مهما
كان موقف المسلمين من أنظار الأصوليين وفقهاء الفروع ومن مدى مطابقتها لمقاصد
الشارع، فإنهم قد تلقّوها -في المجتمعات التقليدية ما قبل الاستعمارية- بالقبول في
طوائفهم المختلفة، ولم ينظروا إليها باعتبارها شيئا خارجا عن "الشريعة"
أو شكلا من أشكال الهيمنة غير الإسلامية على وجودهم الفردي والجماعي. ولكنّ الحدث
الاستعماري وضع المسلمين أمام واقع جديد لم يعد فيه للفقه الإسلامي منزلة المرجعية
الحصرية، وهو واقع لم تفعل الدولة-الأمة بعد "الاستقلال الصوري" عن
القوى الاستعمارية غير تكريسه، خاصة الدول التي تبنت النموذج "الكمالي"،
أي خيارات كمال أتاتورك التغريبية في إطار ما سمي بـ"التحديث"
و"اللحاق بالدول المتقدمة".
بصرف
النظر عن موقفنا من السردية السياسية البورقيبية ومن محصولها الواقعي المختلف عمّا
تروجه الآلة الدعائية لورثتها ولهوامشها في اليسار الوظيفي قبل "الثورة"
وبعدها، فإنها كانت تجربة "كمالية" معدّلة، أساسها استلهام مبادئ
الجمهورية الفرنسية وفلسفتها السياسية اللائكية فيما يتعلق بالموقف من
الدين ومن
دوره في بناء المشترك الوطني، وكذلك ما يتعلق بهيمنة الدولة على "الشؤون
الدينية" ورفضها لأي منطق تشاركي في إنتاجها للمعنى الديني الصحيح والسلوك
الدين القويم. وهي خيارات سلطوية كبرى تجد جذرها في "الثورة الفرنسية"
التي أسست لنموذج سياسي يشتغل على أساس العداء الجذري للدين ولمؤسساته التقليدية
من جهة أولى، ويعتبر "التحديث" عملية متناقضة جوهريا مع الهوية الدينية
الجماعية.
احتكار الدولة للشأن الديني لم يُتمثل -سواء من منتج الخطاب أو من متلقيه- باعتباره خلطا بين السياسة والدين، بل باعتباره تجسيدا لخيار الفصل بينهما، وشرطا لتحديث المجتمع "المتخلف"
لعل
من أهم تجليات الهيمنة التي مارستها السردية السلطوية منذ الاستقلال الصوري عن
فرنسا هو أنها قد جعلت احتكارها "الشؤون الدينية"، وضربها للمؤسسات
الدينية التقليدية كالزيتونة ومؤسسة الوقف، وهيمنتها على المنابر المسجديّة، ودعوة
الرئيس إلى إفطار الشعب في رمضان لتحقيق "التقدم"؛ تعبيرا عن خيار الفصل
بين الدين والسياسة. فاحتكار الدولة للشأن الديني لم يُتمثل -سواء من منتج الخطاب
أو من متلقيه- باعتباره خلطا بين السياسة والدين، بل باعتباره تجسيدا لخيار الفصل
بينهما، وشرطا لتحديث المجتمع "المتخلف" الذي قال عنه
"الزعيم" يوما بأنه لم يكن قبله إلا "ذرات من تراب" حوّلها المشروع
البورقيبي إلى "أمّة" قائمة برأسها: الأمّة
التونسية.
لقد
عملت الآلة الدعائية للنظام البورقيبي على اختزال "التخلف" في أسباب
ثقافوية هوياتية أساسها الدين ومؤسساته التقليدية، واختزلت "التقدم" في
خيارات ثقافوية هوياتيه أساسها معاداة الدين أو على الأقل تحييده عن إدارة الفضاء
العام أو حتى المشاركة "قيميا" في بناء المشترك الوطني داخل
الدولة-الأمة. ولا شك عندنا في أن أعظم نجاحات البورقيبية -ومن بعدها نظام المخلوع
باعتباره امتدادا فكريا له- هو هندسة الوعي الجمعي للنخب وعموم المواطنين، بطريقة
تجعل "مجلة الأحوال الشخصية" آية التحديث وسنام التقدم وحجر الزاوية في
"النمط المجتمعي التونسي". فأمام هذه "المجلة" تصبح المحاججة
بالأرقام والإحصائيات والمقارنة بنماذج التحديث الناجحة اقتصاديا أو المطالبة
بتعديل المجلات الاقتصادية مجرد لغو، بل تصبح أي دعوة لإعادة التفاوض السلمي على
تقاسم السلطة وتوزيع الثروة أو الحديث عن البنية الريعية-الجهوية-الزبونية للنظام
في لحظتيه الدستورية والتجمعية؛ تهديدات وجودية "للنمط المجتمعي" ولحقوق
المرأة والأقليات وللحريات الخاصة.
وقد
عمل النظام على تضخيم "الحريات الخاصة" بالمعنى الليبرالي لتغطيَ على
غياب الحريات/الحقوق العامة، بل لتحجبَ الفشل الواقعي لمشروع التحديث وتحوّل
القائمين عليها إلى مجرد وكلاء لإدارة المزارع الخلفية للاستعمار القديم داخل
"الكيانات الوظيفية".
إننا
أمام استراتيجية دفاعية تبنتها النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي قبل
الثورة وبعدها، ونجحت بها في حرف الصراع الاجتماعي والاقتصادي عن مداراته الحقيقية
إلى مدارات ثقافوية محصولها إبعاد مصالحها المادية والرمزية عن أي سجال عمومي جدي،
ومنع أي مساءلة حقيقية للسلطة أو التشكيك في "شرعيتها"
و"مشروعيتها". وهي استراتيجية فرضيتها السردية الأساسية هي المصادرة على
وجود فصل للدين عن الدولة أو السياسة منذ تأسيس الدولة-الأمة، واعتبار ذلك الفصل
"الموهوم" شرط العيش المشترك والأرضية الفكرية الصلبة لمشروع
"التحديث". ولكنّ الواقع كان يشتغل بمنطق "الوصل" بين السياسة
والدين من منظور لائكي "مشوّه"، بعد تَونسته على مقاس النخب المهيمنة
على الدولة-الأمة ووفق احتياجات المركز الغربي. وإذا كانت اللائكية في مجالها
التداولي الأصلي قد تحولت -باعتبارها علمانية شاملة على حد تعبير المرحوم عبد
الوهاب المسيري- إلى ما يُشبه الديانة الوضعية التي تنافس الديانات التقليدية في
مستوى إنتاج المعاني النهائية للوجود وفرضها عبر مؤسسات الدولة في التعليم
والثقافة، فإن البورقيبية قد تحوّلت هي الأخرى إلى ضرب من "المقدس
اللائكي" أو المقدس الوطني المتعالي -على عكس الدين- عن أي نقد أو مراجعة
فيما يتصل بخياراتها الكبرى في عملية "التحديث" الفوقي للمجتمعي.
باعتبارها
أيديولوجيا منظومة الاستعمار الداخلي أو الاستعمار غير المباشر، نجحت البورقيبية
في أن تُخفيَ هويتها الوظيفية. وهو نجاح لا يمكن أن ينكسر أو يُهدّد إلا بسرديات
سياسية لا تجعل من الدولة-الأمة أو الدولة الوطنية سقفها المرجعي ولا تقبل
باللائكية فلسفة سياسية جامعة. ولذلك لم يكن اليسار -بشكليه الماركسي والقومي-
تهديدا وجوديا للبورقيبية بحكم اتفاق الجميع على لائكية الدولة، بل تحوّل اليسار
الوظيفي إلى قاعدة متقدمة للدفاع عن البورقيبية ضد أعداء الجميع: الحركات
الإسلامية. لقد جاء التهديد الوجودي للبورقيبية ولورثتها التجمعيين وهوامشهم في
اليسار الوظيفي من الحركات الإسلامية، خاصة حركة النهضة. ولذلك لا نستغرب أن
يتحالف أولئك جميعا قبل الثورة وبعدها ضد الإسلاميين، وأن تذوب كل خلافاتهم الأيديولوجية
ويُدفع بها إلى خلفية المشهد كلما تعلق الأمر بالإسلاميين.
رغم
أن "الإسلامي"، خاصة ذلك الذي تحوّل من منطق البديل إلى منطق الشريك
باحثا عن "الاعتراف" من لدن الدولة ونخبها، لا يمثل -على الأقل في المدى
المنظور- تهديدا للدولة-الأمة ولا لمصالح النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي
ونخبها الوظيفية، فإنه قد عومل دائما باعتباره الغيرية المطلقة أو "الخارج
المطلق" -على حد عبارة جاك دريدا- بل سُجن في وصم "الإرهابي"
و"المتطرف" و"العميل" و" اللاوطني"، وغير ذلك من
الصفات التي يمكن إرجاعها إلى "خطيئة أصلية" هي عدم قبوله بالفصل بين
الدين والسياسة كما تقرر عند النخب "اللائكية" منذ الاستقلال الصوري عن
فرنسا. فوجود "الإسلامي" ذاته هو دليل على فشل النموذج التحديثي الذي
تحتكر فيه الدولة "الشؤون الدينية" وتفرض "الوصل" بين الديني
والسياسة من منظور مصالح نخبها الحاكمة. إن "الإسلامي" ينازع هذا
الاحتكار ويُخرج للناس ممكنات دينية مختلفة عن الفهم السلطوي السائد، وهو بذلك
يطرح "وصلا" مختلفا بين الدين والسياسة من خارج اللائكية الفرنسية.
إذا
كان هذا "الوصل" يعترف بالدولة-الأمة ويشتغل تحت دستورها ويطرح المصالحة
مع البورقيبية بعد تعديلها جزئيا، فإنه -بالنسبة للاّئكي اليساري أو القومي أو
البورقيبي- يمثل تهديدا استراتيجيا لـ"مدنية الدولة" ولما تربّوا عليه
من فصل "متخيل" بين الدين والسياسة من منظور لائكي، وهو نموذج مفرد لا
يمكن اختزال النماذج العلمانية فيه أو ردّها إليه. فالمدنية عند هؤلاء لا تقابل
النظام العسكري أو الاستبدادي، بل تقابل المرجعية الدينية أو الدولة الدينية
المتخيلة، أما فصل الدين عن السياسة فهو لا يعني في التحليل الأخير إلا رفض أي
أطروحة سياسية تتدبر الدين أو تدمجه في مشاريعها بعيدا عن فهم النخب اللائكية
للدين، أي بعيدا عن الأيديولوجيا التي تحمي تراث سايكس-بيكو وتعيد إنتاج الشروط
الفكرية والموضوعية للتخلف والتبعية. وإذا كان المسلم الطيب الوحيد في الغرب - كما
قال المفكر فرانسوا بورغا- هو ذاك الذي لم يعد مسلما، فإن "الإسلامي
الجيد" هو ذاك الذي ينفي الحاجة إليه عندما يقبل "التَّونسة"
بطريقة تفقده هويته وتجعله فائضا سياسيا بلا معنى ولا قيمة. فإذا لم يفعل ذلك، فإن
المجاميع اللائكية ستتكفل بإرجاعه إلى مربع المقاربة الأمنية-القضائية، وستعمل على
إخراجه من الحقل السياسي القانوني بتوظيف أجهزة الدولة وامتداداتها الوظيفية التي
يسيطر عليها "الحداثيون" كالمجتمع المدني والنقابات والثقافة والإعلام..
الخ.
قدّمت "الثورة التونسية" فرصة تاريخية للحوار السلمي والعميق بين مختلف العائلات السياسية والسرديات الكبرى لإعادة التفاوض حول "المشترك الوطني" الذي لا تفرضه الأقليات الأيديولوجية بمنطق التحديث الفوقي، ولكنها كانت فرصة مهدورة
لقد
قدّمت "الثورة التونسية" فرصة تاريخية للحوار السلمي والعميق بين مختلف
العائلات السياسية والسرديات الكبرى لإعادة التفاوض حول "المشترك
الوطني" الذي لا تفرضه الأقليات الأيديولوجية بمنطق التحديث الفوقي، ولكنها
كانت فرصة مهدورة لأسباب متعددة كنا بسطنا القول فيها طيّ مقالات سابقة. ونحن لا
نجانب الصواب إذا قلنا إن ما يسمى بـ"النخب الحداثية" أو "العائلة
الديمقراطية" تتحمل مسؤولية كبيرة عن ذلك الإهدار. ولعلّ آية ذلك هو الصراع
حول "مدنية الدولة" واعتبار استلهام المرجعية الدينية -حتى في المستوى
القيمي- تهديدا لتلك المدنية، بل اعتبار "الإسلامي" الذي يقبل بعُلوية
الدستور وبدور الشريك لا البديل؛ خطرا على "النمط المجتمعي التونسي".
ولا شك في أن هذه المواقف مرتبطة بالخوف من هيمنة نخب بديلة على المجال العام، ولا
شك أيضا في أن مواقف النخب "اللائكية" من "الإسلاميين" تعكس
مخاوف مفهومة من إمكانية استغناء النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار عنهم أو تهميش
دورهم، وبالتالي حرمانهم من القيمة الاعتبارية والمكاسب المادية المرتبطة بذلك
الدور.
إن
المصالح المادية -على أهميتها في أي مقاربة موضوعية- لا يمكن أن تفسّر لوحدها
النزعة الصدامية ومنطق الحرب الوجودية في الجملة "الحداثية" مهما كان
موقع المتلفظ بها، فهناك خلف المصالح مصفوفات شعورية ومنظومات معرفية غربية تجعل
من الاعتراف بـ"الإسلامي" كما هو من أمحل المُحال. فـ"اللائكي"
لا ينظر إلى فلسفته السياسية باعتبارها منتجا تاريخيا قابلا للاستبدال، بل يعتبرها
الحقيقة المطلقة التي لا يضاددها إلا باطل. ولذلك هو لا يرى في البورقيبية أيديولوجيا
للاستعمار الداخلي ولا يأبه لمحصولها الواقعي ولا للبون الشاسع بين ذلك المحصول
وبين ادعاءات المؤسس أو وعوده، بل يراها أيديولوجيا وطنية. كما أن
"اللائكي" لا يرى "الوصل" الحاصل بين الدين والسياسة في
البورقيبية وأثره في الوضع الكارثي للسياسة والدين على حد سواء، بل يرى في
"الزعيم" محررا للوطن وللمواطنين والمواطنات. إنه يرى فيه تجسيدا لمعنى
الفصل بين الدين والسياسة، والحال أنه لم يكن إلا رئيسا "سيّس" الدين
لبناء شرعيته التحديثية، وانتهى أمره إلى أن تحوّل إلى "شيخ" يتبرّك
"مريدوه" بزيارة "روضته" بحثا عن الشرعية في رفات الموتى، كما
قال الرئيس قيس سعيد قبل أن يزور "الروضة" هو نفسه.
x.com/adel_arabi21