لا يكاد يخفى على كل المتابعين والمعنيين
بالملف الليبي، بأن
ليبيا قد تحولت ومنذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، إلى
حالة مرجعية تُستدعى كلما أُريد التدليل على النتائج الكارثية لإسقاط الأنظمة
بالقوة المسلحة دون إعداد بديل مؤسسي أو رسم مسار انتقالي قابل للتطبيق، حيث لم
يقتصر الإخفاق على غياب التخطيط، بل تمثّل في إنتاج واقع سياسي جديد أكثر
اختلالًا، واقع أُزيحت فيه الدولة من موقع الفاعل المركزي، وحلّت محلها شبكات
مسلحة ومراكز نفوذ مالية أعادت تعريف السلطة بوصفها غنيمة لا وظيفة، وأُفرغت فيه
الملفات ذات الطابع الإجرائي أو الفني من مضمونها لتتحول إلى ساحات صراع حاد،
تُدار بمنطق الإقصاء والتعطيل لا بمنطق التسوية.
في هذا المشهد المختل للأزمة الليبية، يُطرح
مفهوم "
المصالحة الوطنية" بوصفه أولوية، بينما يكشف التحليل الدقيق أن
هذا الطرح لا يعكس قراءة صحيحة لطبيعة الأزمة ولا لتسلسلها المنطقي، فالمصالحة، في
التجارب التاريخية المقارنة، ليست مدخلًا لإعادة بناء الدولة، بل نتيجة لاحقة
لمسار سياسي تُحسم فيه مسألة السلطة وتُعاد فيه صياغة موازين القوة، إذ لم تعرف
المجتمعات الخارجة من الصراعات الداخلية مصالحة فعلية قبل أن تُفرض تسويات سياسية
واضحة، غالبًا غير متكافئة، تُقدَّم فيها تنازلات قسرية من الأطراف الأضعف للأطراف
الأقوى، وهو ما يؤكد أن الحديث عن “مصالحة وطنية” ليس سوى توصيف لغوي مخفف لواقع
أكثر خشونة، حيث لا توجد مصالحة بالمعنى الأخلاقي، بل ترتيبات اضطرارية تُبنى على
ميزان القوة لا على النوايا، وهو ما يتجلّى بوضوح في التجربة اللبنانية، إذ لم
تبدأ عملية المصالحة الوطنية المجتمعية في لبنان إلا بعد إقرار اتفاق الطائف 1989
الذي أنهى الحرب الأهلية عبر تسوية سياسية أعادت توزيع السلطة وفرضت إطارًا
دستوريًا وأمنيًا جديدًا، فكان الاتفاق تتويجًا لحسم سياسي إقليمي ودولي سبق أي
حديث جدي عن المصالحة، ولم تكن المصالحة فيه سببًا لوقف الحرب، بل نتيجة لاحقة
لانتهائها.
الحديث عن إدارة ملف المصالحة قبل أوانه، أو إسناده إلى شخصيات ارتبطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمآلات ما بعد 2011، فيثير إشكاليات تتجاوز البعد السياسي إلى البعد المعرفي والأخلاقي،
وبالعودة إلى الحالة الليبية يتضح أن الأزمة
الليبية ليست اجتماعية في جوهرها، بل هي أزمة سلطة.. أزمة إدارة للموارد.. وأزمة
سيطرة على أدوات العنف، فالمجتمع الليبي، رغم ما لحق به من أضرار، لا يزال محتفظًا
بدرجة معتبرة من التماسك، ولم ينزلق إلى حرب أهلية شاملة ذات طابع وجودي، وإنما
جرى استنزافه عبر صراع مسلح ذي طبيعة مصلحية وجهوية غذّاه غياب الدولة، وتحولت فيه
الفوضى إلى مصدر ثراء ونفوذ، وأصبح استمرار الانقسام شرطًا لبقاء طبقة كاملة من
المستفيدين الذين راكموا مواقعهم عبر تعطيل المؤسسات وتفريغها، ما يجعل أي دعوة
متعجلة للمصالحة أقرب إلى محاولة شرعنة واقع مختل بدل معالجته، إذ لا يمكن ترميم
الآثار الاجتماعية للصراع عبر مبادرات رمزية في ظل غياب احتكار الدولة للقوة
المنظمة، بل إن المعالجة الاجتماعية ـ وفق منطق التحليل المؤسسي ـ تصبح ممكنة فقط
بعد استعادة الدولة لوظيفتها الأمنية وإعادة بناء أجهزتها على أسس مهنية وطنية،
وهو ما تؤكده خبرات انتقالية متعددة أثبتت أن فرض النظام العام يسبق دائمًا تخفيف
الكلفة الاجتماعية للنزاعات، لا العكس.
أما التاريخ، فهو لا يحتاج إلى استدعاء بعيد
لتأكيد هذه القاعدة، إذ يكفي التمعن في واقع المجتمعات التي وصلت إلى لحظة تساوي
فيها الموت والحياة لدى الفئات المهمشة، وهو ما عبّر عنه محمد الفيتوري بدقة في
قصيدته التي يحفظها جزء معتبر من الليبيين بعد أن كانت تبث بمرات عديدة في تلفزتهم
الوطنية في زمن القذافي، حين قال: "وَليَسْمَعِ اليائِسُ المَحمومُ حيثُ
هَوَتْ بِهِ الظُّنونُ وحيثُ اغتالَهُ الخَطَرُ، أنَّ الجَريمةَ لن تَبقى وأنَّ
يَدًا مسْت… جَلالُ الضَّحايا سوفَ تَنْبَتِرُ". واللحظة الليبية الحالية
الغارقة في الفساد الإداري و المالي لا تُنذر بالإصلاح ولا بالمصالحة، بل
بالانفجار.
وفي مثل هذه اللحظات لا تصمد حسابات النخب
ولا تنفع الخطابات التوفيقية، أما الحديث عن إدارة ملف المصالحة قبل أوانه، أو
إسناده إلى شخصيات ارتبطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمآلات ما بعد 2011، فيثير
إشكاليات تتجاوز البعد السياسي إلى البعد المعرفي والأخلاقي، ذلك أن التجارب
الانتقالية تُجمع على أن من شارك في تشكيل الأزمة، أو دافع عن مساراتها، أو استفاد
من نتائجها، لا يمكن أن يكون في موقع الحكم بين أطرافها، ليس تشكيكًا في النوايا،
بل لأن قبول الأطراف هو الشرط الأول لأي إصلاح، وهو شرط يتقدّم حتى في المفهوم
الديني لإصلاح ذات البين، حيث لا يصح الإصلاح إلا بقبول من يُناط به الإصلاح، وإلا
تحوّل إلى عامل توسيع للشرخ بدل رأبه، ومن هنا فإن بعض القرارات الصادرة في الآونة
الأخيرة عن أحد السلط التنفيذية، تطرح أسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة، لا من حيث
الشكل، بل من حيث المنهج، ومن حيث الرسائل غير المعلنة التي توحي بأن الأزمة تُدار
بالعقول ذاتها التي أسهمت في إدامتها، وهو ما يجعل المصالحة، في وضعها الراهن،
أقرب إلى عنوان مؤجل في مسار لم تُستكمل شروط بدايته بعد، لا أولوية واقعية في
أزمة لم تُحسم جذورها السياسية والمؤسسية حتى الآن.