شهدت بعض المناطق في
المكسيك خلال الأيام
الأخيرة موجة عنف أعقبت مقتل زعيم كارتل خاليسكو للجيل الجديد "إل مينشو"،
حيث ردّت الكارتيلات بهجمات انتقامية شملت إحراق مركبات وإغلاق طرق ومواجهات
مباشرة مع قوات الأمن، ما دفع الجيش إلى انتشار واسع في بعض الولايات، خصوصًا
خاليسكو ومحيطها. وقد انعكس التصعيد مباشرة على الحياة اليومية؛ فأُغلقت مدارس
ومؤسسات مؤقتًا، وأُلغيت بعض الرحلات الجوية والفعاليات الرياضية، ونُصح السكان
بالبقاء في منازلهم في المناطق المتأثرة. ورغم حدة المشهد في بؤر معينة، بقي العنف
جغرافيًا محدودًا نسبيًا، وعادت الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها في أجزاء واسعة من
البلاد تحت رقابة أمنية مشددة.
إن ما يحدث اليوم لا يعني انهيار الدولة المكسيكية، بل يعكس هشاشة توازن قائم على شبكة مصالح معقدة. فكلما سقط زعيم كارتل، اختلّ ميزان قوى داخل سوق ضخمة تتجاوز حدود المكسيك نفسها، فتندلع موجة عنف لإعادة رسم النفوذ. الدولة قائمة، والجيش منتشر، والمؤسسات تعمل، لكن التحدي بنيوي لا أمني صرف.
لفهم ما يحدث اليوم، لا بد من العودة إلى
الجذور التاريخية للعلاقة بين المكسيك وجارها الشمالي. فبعد استقلالها عن إسبانيا
عام 1821، كانت المكسيك دولة واسعة المساحة تمتد على أراضٍ شاسعة تشمل تكساس
وكاليفورنيا وأقاليم غنية بالمعادن والموارد الطبيعية. غير أن أول تصدع كبير وقع
سنة 1836 عندما أعلنت تكساس استقلالها عن المكسيك بعد تمرد قاده مستوطنون
أمريكيون، قبل أن تنضم إلى الولايات المتحدة عام 1845، ما مهّد الطريق لمواجهة
أوسع بين البلدين.
وقد انتهت الحرب المكسيكية ـ الأمريكية بين
عامي 1846 و1848 بهزيمة قاسية للمكسيك، وتُوّجت بتوقيع معاهدة غوادالوبي هيدالغو
سنة 1848، التي خسرت بموجبها نحو نصف أراضيها، بما في ذلك كاليفورنيا ونيو مكسيكو
وأريزونا وأجزاء واسعة أخرى. ومع اكتشاف الذهب في كاليفورنيا لاحقًا، تعززت قوة
الولايات المتحدة الاقتصادية بشكل كبير، بينما دخلت المكسيك مرحلة إدراك حاسم
بأنها لم تعد قادرة على موازنة القوة الأمريكية. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، وبعد
أن فقدت دعم الإمبراطورية الإسبانية ولم تستطع بناء تحالف مستقر مع قوى أوروبية
كفرنسا أو بريطانيا، ترسّخ في وعيها السياسي أنها باتت في موقع أدنى ضمن معادلة
إقليمية تميل بوضوح إلى الشمال.
مع نهاية الهيمنة الحزبية للحزب الثوري
المؤسسي عام 2000، دخلت المكسيك مرحلة سياسية جديدة أنهت عقودًا من الاستقرار
السلطوي المنضبط، وفتحت المجال أمام إعادة تشكل مراكز القوة داخل الدولة والمجتمع.
ثم جاء عام 2006 ليشكل نقطة تحول حاسمة، حين أعلنت الدولة ما عُرف بـ "الحرب
على المخدرات"، فدخل الجيش إلى المواجهة المباشرة مع الكارتيلات. ومنذ ذلك
الحين، لم يعد الصراع مجرد نشاط إجرامي معزول، بل أصبح جزءًا من بنية المشهد
السياسي والأمني، تتغير فيه التحالفات وتُعاد فيه خرائط النفوذ كلما اختلّ ميزان
القوة بين الكارتيلات.
غير أن ما يحدث في المكسيك لا يمكن عزله عن
البعد الإقليمي والدولي. فالعلاقة مع الولايات المتحدة ليست فقط علاقة جوار
جغرافي، بل تشابك اقتصادي عميق يقوم على مستويين متوازيين: اقتصاد رسمي وسوق سوداء
عابرة للحدود.
في الاقتصاد الرسمي، تمثل الولايات المتحدة
الشريك التجاري الأول للمكسيك بلا منازع. فالمكسيك تُعد منصة صناعية كبرى مرتبطة
بالسوق الأمريكية، خاصة في قطاعات مثل صناعة السيارات والإلكترونيات، حيث تلعب
اليد العاملة المكسيكية منخفضة التكلفة دورًا محوريًا في سلاسل الإنتاج. بالمقابل،
تستورد المكسيك منتجات وتقنيات وعتادًا رسميًا من الولايات المتحدة. هذه العلاقة
تخلق اعتمادًا متبادلًا، لكنه غير متكافئ من حيث القوة والقرار.
أما في السوق السوداء، فالمعادلة مختلفة.
السلاح الذي يُهرَّب إلى المكسيك ـرغم أثره الأمني في صراع الكارتيلات ـ لا يمثل
وزنًا يُذكر في الاقتصاد الأمريكي الكلي. في المقابل، يشكل الطلب الأمريكي الضخم
على المخدرات المحرك الأساسي للأرباح غير المشروعة التي تتدفق عبر الحدود.
فالولايات المتحدة تُعد أكبر سوق استهلاكي عالمي للمخدرات، والمكسيك بلد عبور
رئيسي ومنتج مهم لبعضها، ما يجعل اقتصاد الكارتيلات مرتبطًا أساسًا بالطلب القادم
من الشمال. هنا يتقاطع الاقتصاد غير الرسمي مع الجغرافيا السياسية، وتصبح الحدود
مجال تبادل مزدوج: تصنيع رسمي في اتجاه، وتجارة غير مشروعة في الاتجاه الآخر.
إن المكسيك ليست مجرد قصة كارتيلات، بل نموذج معاصر لكيف تتعايش الدولة مع اقتصادين متوازيين ـ رسمي وغير رسمي ـ في ظل علاقة غير متكافئة مع قوة كبرى. وما دام هذا التشابك قائمًا، سيبقى العنف يتجدد كلما اختلّ التوازن، دون أن يعني ذلك بالضرورة سقوط الدولة، بل استمرارها داخل معادلة صعبة ومعقدة.
من هذه الزاوية، فإن ما يحدث اليوم لا يعني
انهيار الدولة المكسيكية، بل يعكس هشاشة توازن قائم على شبكة مصالح معقدة. فكلما
سقط زعيم كارتل، اختلّ ميزان قوى داخل سوق ضخمة تتجاوز حدود المكسيك نفسها، فتندلع
موجة عنف لإعادة رسم النفوذ. الدولة قائمة، والجيش منتشر، والمؤسسات تعمل، لكن
التحدي بنيوي لا أمني صرف.
وهنا تبرز أسئلة أوسع: هل يمكن تفكيك اقتصاد
المخدرات دون معالجة الطلب في الشمال؟ هل يكفي الحل الأمني إذا كان السوق العابر
للحدود هو المحرك الحقيقي؟ وإلى أي مدى يمكن لدولة متوسطة القوة أن تفلت من معادلة
عدم التكافؤ مع جارٍ أعظم قوة منها اقتصاديًا وعسكريًا؟
ثم سؤال يتجاوز المكسيك نفسها: ألا تحمل هذه التجربة
دروسًا لدول العالم العربي، حيث تتشابك الجغرافيا السياسية بالاقتصاد غير الرسمي،
وحيث قد يبدو العنف أحيانًا ظاهرة داخلية بينما هو في جوهره نتيجة توازنات إقليمية
ودولية أعمق؟
بهذا المعنى، فإن المكسيك ليست مجرد قصة
كارتيلات، بل نموذج معاصر لكيف تتعايش الدولة مع اقتصادين متوازيين ـ رسمي وغير
رسمي ـ في ظل علاقة غير متكافئة مع قوة كبرى. وما دام هذا التشابك قائمًا، سيبقى
العنف يتجدد كلما اختلّ التوازن، دون أن يعني ذلك بالضرورة سقوط الدولة، بل
استمرارها داخل معادلة صعبة ومعقدة.