله حضور روسي يركز على التعاون العسكري، وصفقات السلاح، وبناء شراكات أمنية خارج الإطار الغربي.

وفي هذا السياق، تتحول أمريكا اللاتينية إلى ساحة اختبار لإرادة الولايات المتحدة في منع تشكّل توازنات جديدة خارج نفوذها التقليدي. ففنزويلا، بما تختزنه من احتياطات طاقة استراتيجية، وبما نسجته من علاقات اقتصادية ومالية مع بكين، وتفاهمات عسكرية وتقنية مع موسكو، لم تعد يُنظر إليها في واشنطن كدولة خارجة عن المسار السياسي فحسب، بل كحلقة محتملة في شبكة نفوذ دولي منافس، الأمر الذي يفسر ارتفاع منسوب الخطاب التهديدي ومحاولات نزع الشرعية السياسية والقانونية عن قيادتها.

وينسحب هذا المنطق ذاته على القارة الإفريقية، حيث تتقاطع حسابات الطاقة مع اعتبارات التنافس الدولي. ففي نيجيريا، أكبر منتج للنفط في إفريقيا، يتجاوز الاهتمام الأمريكي مسألة الاستقرار الداخلي أو محاربة الجماعات المسلحة، ليطال إعادة ترتيب موازين النفوذ في مواجهة الحضور الصيني المتنامي في قطاعي النفط والبنية التحتية، والدور الروسي المتصاعد في التعاون العسكري والأمني. فبينما تعتمد بكين على أدوات التمويل والاستثمار ونقل التكنولوجيا لتأمين وصولها إلى موارد الطاقة، تستخدم موسكو مقاربة أكثر مباشرة قائمة على الشراكات العسكرية وتدريب القوات وتزويدها بالسلاح. في المقابل، تسعى واشنطن إلى استعادة زمام المبادرة عبر الضغط السياسي والأمني، وتكثيف حضورها في مفاصل الطاقة، بما يحول نيجيريا إلى ساحة صراع غير معلن بين القوى الكبرى، ويجعل من التدخلات الخارجية عنصرًا إضافيًا في تعقيد أزماتها الداخلية، بدل أن تكون جزءًا من حلولها.

في ضوء هذا المشهد المركّب، يفرض السؤال نفسه حول ما إذا كانت السياسات الأمريكية الراهنة تعبّر فعلًا عن دفاع هادف لمصالحها الاستراتيجية، أم أنها تمثل شكلًا من أشكال الهروب إلى الأمام ونفخ الذات في مواجهة واقع دولي يتغير بوتيرة متسارعة. فاستعراض القوة، حين يصبح بديلاً عن بناء التوافقات واحترام القواعد، قد يوفر شعورًا مؤقتًا بالهيمنة، لكنه لا يعالج جوهر التحولات الجارية في موازين القوة العالمية. بل إن الإفراط في استخدام أدوات الضغط والتهديد يساهم في تسريع تشكّل محاور مضادة، ويمنح الصين وروسيا مبررات إضافية لتعزيز تعاونهما الاقتصادي والعسكري خارج الإطار الغربي.

استعراض القوة، حين يصبح بديلاً عن بناء التوافقات واحترام القواعد، قد يوفر شعورًا مؤقتًا بالهيمنة، لكنه لا يعالج جوهر التحولات الجارية في موازين القوة العالمية. بل إن الإفراط في استخدام أدوات الضغط والتهديد يساهم في تسريع تشكّل محاور مضادة، ويمنح الصين وروسيا مبررات إضافية لتعزيز تعاونهما الاقتصادي والعسكري خارج الإطار الغربي.
ومن هذا المنظور، تبدو محاولات واشنطن فرض نفسها بوصفها “الشرطي العالمي” أقرب إلى رد فعل دفاعي على تآكل النفوذ، منها إلى تعبير عن قوة مستقرة قادرة على إدارة نظام دولي متعدد الأقطاب بل ويجعل من حلفائها الطبيعيين كالاتحاد الأوروبي خاصة بعد ما حدث مع أوكرانيا يعيدون قراءة جدية العلاقات مع الولايات المتحدة.

ولا ينفصل هذا التوجه الخارجي عن الأزمات العميقة التي تعيشها الولايات المتحدة في الداخل، حيث يتزايد الفقر وتتسع الفجوة بين الطبقات، فيما تتعرض الطبقة الوسطى لتآكل مستمر بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الأمان الوظيفي. وإلى جانب ذلك، تشهد البلاد انقسامات سياسية واجتماعية حادة، تتجلى في الاستقطاب الحزبي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتصاعد التوترات العرقية والثقافية. وفي هذا السياق، يغدو تصدير الأزمات إلى الخارج، عبر خطاب القوة والهيمنة، وسيلة لصرف الانتباه عن الاختلالات البنيوية في الداخل، وإعادة إنتاج صورة القوة في الوعي العام، حتى وإن جاء ذلك على حساب الاستقرار الدولي ومصداقية النظام القانوني العالمي.

ومما سيزيد المشهد تعقيدًا في المنطقة ردود فعل البرازيل والميكسيك من القوى الإقليمية الصاعدة، التي تجد نفسها عالقة بين متطلبات الشراكة مع الولايات المتحدة، ومخاوف الانزلاق إلى نظام دولي لا تحكمه القواعد بل المفاجآت. وفي هذا الإطار، لا يبدو أن العلاقات الأمريكية مع العالم تتجه نحو استعادة الثقة، بل نحو إدارة الشك، حيث تُقاس النوايا لا بالالتزامات المعلنة، بل بالقدرة على توقع السلوك الأمريكي في الأزمات المقبلة خاصة إذا احتاجت الولايات المتحدة ذات البلد لزيادة هيمنتها استراتيجيا جغرافيا أو طاقة.

فمع تآكل الضمانات القانونية وتراجع منسوب الثقة، سيتجه النظام الدولي ضرورة نحو مزيد من عدم التماسك لتزداد قابلية التفكك، بما يفتح المجال أمام صراعات مفتوحة وحروب حقيقية طاحنة إما مباشرة أو بالوكالة، في عالم لم يعد مطمئنًا إلى أن القوة الكبرى ستتصرف باعتبارها ضامنًا للاستقرار، بل طرفًا فاعلًا في تعميق هشاشته للاستحواذ على مقدراته.

وفي هذا الجيو السياسي المتحوّل، لا تبدو المنطقة العربية بمنأى عن تداعيات هذا المسار، بل قد تكون من أكثر المناطق تأثرًا به. فالعلاقات العربية ـ الأمريكية، التي قامت لعقود على مزيج من التحالفات الأمنية والضمانات السياسية، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد تتراجع فيه الثقة لصالح الحسابات البراغماتية البحتة. ومع تصاعد التنافس الدولي، وتزايد حضور الصين وروسيا اقتصاديًا وعسكريًا في عدد من الدول العربية، تصبح خيارات العواصم العربية أكثر تعقيدًا، بين الحفاظ على شراكات تقليدية لم تعد تمنح الطمأنينة السابقة، والانفتاح على بدائل لا تزال ملامحها غير مكتملة. وفي ظل هشاشة إقليمية مزمنة، وصراعات مفتوحة لم تُحسم، فإن أي اهتزاز إضافي في النظام الدولي ينعكس مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها.

ولذلك، تبدو الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت، ليس فقط على مستوى التحالفات، بل في إعادة صياغة الحسابات الاستراتيجية ذاتها، في عالم لم يعد يُدار بمنطق الثوابت والحاجة إلى السلم، بل بمنطق التقلّب والترقّب الدائم والاستعلاء.
التعليقات (0)