"لا صداقة دائمة ولا خصومة دائمة"..
يقول السياسيون، فالسياسة هي فن التعامل مع الممكن وهي فن صناعة التوازنات وفن
المواءمة بين المتناقضات، وهي في النهاية فن تلقف اللحظات المناسبة لجني ثمار
مجهودات ونضالات وتضحيات.
الأحداث السياسية والوقائع الاجتماعية في
تفاعلها تظل تتشكل أشكالا مختلفة الأحجام والملامح، وهكذا تتشكل تحالفات وتنسيقيات
وجبهات بين
أحزاب وجماعات تتبدل وتتوسع أو تضيق بحسب مقتضيات المراحل والوقائع، ولا
غرابة في رؤية تحالف بين أحزاب تبدو متناقضة المرجعيات العقدية، ولا غرابة أيضا في
أن نراها تتخاصم بعدها وتتصارع، المهم ألا ينقطع بينها حبل الود وألا تنقلب
العلاقة إلى عداوة.
لقد أنتجت سنوات الاستبداد حين اشتدت القبضة على
الأحزاب تحالفا يبدو غريبا بين من كانوا يُعدّون خصوما، تحالفا أزعج السلطة يومها
أيما إزعاج إنه تحالف هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات سنة 2005، الذي أنجز تحركات
ميدانية مشتركة وتوصل إلى صياغة نصوص تأسيسية تمهد لعمل جبهوي مستقبلي استراتيجي
في مواجهة مرحلة ما بعد بن علي.
يُنكر أحد أن السيد نجيب الشابي كان من الأصوات الأولى التي ارتفعت في الداخل عاليا في وجه قبضة الاستبداد، بعد أن أخمدت كل الأصوات تحت مطارق القهر والتجفيف والاستئصال والتهجير
ولعل السيد أحمد
نجيب الشابي كان يمثل القاطرة
العنيدة لتلك الهيئة، وكنا نعلم يوما بأنه حين تنازل عن الأمانة العامة للحزب
الديمقراطي التقدمي للمناضة مية الجريبي إنما كان يستعد لخوض منازلة سياسية عنيدة
ضد بن علي في رئاسية 2009 (علمنا أنه يريد ألّا يدفع الحزب الثمن إذا ما بلغت
المنازلة تلك مدى خطِرا).
لا يُنكر أحد أن السيد نجيب الشابي كان من
الأصوات الأولى التي ارتفعت في الداخل عاليا في وجه قبضة الاستبداد، بعد أن أخمدت
كل الأصوات تحت مطارق القهر والتجفيف والاستئصال والتهجير، وأنه من الذين كسروا
حاجز الخوف وجرّأوا من بعدهم أصواتا أخرى على الارتفاع، ولا يُنكر أحد أن صحيفة
"الموقف" كانت منبرا لمن لا منبر له، لقد استعاد الكثيرون حضورهم في
الساحة من خلالها حيث احتضنتْ الصحيفة كتاباتهم ولم تكن صحيفة أخرى لتحتضنها في
البدايات، كانت صحيفة "الموقف" هي التي تنشر أخبار الاعتداءات والمظالم
ولا تتردد في تسمية "الإسلاميين" بصفتهم تلك، ولم تكن صحيفة أخرى لتجرؤ
على نشر تلك المفردة.
"الحزب الديمقراطي التقدمي" كان العصب
الحي في هيئة 18 أكتوبر وكان مظلة للهاربين من فحيح القهر، فكيف يتحول هذا الحزب
إلى "خصم" لأبرز حليف من حلفاء سنوات الدخان -وأعني تحديدا حزب حركة
النهضة- وبعد انتخابات 2011؟
يلاحظ المراقبون لمسار الأحداث منذ 17 كانون
الأول/ ديسمبر 2010 إلى 13 كانون الثاني/ يناير 2011 أن المعارضة المبدئية كانت
متناغمة ومتوافقة في موقفها مما تشهده البلاد وفي دعمها الكامل لمطالب الشارع في
الإصلاح والعدالة والتشغيل والكرامة، ولكن الاختلاف بدأ مباشرة بعد خطاب الرئيس
السابق عشية 13 كانون الثاني/ يناير 2011، حين دعا إلى حكومة وحدة وطنية وحين وعد
بعدة إجراءات إصلاحية وتنموية، حيث قدّر السيد نجيب الشابي أن الدخول في الحكومة
تلك ضمانة لتحقيق مشروع الإصلاح بأقل كلفة وبأسرع وقت. وتلك قراءة لها منطقها ولها
مبرراتها ولا تنال من قامة الرجل النضالية ولا تحجب تاريخه وعطاءاته، وهو ما يفسر
أن الذين اختلفوا معه في التقديرات السياسية لم يذكروه إلا بما يناسبه من التقدير
والاحترام، حيث سمعنا الأستاذ راشد الغنوشي يقول إن السيد أحمد نجيب الشابي صديق
عزيز ولكننا نختلف معه في قرار الدخول إلى الحكومة تلك.
الذين اختلفوا معه في التقديرات السياسية لم يذكروه إلا بما يناسبه من التقدير والاحترام، حيث سمعنا الأستاذ راشد الغنوشي يقول إن السيد أحمد نجيب الشابي صديق عزيز ولكننا نختلف معه في قرار الدخول إلى الحكومة تلك
وربما سارت حركة الشارع إلى غير ما قدره بعض
المعارضين المبدئيين وانتهت تلك الحركة إلى حل الحكومة المؤقتة الأولى، وتلك فنون
السياسة ليست علوما مخبرية وليست معادلات رياضية، إنما هي مقاربات ومواءمات وتلقف
دائم للحظات المواتية لتحقيق مشاريعنا ورؤانا، وقد نخطئ وقد نصيب وحسبنا الصدقية
النضالية والمبدئية الرسالية.
ولكن الذي يزعج عموم الناس هو أن يروا
"جبهة النضال المشترك" تتداعى إلى نزاع مُخيّب للآمال ومحبط للعزائم ومولد
للتردد والبرود السياسي، ولا يعني الناس من المصيبُ ومن المخطئ قدر ما يعنيهم أن
الصراعات الحزبية بين الأطراف الجادة إنما تأكل من آمالها المعقودة على السياسيين
أولئك.
لقد كان وسيظل من أوكد مهام النخبة الفكرية
والثقافية والإعلامية هو الاشتغال على تنقية القاموس السياسي من المفردات المؤذية
المولدة للأحقاد، وأن تعمل على استنبات قيم التوافق والتشارك والتدافع الإيجابي من
أجل الوطن ووفاء للذين واجهوا الرصاص بدم حيّ.
وها هو المشهد السياسي الجديد بعد حادثة 25 تموز/
يوليو 2021، يُعيد انتداب الأستاذ أحمد نجيب الشابي ليقود تحالفا سياسيا تحت عنوان
"جبهة الخلاص الوطني"، دفاعا عن الحرية وعن المسار الديمقراطي وعن
المساجين السياسيين، وها هو يستنفد كل طاقته وكل زمنه السياسي إلى اللحظة التي
وطأت فيها قدماه السجن مجددا وهو في الثانية والثمانين من العمر، رافضا الوقوف
أمام المحكمة لاستئناف حكم ابتدائي بسجنه ومؤكدا على أن الأحكام سياسية وليس ثمة
ما يبررها من "جرائم" تُنسب إليه ولآخرين تحت عنوان
"المؤامرة".
x.com/bahriarfaoui1