1 ـ صبغ الزمن الاستعماريّ حقبة دولة
الاستقلال الوطنيّة، التي جاءت بعده، بصبغته. وصارت الحداثة الأوروبيّة هي مرجع
النخبة المتنفّذة تحاكم على قاعدتها النخبةَ المصنّفةَ، لديها، تقليديّة. في هذا
الأفق يمكن أن نفهم العلاقة بين الإسلاميّين وخصومهم في المجال العربيّ، وفي
تونس
تحديدا.
في تونس لمّا أرادت الصحوة الإسلامية أن
تنتظم في حركة سياسيّة تشارك في الشأن العامّ، في بداية ثمانينيات القرن الماضي،
نادت بالحرّيات والتزمت الديمقراطيّة، ورغم خلفيّتها الفقهيّة التي مرجعُها إلى
منطق
السياسة الشرعيّة أعلنت احتكامها إلى الشعب في حسم مسألة الحكم.
بعد هروب بن علي في 14 يناير 20211 غرق التونسيّون في منسوب الحرية وغمرتهم، جميعا، الوطنيّة التونسيّة وانخرطوا في الأطروحة البورقيبيّة، أطروحة الأمّة التونسيّة. ولكن بدل أن تجمعهم الحرية ويؤلّف بينهم الوطن وتوحّدهم الدولة التي أقرّوا بالانتساب إليها، افترقوا وتنابذوا وتنابزوا بشتّى النعوت ونفى بعضهم بعضا.
يُحسب للحركة
الإسلاميّة في تونس تمايزُها عن المرجعيّة الإخوانية المشرقيّة تأكيدا على
انتسابها الوطنيّ رغم أنّ مختلِفَ التيارات السياسيّة كانت تعمل في أفق أشمل من
الأفق الوطنيّ. ومثلما كان للإسلاميين تعلّقٌ بالخلافة الإسلامية الجامعة كان
الشيوعيّون التونسيّون معلّقين في الأمميّة. أمّا القوميّون فكانوا، إذا تحدّثوا
عن تونس، قالوا القطر العربيّ التونسيّ، لأنّهم يؤمنون بالأمّة العربيّة الواحدة
ولا يرون معنى للدولة الوطنيّة. الدولة، في نظرهم، قوميّة أو لا تكون. أمّا الحدود
بين الدول فإن هي إلّا حدود وهميّة اصطنعها الاستعمار لكي يحول دون وحدة الأمّة.
2 ـ بعد هروب بن علي في 14 يناير 20211 غرق
التونسيّون في منسوب الحرية وغمرتهم، جميعا، الوطنيّة التونسيّة وانخرطوا في
الأطروحة البورقيبيّة، أطروحة الأمّة التونسيّة. ولكن بدل أن تجمعهم الحرية ويؤلّف بينهم الوطن
وتوحّدهم الدولة التي أقرّوا بالانتساب إليها، افترقوا وتنابذوا وتنابزوا بشتّى
النعوت ونفى بعضهم بعضا.
الحقيقة أن الإسلاميين، ممثّلين في حركة
النهضة، كانوا أكثر قابليّة للتطوّر وأشدّ رغبة في التواصل. لقد مدّوا أيديَهم
لتحصين الثورة من الردّة، ولكنّ خصومهم اختاروا أن يكونوا لهم أعداء. ودخلوا معهم،
من جهة واحدة، في حرب وجوديّة. ولا تزال حرب خصومهم عليهم قائمة إلى اليوم.
اجتهد الإسلاميّون لأجل التواصل مع خصومهم.
وقد بلغ بهم اجتهادُهم أن تخلّوا عن خطابهم الدينيّ حرصا منهم على أن يندمجوا في
الخطاب السائد عسى أن يَحظَوا بالمقبوليّة. ولكنّ خصومهم من اليسار الوظيفيّ ومن
التجمعيّين العائدين ومن القوميّين التابعين جعلوا رهانهم أن يُخرجوهم من المعادلة
السياسيّة. وكان مشروعهم بعد انتخابات 2019 ألّا يمكّنوهم من الوصول إلى 2024
بسلام. وليس 25 يوليو سوى ثمرتهم المتوّجة لجهودهم. تجد هذا في اعترافات بعض
الإعلاميّين وفي تصريحات بعض النقابيّين والسياسيّين الذين لم يتنفّسوا، منذ هروب
بن علي، الصعداء إلّا بعد أن أيقنوا أنّ دائرتهم قد دارت على حركة النهضة التي لم
تأت إلى المشهد إلّا على قاعدة انتخاب الشعب لها.
3 ـ حجّة خصوم النهضة في إقصائها أنّها
إسلام سياسيّ، والإسلام السياسيّ ليس تونسيّا لاعتماده على أدبيّات غير تونسية.
رغم أنّ النهضة نجحت في وضع أدبيّاتها الفكريّة والسياسيّة، بعد أن صار زعيمها
راشد الغنوشي من أبرز منظّري التيّار الإسلامي في العالم، رغم ذلك فإنّها لم تحظ
بقبولهم. ولم يغيّر استبدالُ "الإسلام الديمقراطيّ" بالإسلام السياسيّ
من موقفهم منها شيئا. بالعكس، كانوا كلّما اقتربت منهم ابتعدوا عنها حتّى أزاحوها
عن المشهد. ولا يزالون يلاحقونها.
مغالطة هؤلاء تأتي من كونهم يدّعون نَسَبًا
إلى الدولة التونسيّة ليسوا هم أولى به من حركة النهضة الإسلاميّة. فالماركسيّون
مرجعيّتهم الماركسيّة اللينينيّة. وليسوا، على اختلاف تفرّعاتهم، غير امتداد لدول
أجنبيّة حكمت بالمرجعيّة الماركسيّة، من الاتّحاد السوفياتي الستالينيّ إلى
ألبانيا أنور خوجة إلى الصين الماويّة. وقد كانت الاختلافات بين هؤلاء الماركسيّين
التونسيّين صدى لما بين تلك الدول وبين هؤلاء الزعماء من اختلاف. فهذا تحريفيّ،
بوصفهم، وهذا يسراويّ وذلك فوضويّ وذاك انتهازيّ. أمّا القوميّون فليسوا إلّا امتدادا
لأنظمة عربيّة عسكريّة، يتقاربون ويتباعدون حسب علاقات تلك الأنظمة بعضها ببعض كما
لو أنّهم ظلالٌ لها. فالناصريّ غير القذّافيّ والبعثيّ العراقيّ غير البعثيّ
السوريّ.
الحقيقة أن الإسلاميين، ممثّلين في حركة النهضة، كانوا أكثر قابليّة للتطوّر وأشدّ رغبة في التواصل. لقد مدّوا أيديَهم لتحصين الثورة من الردّة، ولكنّ خصومهم اختاروا أن يكونوا لهم أعداء. ودخلوا معهم، من جهة واحدة، في حرب وجوديّة. ولا تزال حرب خصومهم عليهم قائمة إلى اليوم.
4 ـ لو نظرت في الأدبيّات التي يرجع إليها
هؤلاء لما وجدت لها بتونس أيّ نسَب. ولكنّهم يجتمعون على إنكار مرجعيّة حركة
النهضة لأنّ فيها حسن البنّا وسيّد قطب. ولم يجدوا حرجا في اتّهامها، بسبب
مرجعيتها تلك، بأنّها تهدّد بتغيير النمط المجتمعيّ.
ليس يعيب الماركسيَّ أن يستند إلى متون نظريّة مترجمة عن لغات أخرى نشأت في
سياقات مغايرة ولا علاقة لها بالواقع التونسيّ من قريب ولا من بعيد. الفكر
الماركسيّ يدّعي لنفسه الأمميّة، ومن حقّ اتباعه أن يأخذوا به، بوصفه قانونا
كونيّا يجري على تونس كما يجري على ألمانيا.. إن هي إلّا مسافة الترجمة. الفكر
البشريّ مشاع وليس حكرا على أحد.
وليس يعيب قوميّا أن يجعل مرجعه عصمت سيف
الدولة أو قسطنطين زريق أو ميشيل عفلق أو ناجي علّوش.
فما العيب في أن يتبنّى الإسلاميّ التونسيّ
أفكار حسن البنّا أو حسن الترابيّ أو محمّد عمارة أو منير شفيق أو سيّد قطب؟
5 ـ الحجّة التي تُستعمل لنفي
"الوطنيّة التونسيّة" عن الإسلاميّين هي ذاتها الحجّة التي يمكن
اعتمادها لنفيها عن الماركسيّين وعن القوميّين.. بل حتّى عن الليبراليّين. كلّها
مرجعيات مستورَدة. الفرق الوحيد أنّ "المرجعيّة الإخوانيّة"، لو سلّمنا بأنّها
هي مرجعية ما يسمّى بالإسلام السياسيّ في تونس، متّصلة بالتراث العربيّ الإسلاميّ
المتقدّم زمنيّا على عهود الحداثة الأوروبيّة تنهل من مصادره وتتكلّم لغته.
الحداثة الأوروبية هذه هي مرجعيّة من ينعتون أنفسهم بالتقدّميّين اعتمادا على
تطوّرية داروين وعلى رؤية الماركسيّة للتاريخ وعلى مفهوم القطيعة مع تراث يرونه
ماضويّا رجعيّا.
على أنّ الإسلاميّين لا يرفضون الحداثة رفضا
جذريّا. بل هم يتعاملون معها تعاملا نقديّا خاليا من التقديس وبعيدا عن منطق
الحتميّة "التقدّميّ". في هذا الإطار يمكن تنزيل مقولة الإسلام
الديمقراطيّ التي جاء بها راشد الغنّوشي.
المشكل أنّ خصوم الإسلاميّين، لو خرج
الإسلاميّون من جلدهم ما اعترفوا بهم.. ولو كانوا ديمقراطيّين. لقد قرّروا جازمين
أنّ الإسلاميّة ضدّا للديمقراطيّة.
تلك هي المشكلة. وكلّ مشكلة لا بدّ لها من
حلّ.