ما هو موقع تونس في التحولات الإقليمية الأخيرة؟

عادل بن عبد الله
"السردية السلطوية تتحرك واقعيا بالتعامد الوظيفي مع النواة الصلبة للمنظومة القديمة ورعاتها الإقليميين"- الأناضول
"السردية السلطوية تتحرك واقعيا بالتعامد الوظيفي مع النواة الصلبة للمنظومة القديمة ورعاتها الإقليميين"- الأناضول
شارك الخبر
بعد الثورة التونسية وما تلاها من موجات ارتدادية في الفضاء الجغرا-سياسي العربي فيما يُسمى بـ"الربيع العربي"، احتلت بلاد حنّبعل وعقبة مركز الاهتمام العالمي، سواء باعتبارها تجربة ملهمة للحركات الاحتجاجية أو باعتبارها خطرا وجوديا على أنظمة سايكس بيكو. ولكنّ سياقات مأسسة "الثورة" عملت تراكميا على إفراغها من قوتها الرمزية ومن ممكناتها السياسية باعتبارها لحظة قطع مع البورقيبية، ومع نموذج الدولة-الأمة باعتباره نسخة مشوّهة من الجمهورية الفرنسية وفلسفتها السياسية اللائكية، ونسخة معرّبة/معدّلة من الكمالية الأتاتوركية.

ولذلك لم يجد الراحل الباجي قائد السبسي حرجا في التبرؤ من شهداء الثورة وفي ربط "مهمته المؤقتة" بالواجب من مرجعيته البورقيبية، كما لم يجد أي معارضة عندما رفض السلطة الرقابية للهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة"، وكذلك في إنكار قابلية الثورة التونسية للتصدير. وهو ما أنتج واقعا سياسيا تحكمه هوة بين السلطة التأسيسية والسلطة السياسية، وكان ذلك كافيا ليتحول الراحل قائد السبسي من فاعل سياسي مؤقت إلى فاعل أصلي أعاد هندسة المشهد العام عبر حركة نداء تونس وتحالفاتها الممتدة داخل ما يسمى بـ"العائلة الديمقراطية"، وهي عائلة تحصر "ديمقراطيتها" بمعاداة "الإسلام السياسي"، لا منظومة الاستبداد والفساد والتبعية، كما تشرعن حداثتها بالتصادم مع المقدس الجمعي والتطبيع مع المنظومة القديمة ومشروعها المعادي "للرجعية" و"الظلامية".

التحولات الإقليمية تفرض على تونس تموضعا واضحا لحماية مصالحها الوطنية، ولكنّ "كعب أخيل" في السياسات الخارجية للبلاد هو في "التناقضات الجذرية" بين الخطاب والممارسة

بعد فشل تجربة التوافق في تحقيق الانتقالين السياسي والاقتصادي، جاء "تصحيح المسار"، وبدعم نشط من ورثة المنظومة القديمة وحلفائهم في الداخل، وبدعم خارجي من محور التطبيع والثورات المضادة، ولكن بفشل كبير من أهم الفاعلين في "عشرية الانتقال الديمقراطي"، بشعارات "مقاومة الفساد" و"حرب التحرير" و"اللا عودة إلى الوراء"، ولكنه أرسى دستورا رئاسويا تحوّلت فيه جميع السلطات إلى "وظائف" في خدمة الوظيفة التنفيذية، وجعل الرئيس فوق المحاسبة والمساءلة، وصحّر الحياة السياسية وضرب الأجسام الوسيطة، مما أعاد البلاد تدريجيا إلى وضعية لا يمكن مقارنة "التأسيس الثوري الجديد" فيها إلا بالمشروع البورقيبي، باعتباره نظاما سياسيا رعويا يكرّس وضعيتي المواطنة المشروطة وما دون المواطنة، ويجعل "الزعيم" فوق السياسة والمجتمع بـ"تفويض" نهائي ومطلق وغير قابل للاسترداد، بحكم مصادرته على فساد جميع الخصوم ولا وطنيتهم وعدم تمثيلهم للإرادة الشعبية "الحقيقية". إننا أمام نقائص "جوهرية" للمعارضين للنظام، وهو ما يجعل من التداول على السلطة في ظل "تصحيح المسار" -أو ائتمان المعارضين للنظام على مستقبل البلد- أمرا مستبعدا، بل منافيا "للأمانة" التي حمّلها الشعب للرئيس في انتخابات 2019 وبعد إجراءات "تصحيح المسار".

في هذه السردية السلطوية التي تتحرك واقعيا بالتعامد الوظيفي مع النواة الصلبة للمنظومة القديمة ورعاتها الإقليميين، ولكنها تؤسس شرعيتها خطابيا على إرادة شعبية مطلقة ونهائية -مدعومة بإرادة إلهية "متخيلة"- أصبحت "حرب التحرير" و"الاعتماد على الذات" و"التأسيس الثوري الجديد" مجرد مجازات ليس تحتها إلا إعادة تدوير السياسات/ الرساميل البشرية المنتمية إلى المنظومة القديمة، مع سعي مُمنهج لتصحير الحياة السياسية وضرب الأجسام الوسيطة باعتبارها تهديدا وجوديا لاستراتيجية احتكار الشرعية -في غياب أي سلطة رقابية برلمانية أو دستورية- وفشل المشروعية أو خيبة الانتظارات الشعبية المشروعة التي كانت أساس الدعم النشط لتصحيح المسار في مراحله الأولى، سواء من النخب أو من عامة المواطنين (غياب الإنجاز). لقد نجح النظام -إلى لحظة كتابة هذا المقال- في استراتيجيته دون أي مقاومة تدفعه إلى التراجع عن منطق البديل المطلق وتعديله إلى شراكة ممكنة على الأقل مع "الموالاة النقدية"، ولكنّ هذا النجاح هو تقوية للسلطة في مواجهة الداخل، وليس تقوية لها في التعاطي مع الخارج والتعامل معه بمنطق الندية أو على الأقل من موضع قوة أساسها صلابة الجبهة الداخلية.

إن التحولات الإقليمية تفرض على تونس تموضعا واضحا لحماية مصالحها الوطنية، ولكنّ "كعب أخيل" في السياسات الخارجية للبلاد هو في "التناقضات الجذرية" بين الخطاب والممارسة. فالنظام التونسي هو من أكثر الأنظمة العربية دعما للمقاومة ونقدا للصهيونية والإمبريالية، ولكنه في الوقت نفسه حليف قوي لمحور التطبيع والثورات المضادة. وأمام تصاعد الأزمة بين رأسي هذا المحور (السعودية والإمارات) وتقارب السعودية مع المحور التركي القطري -مع استمرار الإمارات في لعب دور الوكيل أو الحصن المتقدم للكيان الصهيوني- فإن على النظام أن يختار موضعه بصورة لا تقبل اللبس.

ولكن هذا الاختيار ليس أمرا هينا وله تكلفة سياسية واقتصادية مؤكدة، فانحياز تونس للمحور السعودي-التركي-القطري لن يجد رفضا من "الجارة الكبرى" ذات العلاقة المأزومة مع الإمارات، ولكنه خيار قد يجد مقاومة من "الدولة العميقة" وأذرعها الأيديولوجية التي ما زالت تنظر إلى تركيا وقطر باعتبارهما حليفين استراتيجيين للإسلام السياسي، وعدوين وجوديين للدولة-الأمة وأساطيرها التأسيسية بالمفهوم البورقيبي. أما الانحياز للإمارات فإنه لن يجد ترحيبا من الجزائر وحكومة طرابلس، وسيطعن بصورة أكبر في جدية التأييد الرسمي للمقاومة الفلسطينية، بل لمحور "المقاومة والممانعة" الذي يدافع عنه الكثير من أنصار الرئيس في "الموالاة النقدية" وداخل أروقة البرلمان بغرفتيه.

في غياب "المصالحة الوطنية" لتقوية الجبهة الداخلية، فإن النظام التونسي قد يواصل وضعية التحالفات "الهلامية" الحالية دون أي حسم

رغم تعالي الكثير من الأصوات في تونس ومصر بضرورة البدء في "مصالحة سياسية" بين النظامين وبين معارضيهما لتقوية الجبهتين الداخليتين، بما هو شرط ضروري للتفاوض مع المحاور الإقليمية التي تتشكل في الخليج العربي، فإننا لا نرجّح ذهاب النظامين إلى خيار المصالحة. فشرعية النظام التونسي تتأسس على سردية البديل لا على سردية الشريك، كما أن أغلب مكوناته وطوابيره الخامسة لن تقبل بإعادة هندسة المشهد السياسي بصورة قد تسمح لحركة النهضة باحتلال صدارة المشهد العام مرة أخرى. أما النظام المصري فإن التزاماته تجاه "أمن الكيان الصهيوني" تمنعه من الانفتاح على "الإخوان"، خاصّةً بعد أن صنفتهم الولايات المتحدة حركة إرهابية، وبالتالي شرعنت تأبيد وضعيتهم ملفا أمنيا-قضائيا.

وفي غياب "المصالحة الوطنية" لتقوية الجبهة الداخلية، فإن النظام التونسي قد يواصل وضعية التحالفات "الهلامية" الحالية دون أي حسم، ولكننا نرجح أن ينحاز إلى المحور السعودي، خاصة بعد انفتاحه الجزئي على قطر في بعض المشاريع الاقتصادية، وكذلك بحكم الأزمة المفتوحة بين الجزائر -الحليف الأهم للنظام التونسي- وبين الإمارات التي لم تقدّم للنظام التونسي معشار الدعم الذي قدمته لمصر ولغيرها من الأنظمة؛ التي ورثت "الربيع العربي" وأغلقت -ولو مؤقتا- قوس الديمقراطية التمثيلية بمختلف مكوّناتها وأعادت منظومات الاستعمار الداخلي إلى مركز السلطة بواجهات سياسية/شرعيات جديدة.

x.com/adel_arabi21
التعليقات (0)