بين الحين والآخر تخرج حملة، أو حديث عن:
التحرش الجنسي، ومنذ فترة انتشر هاشتاغ: نصدق الناجيات، أي: الناجيات من حوادث
التحرش، وليست المشكلة في الحديث عن أي تجاوز يثبت على من قام به، فالموقف من هذه
الممارسات الأخلاقية مرفوض دينيا وقانونيا وأخلاقيا، ولكن أمام مثل هذه القضايا لا
بد من وقفات توضح أمورا أصبحت غائبة عمن يتناولون هذه الأحداث، وأحيانا يدخل ركوب
التريند، أو التعصب للنسوية، أو الذكورية، ويتحول هذا التحيز المتعجل، إلى أداة
لتشويه سمعة الإنسان.
ولذا لا بد هنا من تناول عدة أمور مهمة في
الموضوع، فأولا: موقف الإسلام من التحرش، وكيف أن الإسلام كان أشمل في نظرته من
القوانين الوضعية، سواء في بلاد العرب أم الغرب، وثانيا: كيف يتم إثبات التحرش؟
وهل ما يقوم بذكره من يشكو من التحرش رجلا كان أم امرأة، هل يعد شهادة مصدقة لا
يحق لأحد نقاشها أو تكذيبها، لأنها صادرة عن امرأة مظلومة، أو رجل مظلوم؟! وهل يعد
ما يكتبه الشاكي أو الشاكية: ادعاء، أم شهادة موثقة لا نقاش حولها؟ وهل ذكر لنا
القرآن موقفا لناجية من التحرش بمصطلح المتحدثين المعاصرين عنه؟!
موقف الإسلام من التحرش
أما عن موقف الإسلام من التحرش الجنسي، سواء
كان قولا، أم فعلا، أم نظرا، فهو محرم ومجرم شرعا، والقوانين تقف عند حدود التحرش
القولي والفعلي، لكنها لا تتطرق للنظر، أي: التحرش بالنظر للآخر، نظرة شهوانية،
ولأن القوانين والقضاء مجالهما الأفعال، بينما الدين في نظرته أوسع، لأن حسابه
دنيوي وأخروي، كانت نظرة الإسلام أوسع.
الإسلام يحرم التحرش، سواء كان بين جنسين متماثلين، أو جنسين مختلفين، فهو محرم من الرجل للمرأة، أو الرجل للرجل، أو المرأة للرجل، أو المرأة للمرأة، وسواء كان المتحرش به كبيرا أم صغيرا، وهو ما فصلت فيه كتب الفقه الإسلامي، في أبواب العورات، وما يجوز النظر إليه، وما لا يجوز، وما يجوز لمسه من الإنسان، وذلك من باب العلاج، وما يحرم من باب التشهي المحرم، ولو كان لمس المحارم، ما دامت النية قد تغيرت، وتحولت لشهوة مرضية، فعندئذ يحرم هذا الفعل، بغض النظر عمن قام به.
فالإسلام يحرم التحرش، سواء كان بين جنسين
متماثلين، أو جنسين مختلفين، فهو محرم من الرجل للمرأة، أو الرجل للرجل، أو المرأة
للرجل، أو المرأة للمرأة، وسواء كان المتحرش به كبيرا أم صغيرا، وهو ما فصلت فيه
كتب الفقه الإسلامي، في أبواب العورات، وما يجوز النظر إليه، وما لا يجوز، وما
يجوز لمسه من الإنسان، وذلك من باب العلاج، وما يحرم من باب التشهي المحرم، ولو
كان لمس المحارم، ما دامت النية قد تغيرت، وتحولت لشهوة مرضية، فعندئذ يحرم هذا
الفعل، بغض النظر عمن قام به.
بل يزيد الإسلام عن القوانين، بأنه يحرم
النظر للآخر أو لنفس الجنس بشهوة، ويعد ذلك من المحرمات، فغض البصر مطلوب من
الرجال والنساء، فلا ينظر جنس لآخر بشهوة محرمة، ولا ينظر جنس لمثيله أيضا نظرة
شهوة.
التثبت حماية للأعراض
وهنا فرق مهم علينا أن ننتبه إليه، لأن
كثيرا من الذين يخوضون في موضوع التحرش على مواقع التواصل وغيره، لا يراعونه، بل
للأسف يلقون بضوابط الشرع والقانون وراء الظهور، وهو أن التحرش مجرم دينيا
وقانونيا وأخلاقيا، لكن إطلاق التهمة على شخص بأنه متحرش، مسألة أخرى، تحتاج
لأدوات ووسائل إثبات نص عليها القانون والشرع.
وليس ذلك حماية من الشرع والقانون للمتحرش،
بل صيانة لأعراض الناس من أن يتهاون أحد في المساس بها، ولذا قد يعجز مظلوم وقع
عليه التحرش من إثبات ما مورس عليه، وهذا لا يعني إفلاته من العقاب الإلهي، أو
براءته، بل يعني أنه ارتكب محرما، يستوجب التوبة منه، ورد الحقوق لأهلها إن ترتب
على ذلك ما يوجبه، ويستوجب عقاب الله له في الآخرة، لكن الأخطر من العجز عن إثبات
الجريمة، أن نتساهل في توجيه الاتهام، سواء كان للرجل أو للمرأة، فالتحرش جريمة
يمارسها الرجل والمرأة، بحسب اختلاف النسبة بينهما أيهما أكثر.
الفرق بين الشهادة والادعاء
إن كثيرا مما نراه على وسائل التواصل
الاجتماعي فيما يتعلق بالحديث عن التحرش، أن يخرج شخص، فيحكي عن تعرضه لتحرش لفظي
أو حوار على وسائل التواصل، سواء كتابة أو صوتا، أو غيره، فيتحدث من يبرز للناس
بأنه ضحية، وخاصة من النساء، وهنا بدأت ترتفع هاشتجات، وعناوين، مثل: نصدق
الناجيات، وهي عبارات استباقية لإجراءات ينبغي أن تسبق هذا الإطلاق، فمن حدد أن
المتكلم أو المتكلمة ناجية، أو ضحية؟ ومن يملك إطلاق حكم التصديق لكل ما يقوله جنس
في موضوع محدد وهو التحرش، بأنه صادق، وعلينا أن نصدقه في كل ما يقول؟!
هذا الكلام يتجاوز كل القوانين والشرائع،
التي تعطيك الحق في الشكاية، والحكي لما تعرضت له، لكن على أساس أن كلامك يدخل في
باب: الادعاء، أو الدعوى، لا الحقائق المثبتة، ولا يحكم على كلامك مهما بلغت درجة
صدق الشخص في مواقف أخرى، إلى وصف كلامه بالصدق، وأنه مصدق، لمجرد أننا نستبشع
الجريمة، ففرق بين الجريمة، وبين الحكم على شخص بممارستها.
فلا بد من إثبات واضح، حتى نستطيع أن نطلق
على شخص محدد بالاسم والوصف، أنه متحرش، أو مرتكب لمثل هذه الجريمة، رجلا كان أو
امرأة، والبعض يريد أن يجعل من أي كلام يحكى في مثل هذه الموضوعات بأنه شهادة،
وشتان بين الشهادة والادعاء، الشهادة قال عنها الشرع والقانون: على مثل الشمس
فاشهد، يعني شخص رأى بأم عينه، أو أن يكون حديث من يتعرض لذلك، بحكاية ما حدث، دون
توجيه اتهام لمعين، إلا بوجود دلائل ووسائل إثبات، وإلا فالبعكس لو أطلقنا هذا
الباب وفتحناه لأصبحت أعراض الناس ملعبة، وستؤذي كل بريء، وكل من هب ودب، ولذا قال
صلى الله عليه وسلم: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم، ودماءهم،
لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر".
أشهر ناجية من التحرش في القرآن
وقد ذكر لنا القرآن نموذجا لما يمكن أن يطلق
عليه بلغة عصرنا: ناجية من التحرش، بينما كانت هي المتحرشة، وهو نموذج امرأة
العزيز، فقد غلقت الأبواب، وراودت نبي الله يوسف عن نفسه، وهرب منها، وقامت بجذبه
من ثيابه، وعندما وجدت سيدها لدى الباب: ألقت التهمة عليه، وأنه حاول التهجم
عليها، ورغم شهادة الشاهد من أهلها، واتضح لهم براءة نبي الله يوسف، وعندما سمعت
بكلام النسوة في المدينة، تحول موقف نسوة المدينة، إلى موقف امرأة العزيز، وأيدن
موقفها، بأنه يستحق أن تقع في حبه.
يزيد الإسلام عن القوانين، بأنه يحرم النظر للآخر أو لنفس الجنس بشهوة، ويعد ذلك من المحرمات، فغض البصر مطلوب من الرجال والنساء، فلا ينظر جنس لآخر بشهوة محرمة، ولا ينظر جنس لمثيله أيضا نظرة شهوة.
ورغم وضوح البينات على براءته، تم سجن نبي
الله يوسف، وكانت امرأة العزيز أمام
المجتمع: ناجية من التحرش من أحد العاملين في
قصرها، وسجن عدة سنوات، وصورته التي تصدرت للمجتمع أنه مسجون في جريمة بشعة، تنال
من حريته وسمعته، وعندما خرج وبعد سنوات طويلة، ظهرت براءته، وهو ما يحدث في مثل
هذه الجرائم كثيرا، لأن المجتمع يسمع للقوي في هذه المسائل، أو صاحب الصوت الأعلى،
سواء كان محقا أم مخطئا، وهو ما لا يعني بالضرورة أنه صاحب الحق.
مال الحل؟
الحل في هذه المواقف، عدم التعجل بإلقاء
التهم على الأشخاص المعينين، وهذا لا يمنع من الحديث عما يتعرض له الإنسان في هذا
السياق، رجلا كان أم امرأة، حديثا عاما، دون تحديد للمتهم، إلا إذا امتلك الإنسان
وسائل الإثبات، وهي عديدة ومختلفة، واللجوء في ذلك للسلطات المعنية، فهي تملك ما
لا يملكه الإنسان الفرد، وأصبحت هذه الوسائل ميسورة ويسهل أن تجلب، سواء كانت
وسائل تواصل أو هواتف، وإمكانات الدول أصبحت مذهلة وكبيرة جدا في ذلك، فكما قامت
الدول بسن قوانين صارمة في عقاب المتحرش، كذلك يسن قوانين تعطي الحق للمواطن
الشاكي بأن يعان بوسائل الإثبات، ليثبت بذلك أمام القانون براءته أو إدانته، فإن
كان الشاكي صادقا، نال المتحرش جزاءه، وإن كان الشاكي كاذبا نال جزاءه بسبب تشويهه
سمعة بريء.
[email protected]