مهما
كان تموضعنا في السجال العمومي الذي أثاره الدكتور أبو يعرب المرزوقي فيما يتصل
بعلاقة حركة النهضة باللوبي الصهيوني -أو بالإمبريالية الغربية بصورة عامة- فإن
واجب "التفكير معه" لكسر سقف التلقي لهذا الموقف وتوظيفاته السياسوية
المباشرة؛ يدفعنا إلى الدفع بالحوار إلى مناطق من الّلا مفكر فيه سواء عند النخب
أو عند قواعد حركة النهضة وخصومها في السلطة وبعض مكوّنات المعارضة.
ولا
يعنينا في هذا المقال الانحياز إلى أي موقف من المواقف المُؤمثلة أو المُشيطنة
لحركة النهضة وللحركات الإسلامية -خاصة الحركات الإخوانية- وإنما نطرح على أنفسنا
إعادة صياغة القضية "اليعربية" (نسبة إلى الدكتور أبي يعرب المرزوقي) من
خلال توسيع مفهوم "التابع" عند المفكّرة الهندية غاياتري سبيفاك ليدلّ
على الفاعلين السياسيين داخل منظومة الاستعمار الداخلي، بعد أن كان يعني في دلالته
الأصلية تلك "الفئات الاجتماعية المهمشة والمحرومة من السلطة والتي لا
تمتلك صوتا في التاريخ الرسمي أو السياسي مثل الفقراء، النساء في الدول النامية
والعمّال غير المنظمين".
"عولمة" ثقافة الشيخ والمريد وتعامل كل الفاعلين الجماعيين بصورة مزودجة مع الواقع الداخلي ومع الخارج بتلك الثقافة، وإن كان ذلك في مستوى البنية العميقة للوعي
يعلم
كل مطّلع على كتابات الدكتور أبي يعرب أنه لم يتحدث عن حركة النهضة -في علاقتها
بالإمبريالية في مرحلتها المتصهينة- باعتبارها "التابع الأوحد"
للصهيونية، بل هو يتحدث عنها باعتبارها آخر الآخذين بهذا الخيار
"التطبيعي" بعد أن سبقتها إلى ذلك كل النخب التي تتعرف ذاتيا باعتبارها
قوى حداثية أو "ديمقراطية" من جهة أولى، وباعتبارها -من جهة ثانية- حصنا
متقدما ضد "الرجعية الدينية" والظلامية والرجعية، وبالتالي حليفا
موضوعيا وتابعا فكريا للأطروحات الغربية في مرحلة ما بعد الاستعمار المباشر. ولمّا
كان المطلب الأساسي في مشروع "الاستئناف الحضاري" للدكتور أبي يعرب هو
المفاصلة
الفكرية عن الأطروحات الباطنية والحداثوية للخروج من مرحلة
"الصدى" أو "الظاهرة الصوتية" واستعادة صوت الأمة
"الأصلي"، فإن محور صراعه هو أساسا مع "صوت التابع"، "الصوت
غير الأصيل" أو غير المطابق لروح الإسلام ولمهمة الاستئناف الحضاري، مهما
كانت مرجعيته الأيديولوجية وادعاءاته الذاتية ومهما كان موقعه في السلطة أو
المعارضة.
بما
أننا لا نطرح على أنفسنا في هذا المقال قراءة تحليلية/نقدية للمشروع اليعربي
وعوائق تحويله من مشروع فكري نخبوي إلى مشروع سياسي، فإننا سنكتفي بطرح السؤال
التالي: هل إن "التابعية" التي تشرط صوت الفاعل السياسي
"الحداثوي" أو "الإسلاموي" من جهة التمثل والبدائل هي تابعية
مربوطة فقط بخدمة المشروع الصهيوني، أم إنها تابعية ترتبط بعوامل أخرى ليس أقلها
أهمية ثقافة "الشيخ والمريد" أو العجز عن إخراج "الأحزاب
السياسية" -وغيرها من المؤسسات- من ثقافة "الزاوية" وهرمية
علاقاتها كما بيّن ذلك بكل اقتدار الباحثان المغربيان عبد الله حمّودي (كتاب الشيخ
والمريد: النسق الثقافي للسلطة) ونور الدين الزاهي (كتاب: الزاوية والحزب:
الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي)؟ وإذا ما أردنا صياغة السؤال بصورة
مختلفة فإننا سنصوغه كالآتي: هل إن "مشروع الاستئناف الحضاري" نفسه -كما
يصوغه الدكتور بصورة منفردة- يتحرك خارج ثقافة الشيخ/المريد ولا يصادر على
"صوت المتلقي" ويُغذّي ثقافة "التابع"، رغم أنه لا يدّخر جهدا
في مهاجمة "الباطنية" و"الحداثوية" باعتبارهما مظهري الاغتراب
عن الأصل النبوي والانفصال عن مشروع الاستئناف الإسلامي، أي باعتبارهما التجليين
الأخطر للتابعية الفكرية التي تعيق ذلك المشروع وتؤجل استكمال شروطه الموضوعية؟
ليست
تابعية الفاعل السياسي في
تونس -أي عدم امتلاكه لصوت ذاتي مستقل وعدم قدرته على
"تمثيل" أصوات المواطنين والمواطنات- مردودة عندنا إلى تبعيته القصدية
أو غير القصدية للفكر الغربي وتصدره للدفاع عن مصالحه/إملاءاته المادية والرمزية
التي ترعاها منظومة الاستعمار الداخلي؛ بقدر ما هي مرتبطة بـ"عولمة"
ثقافة الشيخ والمريد وتعامل كل الفاعلين الجماعيين بصورة مزودجة مع الواقع الداخلي
ومع الخارج بتلك الثقافة، وإن كان ذلك في مستوى البنية العميقة للوعي.
فالفاعل
السياسي هو في أعماق فكره "شيخ" في مستوى علاقته بمن هم دونه من
"أهل أيديولوجيته" أو بعامة الشعب، وهو "مريد" في مستوى
علاقته سواء بالتراث أو بالغرب. وهي ملاحظة لا ينجو منها حتى صاحب "مشروع
الاستئناف الحضاري" بموقعه المزدوج في مشروعه: هو "شيخ" لمن يقرأ
له أو يصغي إليه ليكون "مريدا" لا نظيرا ولا محاورا، ولكنه
"مريد" في زاوية ذات شيوخ ثلاثة؛ أهمهم ابن تيمية ومن بعده الغزالي وابن
خلدون. ولا شك عندنا في أن الدكتور لا يرى نفسه شيخا لأحد ولا مريدا إلا للحقيقة كما
يتمثلها، ولكنّ بين التمثل الذاتي للخطاب وبين بنيته العميقة هوّة لا يستطيع أن
يراها إلا المتلقي ولا يمكن أن تظهر إلا في لعبة التأويل.
رغم أنه لم يدع أحد من الأصوليين والفقهاء والمتصوفة والمتكلمين السّنة أن روح النبي قد حلت فيه، فإن "التصدر للعامة" ومحاولة حملهم على خيار معين لم يكن يكتسب شرعيته إلا من خلال ادعاء التماهي مع مقصد "الشارع"
رغم
وجاهة ثنائية الشيخ والمريد في فهم عطالة الوعي السياسي عند الفاعلين في دولة
الاستعمار غير المباشر وفي إعادة إنتاج التراتبيات التراثية بأشكال حديثة في
الظاهر، فإنّنا نعتقد أن "التابعية" بمختلف وجوهها وأشكالها تجد جذرها
الأعمق في بنية معرفية/ دينية أعمق تتعلق بالخيار الثقافي المعتمد في استمرار
"النبوة" بعد وفاة صاحب الرسالة الخاتمة عليه الصلاة والسلام. وهي قضية
حللها المفكر بوبي س. سيد، في كتابه "الخوف الأصولي: المركزية الأوروبية
وبروز الإسلام". فإذا كانت الثقافات البوذية مثلا قد اختارت استمرار بوذا
عبر "تناسخ الأرواح" بحيث تحل روح بوذا كل مرة في وريث مفرد، فإن
الثقافة الإسلامية السنية قد اختارت أن يستمر النبي عبر "النص"، بينما
اختارت الثقافة الشيعية أن يستمر وجود النبي في "الأئمة" من آل البيت.
ورغم أنه لم يدع أحد من الأصوليين والفقهاء والمتصوفة والمتكلمين السّنة أن روح
النبي قد حلت فيه، فإن "التصدر للعامة" ومحاولة حملهم على خيار معين لم
يكن يكتسب شرعيته إلا من خلال ادعاء التماهي مع مقصد "الشارع"، فكل
مقالة لا تكتسب حجيتها إلا من كونها مطابقة لمقالة "البنوة" أو من كونها
مقالة النبي لو كان حيا. وليست ثنائية الشيخ والمريد في التراث الصوفي إلا دفعا
بهذا المنطق إلى نهاياته المنطقية.
إذا
كان السلطان -ولو كان قهريا- هو خليفة النبي، والعالم -وإن كان عالم بلاط- هو وريث
له في هذه الثقافة، فإن العوام هم بين "إمّعة" لا قرار له على
"قيمة خلقية" أو "رويبضة" لا حق له في الاشتغال بأمر العامة
بحكم خلوّه من شروط النظرين الشرعي والعقلي، وهم في كل الحالات غير معنيين
بالتفكير الحر ولا صوت لهم إلا ذاك الذي يدعي تمثيلهم في الأنساق الثقافية الفرعية
داخل التراث الإسلامي.
ولا
شك عندنا في أن المدخل الحقيقي لكسر "التابعية" هو الخروج من ربقة هذه
التمثلات التراثية التي ما زالت تحكم عقول النخبة سواء تلك التي تدعي الحداثة، وتجعل
التحديث عملية معادية بالجوهر والقصد لأي حضور ديني في هندسة الفضاء العام وبناء
المشترك "المواطني"، أو تلك التي تظن أنها استئناف لروح النبوة الخاتمة؛
وهي في جوهرها مجرد استئناف لروح الطائفة السنية في بعض مقالاتها الأكثر اغترابا
عن روح "الرحمة للعالمين".
x.com/adel_arabi21