منذ اليوم الأول للحرب ضد
إيران من الكيان
الصهيوني والأمريكان، وضربات إيران عليهما، وعلى دول الخليج العربي، وهناك حملة
تزداد يوما بعد آخر على الإخوان المسلمين، وموقف الإخوان من ضربات إيران للخليج،
وليست هناك مشكلة في انتقاد موقف للإخوان المسلمين، سواء كان موقفا دينيا أم
سياسيا أم اجتماعيا، فهذا أمر طبيعي، وكلنا نمارسه، لكن الحملة المنطلقة هذه
الأيام ليست حملة بريئة، ولا تفهم إلا بما يمكن أن نسميه: ابتزاز الإخوان بموقفها
من ضربات إيران تجاه الدول الخليجية.
إعذار الأصوات السورية
والملاحظ أن هذه الحملة تنطلق من حملات على
التواصل الاجتماعي، بعض أصواتها ينطلق من موقف معبر عن حالته التي يعيشها، وذلك
مثل بعض الأصوات السورية، فهي أصوات تنطلق من واقع محنتها وتجربتها المريرة
والمؤلمة مع إيران وأذرعها، وهو موقف متفهم، لكن هناك أصوات سورية أخرى لا يتسم
خطابها ولا موقفها بالعقلانية أو الإنصاف، بل بلغ حدا غير مقبول من العنصرية ليس
ضد الإخوان المسلمين فقط، بل زاد فراح يهاجم المصريين بالعموم، ويهاجم موقفهم من
الحرب.
الإمارات في ظل هذه الحرب، لم تنشغل بالرد على ضربات إيران، ولو في التحرك السياسي والدبلوماسي، بل كان رئيسها مشغولا في ظل هذه الحرب المستعرة بالإخوان فقط، فتارة بإخوان السودان، حتى تواصل مع ترامب ليجعله يضع إخوان السودان في تصنيف المنظمات الإرهابية، ثم الإلحاح على ترامب بتصنيف إخوان اليمن، وإخراج خبر المكالمة عن طريق نفس المخبر الموصوف بسارق الملابس الداخلية للمعتقلين، على أنه سبق صحفي، وخبر حصري، فما الأولى بانشغال الإمارات حاليا؟
وقد بدأت بموقف الإخوة السوريين، لأنهم
الشريحة التي لا يملك أي مختلف مع الأصوات العاقلة منهم سوى التقدير، ومراعاة ما
عانوه، وهو ما يلتمس أيضا لمن لم يكن خطابه متوازنا، نظرا للأثر القريب لمأساتهم،
والذي يحتاج لوقت طويل، وهو أمر مفهوم ومقدر، وهو ما ينبغي على المخالفين لموقفهم
أن يراعوه عند نقاشهم، دون الرضوخ لبعض المستفزين أو المبتزين.
تحريض رخيص على الإخوان
لكن هناك شرائح أخرى، راحت تمارس هذا
الابتزاز على الإخوان، وعلى كل رافض للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، ويقع
كلامهم تحت بند الابتزاز، لأنهم يعرفون جيدا، أن مثل هذه
المواقف مركبة، فأنت
مطلوب منك رفض الاعتداء سواء كان على إيران أو على دول الخليج، وأن الناظر لأحد
العدوانين بعين واحدة، هو عور في العقل، فهذا مستنكر، وذاك مستنكر وبخاصة ما كان
على مواقع مدنية.
الملاحظة الثانية في الموضوع، أن عددا ممن
راح يهاجم الإخوان، بل يحرض عليهم دولا يقيمون بها، لم ينطلق من حقائق لمواقف
الإخوان، وهو تحريض لو صحت أسبابه لكان معيبا، لأنه خرج من شخصيات بعضها يشكو من
مظالم الأنظمة المستبدة، فما بالنا وكثير من هذه الكتابات تنطلق من كذب صريح،
وإخفاء لحقيقة موقف الإخوان، ليس عن جهل منهم، بل عن تعامي مقصود عن الحقائق.
فالراصد لمواقف الإخوان سيجدها جميعا ضد
ضربتين: ضربة الكيان والأمريكان لإيران، وضد ضربات إيران لدول الخليج، وبخاصة
الموجهة منها لغير القواعد العسكرية الأمريكية، وهو ما اتفقت عليه كلمة الإخوان في
كل بياناتها، رغم اختلاف البلدان، واختلاف الجهات في بلد واحد كمصر، فالدكتور صلاح
عبد الحق بعد الساعات الأولى أصدر بيانا واضح فيه الاستنكار، رغم أنه كان مبكرا
قبل ضربات إيران للخليج، ولكن كان بدايات الضربات قد بدأت، فاستنكر ذلك، ووصفه بأن
حرف للبوصلة.
وفي إفطار للدكتور محمود حسين في كلمة
منقولة عبر فضائية وطن، استنكر بوضوح ضربات إيران، وكل كتابات الإخوان تسير في هذا
السياق، فما أصل دعوى أنهم صمتوا عن بلاد الخليج والضربات الموجهة إليها؟ والعجيب
أنهم لم يتناولوا بيان إخوان سوريا بحرف واحد، رغم أن بيان سوريا كان قويا في
إنكار ضربات إيران، ولم يشر بأي إشارة لاستنكاره العدوان على إيران من أمريكا
وإسرائيل، وقد كان إخوان سوريا الأولى بالنقد في هذه النقطة، لكن هذه المنصات لم
تنبس ببنت شفة، ولم تكتب حرفا في ضرورة ضبط الخطاب والإنكار.
علامات استفهام على مطلقي الحملة:
الملحوظة الثالثة: أني لاحظت أن معظم هذه
المنصات التي انطلقت بهذه المواقف، خرجت بشكل لافت للنظر، فبدأها مشايخ مداخلة مثل
مشاري العفاسي، ثم انطلق بعدها كاتب صحفي مصري معروف بموقفه المجحف للإخوان، وله
حادثة شهيرة من قبل قام رئيس الشؤون الدينية التركي بإصدار بيان يكذبه في خبر أيضا
لفقه للإخوان تعلق الخبر به، وراح يحرض دولة قطر عليهم، وعلى الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين، وهو نفس الدور الذي مارسه في هذه الآونة أيضا.
ثم فوجئت بأن نفس الموقف انطلق به الصحفي
الصهيوني إيدي كوهين، وقد رد عليه ناشط قطري على إكس (تويتر سابقا)، ثم خرج شخص
أمنجي معروف، وهو ما كان يلقب في السجون المصرية وقت أن كان مسجونا مع جماعات
العنف، بأنه: سارق الملابس الداخلية للمعتقلين، وتقدمه الإمارات ومنصاتها بأنه
خبير جماعات إسلامية، لفت نظري هو الاتفاق والانطلاق معا في سياق واحد، ومضامين
إعلامية واحدة، لست أزعم بأن الأمر يصدر عن كفيل واحد، أو توجه واحد، لكنها مسألة
لافتة للنظر، وتضع علامة استفهام كبيرة، فليس هناك مستفيد من هذه الحملة على
الإخوان في هذا التوقيت، سوى دولة الإمارات.
فالإمارات في ظل هذه الحرب، لم تنشغل بالرد
على ضربات إيران، ولو في التحرك السياسي والدبلوماسي، بل كان رئيسها مشغولا في ظل
هذه الحرب المستعرة بالإخوان فقط، فتارة بإخوان السودان، حتى تواصل مع ترامب
ليجعله يضع إخوان السودان في تصنيف المنظمات الإرهابية، ثم الإلحاح على ترامب
بتصنيف إخوان اليمن، وإخراج خبر المكالمة عن طريق نفس المخبر الموصوف بسارق
الملابس الداخلية للمعتقلين، على أنه سبق صحفي، وخبر حصري، فما الأولى بانشغال
الإمارات حاليا؟
هل تنشغل بما هي فيه من حرب، أم الانشغال
بالإخوان، والانشغال بالوقيعة بين الإخوان ودول الخليج، وقد انطلقت الحملة تشكيكا
في مواقف المقيمين في هذه الدول، ثم راحت تكمل طريقها بالتشكيك في مواقف المواطنين
من أبناء الخليج، فمعظم من قادوا الحملة جلهم يجمعهم ناظم واحد، وهو العلاقة
بالإمارات، سواء تمويلا، أو دعما، أو من يعرض نفسه على قوائم وكشوف المنح
الإماراتية.
علامة ضعف أم قوة للإخوان؟!
الشيء الأخير الذي نلاحظه في هذه الحملة، أن
جل من شارك فيها، لا يكف عن حديثه أن الإخوان انتهوا، وأنه لن تقوم لهم قائمة، وأن
الشعوب لفظتهم، وقد فشلوا فشلا ذريعا في تجربتهم، ثم تأتي عباراتهم وتعمدهم الكذب
على الإخوان، لتكون دليلا ضمنيا بنفي ما يقولونه، وأنه يصدر منهم ليس من باب
البحث، المبني على أدلة، بل من باب الأماني التي تنسجها الأخيلة، وأن الإخوان رغم
ما بهم من ضعف شديد، إلا أنهم لا يزالوا رقما مهما في المعادلة السياسية في العالم
العربي والإسلامي.
[email protected]