بعد
أن تمكّن النظام
التونسي من نسف الحقل السياسي التونسي المرتبط بمرحلة
"الانتقال الديمقراطي" وتحييد أهم الفاعلين فيه، وبعد أن نقض مخرجات ذلك
الانتقال فيما يخص الهيئات الدستورية وغيرها، كان واضحا أن مشكلة "تصحيح
المسار" -باعتباره السردية السياسية الجديدة للنواة الصلبة في منظومة
الاستعمار الداخلي- لم تكن الأجسام الوسيطة السياسية ولا ميراث "العشرية
السوداء"، بل هي كل أنماط التمثيل/ الشرعية التي لا ترتبط به نشأةً أو وظيفةً.
ومن
هذا المنظور السلطوي كانت العلاقة مع مكوّنات
المجتمع المدني محكومة تكتيكيا
بالاحتياجات السياقية النظام، دون التخلي في المستوى الاستراتيجي عن الفلسفة
السياسية لتصحيح المسار باعتباره بديلا شاملا للديمقراطية التمثيلية؛ لا شريكا
لأجسامها الوسيطة مهما كان الحقل الذي تنتمي إليه. فـ"تصحيح المسار" هو
مشروع الرئيس وحده، وإجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 هي قرار الرئيس وحده، والرئيس لا
يدين إلا للشعب بشرعيته. ولذلك فإن من يتحدث بمنطق "الشراكة" أو يطمع في
أن يجعل الرئيس في المستوى الرمزي يعيش وضعية "المدين" (أي وضعية
"دَين المعنى" التي تربط نجاح تصحيح المسار أو بقائه بإرادة تتجاوز
الرئيس والشعب) هو واهم، وهو يطعن في شرعية الرئيس وفي "التفويض الشعبي"
الذي أسنده إليه الشعب بصورة مطلقة ونهائية. ولا شك في أن أكبر الواهمين في
المجتمع المدني هو
اتحاد الشغل.
الاتحاد الذي كان جزءا من المنظومة الحاكمة زمن المخلوع بن علي -بل كان ذراعا نقابية للحزب الحاكم من خلال "الشعب المهنية"- لم يغادر وظيفته الأصلية خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، وأصرّ على أن يكون قاطرة نقابية لاستراتيجيات الانقلاب على الانتقال الديمقراطي وحليفا استراتيجيا لورثة المنظومة القديمة
قبل
25 تموز/ يوليو 2021 بأشهر كان اتحاد الشغل قد طرح مبادرة للحوار الوطني تحت إشراف
رئيس الجمهورية، ورغم أنها مبادرة لم تر النور، فإن ما يهمنا فيها هو أنها قد أكدت
مركزية دور رئاسة الجمهورية، وهي مركزية تتجاوز مستوى الوساطة الموثوقة إلى مستوى
تحولت فيه مؤسسة الرئاسة إلى مركز القرار داخل النظام البرلماني المعدّل. وقد كان
الاتحاد -مثل الكثير من الأحزاب البرلمانية والمنظمات المدنية- من أهم الفاعلين
الجماعيين الذين حرصوا على تأزيم المشهد العام وعلى إضعاف النظام البرلماني
المعدّل لأسباب كثيرة؛ تجد جذرها في سيطرة "الخوانجية" (أي النهضة) على
هذا النظام بعد تفتت نداء تونس. كان هؤلاء يتحركون باستراتيجية تحاول
"احتواء" الرئيس لتنفيذ مخططهم في إسقاط النهضة وحلفائها ثم هندسة
المشهد العام بصورة تشاركية. ولكنّ هذه الاستراتيجية الاحتوائية وجدت نفسها تتحول
تدريجيا إلى جزء من استراتيجية رئاسية أكثر فاعلية ومقبولية من الشعب، ومن مكوّنات
"منظومة الاستعمار الداخلي" وأهم الفاعلين الإقليميين والدوليين.
لم
يكن الرئيس -في المراحل الأولى التي أعقبت الإجراءات- يستطيع الدخول في مواجهة
مفتوحة مع هؤلاء الحلفاء الموضوعيين، ولكنه أيضا لم يكن يريد التماهي معهم أو حتى
اعتبارهم حلفاء له. وهو ما جعل العلاقة بين الرئيس واتحاد الشغل وباقي مكوّنات
"الموالاة" الحزبية والمدنية تمر بمراحل مختلفة وجدت مستقرّها -بعد
إرساء الدستور الجديد وإعادة انتخاب الرئيس لعهدة ثانية- في
الأزمة الحالية بين
النظام من جهة أولى، وبين المركزية النقابية وحلفائها من جهة أخرى.
لم
تكن دعوات الاتحاد لحوار وطني بعد 2021 إلا محاولات عبثية للسباحة ضد تيار
"تصحيح المسار"، وهو تيار كان النقابيون -ومن معهم في "الموالاة
النقدية"- يريدونه انتقائيا ومؤدلجا -أي موجّها أساسا ضد حركة النهضة
وحلفائها، خاصة ائتلاف الكرامة- ولكن تبين لهم أنه عام ولا يستثني إلا من ركب في
فلك "تصحيح المسار" دون أي "عصبية" حزبية أو نقابية أو مدنية.
فالرئيس لا يقبل أن يتعامل مع أجسام وسيطة، ولكنه لا يرد من جاء إلى تصحيح المسار
بشخصه أو بأيديولوجيته ما دامت في خدمة "التأسيس الثوري الجديد" لا في
خدمة أي جهة أخرى.
ورغم
حرص القيادات النقابية على تأكيد انتمائها لـ"تصحيح المسار" وعلى رفضها
العودة إلى مربع 24 تموز/ يوليو 2021، فإن المسافة النقدية التي اتخذتها من النظام،
بالإضافة إلى تأكيدها على دور الاتحاد الوطني، أي الدور السياسي المتجاوز للبعد
المطلبي، كل ذلك قد جعل من المواجهة بينها وبين النظام مسألة حتمية. وبما أن
الاتحاد يكتسب شرعيته من كونه شريكا اجتماعيا للسلطة وطرفا فاعلا في تحقيق المكاسب
المادية لمنظوريه، فإن السلطة قد ضربت المركزية النقابية في هذا المستوى وأقصتها
عن عملية التفاوض التي تسبق عادة وضع ميزانية الدولة. وإذا كان الاتحاد يدعو إلى
"حوار وطني" من منطلق قوته "المتخيلة" -أي تلك القوة المشتقة
من علاقته بالمنظومة القديمة والتي ظن الاتحاد أنها قوة ذاتية- فإن السلطة قد
رفضته شريكا في الحوار الاجتماعي، أي قد أنكرت عليه دوره الأصلي ذاته. وهي لم تفعل
ذلك إلا بعد قراءة لموازين القوى التي كان الاتحاد من أبرز مَن مهّد لها وشرعنها
متوهما أنه لن يكون ضحيتها يوما ما.
ما لم تفهمه القيادات النقابية أن قوتها بعد الثورة لم تكن يوما ذاتية، بل قوة مشتقة من "منظومة الاستعمار الداخلي"، كما لم يفهم النقابيون أنهم لم يكونوا يوما -ولن يكونوا أبدا- جزءا من النواة الصلبة لتلك المنظومة
إذا
كان نجاح "تصحيح المسار" هو الدليل الأعظم على فشل الانتقال الديمقراطي
في المستوى السياسي، فإن سياسات الاتحاد زمن "العشرية" وفي السياق
الحالي هي أكبر دليل على فشل الانتقال الديمقراطي في المستوى "المدني"
عامة، وفي المستوى النقابي على وجه خاص. فالاتحاد الذي كان جزءا من المنظومة
الحاكمة زمن المخلوع بن علي -بل كان ذراعا نقابية للحزب الحاكم من خلال
"الشعب المهنية"- لم يغادر وظيفته الأصلية خلال مرحلة الانتقال
الديمقراطي، وأصرّ على أن يكون قاطرة نقابية لاستراتيجيات الانقلاب على الانتقال
الديمقراطي وحليفا استراتيجيا لورثة المنظومة القديمة. ولكنّ ما لم تفهمه القيادات
النقابية أن قوتها بعد الثورة لم تكن يوما ذاتية، بل قوة مشتقة من "منظومة
الاستعمار الداخلي"، كما لم يفهم النقابيون أنهم لم يكونوا يوما -ولن يكونوا
أبدا- جزءا من النواة الصلبة لتلك المنظومة.
فالأحزاب
المسيطرة على الهياكل النقابية هي في أغلبها أحزاب "وظيفية" (خاصة الوطد
وحركة الشعب)، وهي في خدمة تلك النواة مهما كانت واجهتها السياسية، أما الإعلام
الذي طالما استقووا به فإنه ليس ملكا للاتحاد ولا لأي سردية تهدد النواة الصلبة
للحكم، وكذلك شأن سائر من يسميهم الاتحاد بـ"الأصدقاء الأجانب" ومن أجل
جسم نقابي يعلمون جيدا أنه لا قوة ذاتية له. وهو ما يعني أن المركزية النقابية لا
تمتلك من القوة ما يمكن أن تواجه به منظومة الحكم الحالية بنواتها الصلبة
وملحقاتها الوظيفية وحلفائها الإقليميين والدوليين، ولا تملك من
"المصداقية" ما يمكّنها من التعويل على دعم شعبي واسع يتجاوز أصحاب
القضايا الصغرى والمصالح المرتبطة بالامتيازات النقابية أو بالصراعات السياسية بين
الأطياف الأيديولوجية المشكّلة للاتحاد.
إن
أزمة الاتحاد في بعض وجوهها هي أزمة الانتقال الديمقراطي برمته. وإذا كان الأمين
العام المستقيل نور الدين الطبوبي قد تحدث بعد سنة من "تصحيح المسار" عن
ضرورة تغيير النظام السياسي المسقط على الشعب التونسي -لمجرد أن المستفيد الأساسي
من النظام البرلماني المعدّل هو "حركة النهضة"- فإن النظام الحالي لم
يفعل شيئا غير السعي إلى تغيير واقع نقابي مسقط على الثورة التونسية ومعطّل
لمخرجاتها خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي. فأن يتبرّأ الاتحاد من "العشرية
السوداء" هو أمر لا يجعل التونسيين ينسون أنه كان من أكبر الفاعلين فيها
والمحددين لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية. كما أن انكفاء الاتحاد إلى مستوى
المطالبة بـ"الحوار الاجتماعي" لن يُنسيَ التونسيين تغوّله على الدولة
ذاتها والاستقواء على ممثلي الشعب وعلى كل الهياكل الرقابية منذ المرحلة التأسيسية.
ولا
شك عندنا في السلطة الحالية لن تقبل بأن يتحول الاتحاد إلى شريك، فضلا عن أن تقبل
بأن يتحول إلى شرعية شعبية منافسة لها من خارج "تصحيح المسار". وفي ظل
موازين القوى الحالية بين السلطة والاتحاد، فإننا نرجّح أن الصراع المفتوح بينهما
لن ينتهيَ إلا بإعادة الاتحاد إلى مربّعه الأصلي منذ تأسيس ما يُسمى بالدولة-الأمة:
تحوّل العمل النقابي إلى "وظيفة" في خدمة "تصحيح المسار"،
وذلك بتفسير سياساتها وشرعنتها، ورفع التحديات معها مقابل بعض الامتيازات المادية
والرمزية التي ستثبّت النقابيين في دور التابع-الوظيفي، ولكنها لن ترجعهم إلى دور
"الشريك الاجتماعي" كما كان الشأن زمن سيدهم "المجاهد الأكبر"
ومن بعده سيّدهم "صانع التغيير".
x.com/adel_arabi21