المملكة العربية السعودية واستعادة دورها ووضعها الاستراتيجي

أحمد قعلول
إن هذه الاستفاقة الاستراتيجية تمثل في الحقيقة استعادة لدور تاريخي جيواستراتيجي مثل نقطة انطلاق حضاري غير تاريخ البشرية في لحظة مشابهة وهي في الحقيقة لحظة انبعاث الإسلام وتأسيس دولة للمسلمين.. الأناضول
إن هذه الاستفاقة الاستراتيجية تمثل في الحقيقة استعادة لدور تاريخي جيواستراتيجي مثل نقطة انطلاق حضاري غير تاريخ البشرية في لحظة مشابهة وهي في الحقيقة لحظة انبعاث الإسلام وتأسيس دولة للمسلمين.. الأناضول
شارك الخبر
تمثل المملكة العربية السعودية مساحة استراتيجية في منطقة الخليج وكذلك في قلب المعادلة الدولية أكان ذلك فيما له علاقة بحجم الثروات أو بالموقع الجغراسياسي بين طرق التجارة الدولية بين القارة الآسيوية والقارة الإفريقية وكذلك البحر الأبيض المتوسط.

وإذ يمر العالم بمرحلة تحولات كبرى فإن دور المملكة ووضعها لا شك مهم ومؤثر في فهم مآلات الأوضاع وتطوراتها المحتملة.

وفي هذا الإطار يشير آخر تقرير استراتيجي لوكالة الاستخبارات الأمريكية "Global Trends 2040" الذي صدر في شهر مارس 2021، إلى عالم يتسم بتحديات متزايدة وتنافس أكبر، مع توقعات يميل بعضها إلى التشاؤم، وتحذيرات من تصدعات عالمية خطيرة في سيناريوهات متطرفة مثل "رباطات منفصلة" و"مأساة وتعبئة".

إن هذه الاستفاقة الاستراتيجية تمثل في الحقيقة استعادة لدور تاريخي جيواستراتيجي مثل نقطة انطلاق حضاري غير تاريخ البشرية في لحظة مشابهة وهي في الحقيقة لحظة انبعاث الإسلام وتأسيس دولة للمسلمين مثلت فيها منطقة الخليج العربي نقطة الانطلاق والارتكاز الحضاري والجيوسياسي.
كما يعتبر التقرير أن العالم سيعاني من مخاطر متعددة يعود عدد منها للتطورات النوعية في عالم التكنلوجيا وطرق التجارة العالمية وانتشار الأوبئة ومعها الأزمات البيئية والصراعات الفئوية وضعف الدولة وبروز قوى فاعلة غير تقليدية مع موجات الهجرة التي ستعم العالم بسبب هذه الأزمات.

كما ينبه التقرير إلى أن احتكار الولايات المتحدة لقمة هرم موازين القوى في العالم قد انتهى، الأمر الذي يفتح العالم على خمس سيناريوهات مستقبلية وهي: "إحياء الديمقراطية"، "عالم متقلب"، "تعايش تنافسي (الولايات المتحدة والصين)"، والتي تركز على التحديات الدولية والتنافس بين الولايات المتحدة والصين، "رباطات منعزلة"، أي أن ينقسم العالم لدوائر قوة لها مركز تحوم حوله دوائر إقليمية تمثل مركزا لقوى أصغر، مأساة وتعبئة، وأخيرا سيناريو "مأساة وتعبئة.

وإن بدا صعود ترامب وسياساته خروجا عن العقل الاستراتيجي فإن المتمعن فيه والدارس لوثيقة "إستراتيجية الأمن القومي" التي صدرت عن إدارته يدرك أنه يتحرك ضمن نفس الرؤية وفي إطار أحد هذه السيناريوهات التي لا تسعى فقط لتحقيق سيناريو "التنافس في إطار التعايش"، ولكن في نفس الوقت الاستعداد لسيناريو "الرباطات المنعزلة".

من البين أن هناك قوى تحركت في منطقة الشرق الأوسط لوراثة الانحسار الأمريكي مع تحقيق الارتباط به أي تمثيل مصالحه في الشرق الأوسط ودوائره الاقليمية، وقد سعت هذه الاجندة لتحقيق ذلك من خلال فرض سياقات تفكيك القوى الأساسية في المنطقة وإدخالها في مرحلة ضعف وعدم استقرار مع الهيمنة على ثرواتها ومسالكها التجارية والمالية.

وقد عاشت المنطقة العربية حالة من الفراغ الاستراتيجي كادت تفقد خلال نقطة ارتكازها الجيوسياسي.

يعتبر العديد من المحللين أن مبادرة المملكة في اليمن حفاظا على وحدته وإيقافا لأجندات تفكيكه  تمثل استفاقة استراتيجية قلبت المعادلة، ولا شك أن هذا صحيح خاصة مع تحركها في اتجاه بقية الملفات الإقليمية في إطار سياسة الحفاظ على الاستقرار والوحدة الترابية للدول العربية المهددة بالتفكيك، أكان ذلك في السودان أو الصومال أو ليبيا، وما لذلك من أثر على منطقة الساحل وجنوب الصحراء. وبقدر أهمية هذه المبادرة فإن الخطوة الاستراتيجية الكبرى كانت قبل ذلك بسنة وذلك من خلال الدور الاستراتيجي الذي تقوم به المملكة كقوة استقرار ودعم لانتصار الثورة السورية واستعادة سوريا إلى الحضن العربي.

يعتبر العديد من المحللين أن مبادرة المملكة في اليمن حفاظا على وحدته وإيقافا لأجندات تفكيكه تمثل استفاقة استراتيجية قلبت المعادلة، ولا شك أن هذا صحيح خاصة مع تحركها في اتجاه بقية الملفات الإقليمية في إطار سياسة الحفاظ على الاستقرار والوحدة الترابية للدول العربية المهددة بالتفكيك، أكان ذلك في السودان أو الصومال أو ليبيا، وما لذلك من أثر على منطقة الساحل وجنوب الصحراء.
إن من أهم خلاصات التقرير الاستراتيجي الأمريكي "Global Trends 2040” إشارته إلى أن العالم سيصبح متعدد الأقطاب وأنه سيدخل في حالة تنافس، وهنا تسعى "عقيدة سلمان" إلى تعزيز مكانة المملكة كقوة إقليمية مؤثرة وهذا ما عبرت عنه استراتيجيتها ورؤيتها 2030، التي تستوجب أن تحافظ  المملكة على وضعها الجيوسياسي والاستراتيجي، وهو ما يفسر الخطوات التي قامت بها المملكة، خاصة منذ تولي الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان، وهي خطوات متناسقة بشكل وثيق مع هذه التحولات الدولية الكبرى. الأمر الذي يبين أن المملكة تحركت ضمن استراتيجية واعية وأنها استثمرت الفرصة عندما سنحت مع صعود ترامب وفي أثر تطورات طوفان الأقصى فتحركت بتأمين وضعها الاستراتيجي من خلال علاقتها بالباكستان (خاصة بعد الضربة التي تعرضت لها الدوحة) وانفتاحها على تركيا، دون أن نغفل دورها في كل من ماليزيا وإندونيسيا.

وهذه كلها معطيات تجعل من المملكة موضوعيا طرفا قادرا على الجلوس على الطاولة لتحديد مصير المنطقة في إطار استراتيجية ايجابية لا طرفا هو موضوع التقسيم، كما يرشحها لاستعادة دور القيادة في العالم العربي والاسلامي عموما وخاصة لقيادة العالم السني الذي أصبح دون مشروع.

إن هذه الاستفاقة الاستراتيجية تمثل في الحقيقة استعادة لدور تاريخي جيواستراتيجي مثل نقطة انطلاق حضاري غير تاريخ البشرية في لحظة مشابهة وهي في الحقيقة لحظة انبعاث الإسلام وتأسيس دولة للمسلمين مثلت فيها منطقة الخليج العربي نقطة الانطلاق والارتكاز الحضاري والجيوسياسي.

ونحن هنا لا نتحدث عن استعادة التاريخ بدوراته الماضية وإنما عن الإشارة لفرصة التموقع الاستراتيجي للمشاركة مع القوى الكبرى في العالم واقطابه من أجل الحفاظ على مصالح العالم العربي والإسلامي وذلك خاصة من خلال التقارب السعودي الباكستاني والتركي بانتظار التحاق مصر واستعاد سوريا لتعافيها واستقرارها، وفي إطار تعاون وتشارك مع الآخرين دون تصادم.

*سياسي  تونسي ووزير سابق
التعليقات (0)