عبد الرحمن أبو زهرة.. تقدير لفنه وجدل حول تعزيته!!

عصام تليمة
توفي الفنان المصري الأستاذ عبد الرحمن أبو زهرة، وهو شخصية تركت بصمة في ذهن المشاهد المصري والعربي، من خلال شخصيات قام بأدائها، سواء على مستوى الدراما، أو السينما، أو الإذاعة.. جيتي
توفي الفنان المصري الأستاذ عبد الرحمن أبو زهرة، وهو شخصية تركت بصمة في ذهن المشاهد المصري والعربي، من خلال شخصيات قام بأدائها، سواء على مستوى الدراما، أو السينما، أو الإذاعة.. جيتي
شارك الخبر
توفي الفنان المصري الأستاذ عبد الرحمن أبو زهرة، وهو شخصية تركت بصمة في ذهن المشاهد المصري والعربي، من خلال شخصيات قام بأدائها، سواء على مستوى الدراما، أو السينما، أو الإذاعة، وفي كل هذه المجالات كان فنانا قديرا، وقويا في امتلاك ناصية التمثيل والأداء، مع قدرة باهرة على لغة عربية سليمة، وأداء صوتي مبهر.

فأبو زهرة ارتبط اسمه في ذاكرة المشاهد، بشخصية درامية، وهي شخصية المعلم إبراهيم سردينة، والتي قدمها في مسلسل: لن أعيش في جلباب أبي، وقد كان رواية للأديب إحسان عبد القدوس، والتي حولها لمسلسل السيناريست مصطفى محرم، بعد نجاحه في تقديم مسلسل بعنوان: عائلة الحاج متولي، والذي قدم تعدد الزوجات بشكل جديد عما تقدمه الدراما المصرية، وإن كان في شكل فكاهي اجتماعي، لكن بشكل مختلف.

شخصية المعلم إبراهيم سردينة، قدمها أبو زهرة بشكل مختلف، وأحبها الناس، لأنها قدمت نموذجا يفتقده المجتمع، وهو المعلم الذي يجل شيخ الجامع، وشفاعته عنده لا ترد، ليقبل شخصا غريبا لا يعرفه، ليكون أحد العاملين في وكالته، ثم يساعد هذا العامل البسيط، ليصبح معلما يتساوى معه في وكالة مثله، وتعامل معه معاملة الأب لابنه، ولتاثير الشخصية في المشاهد، لا تزال أيقونة، تستخدم كصورة تعبيرية في مواقف كثيرة على الفيس بوك وتويتر وغيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي.

شخصية الحجاج

أما على مستوى تمثيله في المسلسلات التاريخية والدينية، فقد قدم شخصيتين، كان متميزا في تقديمهما، على عكس ما قدما قبله، أشهرهما: شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي، والذي ميز أبو زهرة في تأديته بين عدة مساحات، لا يتقنهم كثير من الممثلين لشخصية الحجاج، فالحجاج شخصية مركبة، فهو معلم صبيان، ثم تحول لعامل لبني أمية، ثم طاغية مستبد، وأعمل يده في قتل البرآء، وأسهم في الفتوحات الإسلامية، وفي خدمة المصحف الشريف، كل هذه التباينات في شخصية تاريخية لا يشتهر عنها سوى المظالم والمفاسد، تقديمها يحتاج لمراجعة حياته، وفهم طبيعة تكوينه.

وهو ما أبدع فيه أبو زهرة، وقدم شخصية الحجاج بشكل مختلف عن سابقيه، فقد ميز في أدائه بين حال الحجاج خطيبا، وحاله محاورا، وحاله متكلما، وحالاته التعبيرية المختلفة، وإن قدم شخصية الحجاج بعده الفنان عابد فهد، في مسلسل كامل عن الحجاج، في الدرامة السورية، وظلت لكل منهما بصمته في أداء الشخصية.

أبو زهرة ارتبط اسمه في ذاكرة المشاهد، بشخصية درامية، وهي شخصية المعلم إبراهيم سردينة، والتي قدمها في مسلسل: لن أعيش في جلباب أبي، وقد كان رواية للأديب إحسان عبد القدوس، والتي حولها لمسلسل السيناريست مصطفى محرم، بعد نجاحه في تقديم مسلسل بعنوان: عائلة الحاج متولي، والذي قدم تعدد الزوجات بشكل جديد عما تقدمه الدراما المصرية، وإن كان في شكل فكاهي اجتماعي، لكن بشكل مختلف.
أما الشخصية الثانية التي قدمها في عمل ديني تاريخي، وبشكل مختلف عن سابقيه، فشخصية: إبليس، والذي كانت بعض الأعمال الدرامية تقدمه بحواجب مشوهة، وشكل منفر، وقرون فوق رأسه، بينما قدمه أبو زهرة في مسلسل: محمد رسول الله، بشكل مختلف، هو أقرب للشكل العادي، يغري ويوسوس، ويخطط، مبرزا الدهاء والشيطنة، بشكل فني مختلف.

عطاؤه الإذاعي المتميز

أما الأداء الأصعب، فكان في العمل الإذاعي، ففي الإذاعة حين يقوم الممثل بأداء دور، أو تقديم مادة عليها، يحتاج لجهد مضاعف، لأنه يعوض المستمع عن الرؤية، فيلزمه أن يوصل له المعنى مجسدا، حتى يتصوره، فيبذل جهدا كبيرا في حركات الصوت، وتنقلاتها في مساحات مختلفة، لأن المستمع يعتمد على أذنه فقط ليتلقى رسالة الفنان، وهو ما قدمه أبو زهرة في أكثر من عمل، وقدم برنامجا أدبيا، بعنوان: قطوف الأدب من كلام العرب. وله كذلك عمل للأطفال مشهور.

الرافضون للتعزية في أبي زهرة

تلك مساحة عطاء الرجل الفنية، وهي مساحة مقدرة، يشيد بها كل منصف، وكل متأثر بفنه، حين تذكرها يخرج لك من يذكر بدقيقة على اليوتيوب لأبي زهرة، كانت بعد الانقلاب العسكري في مصر، كان فيها متجنيا على الإخوان، بأنهم كانوا ضد الفن، وقد الشكر للسيسي، وللدول الخليجية التي عاونت مصر على الانقلاب، هذا موقف مرفوض بلا شك منه.

وهو ما جعل مساحة من الغضب من شريحة من الناس تبرز، لكل من تذكر عطاء أبي زهرة الفني، إذ يرونه لا يستحق التعزية، وهو موقف مقبول من أصحاب المحن، لكنه ليس مقبولا أن يكون موقفا عاما، وأن نصنع كربلائية عند كل وفاة لشخص قال كلمة أو جملة لصالح الانقلاب، مغفلين أن موازين الناس لا يمكن أن تكون من كفة واحدة، أو من موقف واحد، يمحى ما بعده وما قبله بناء على هذا الموقف، رغم أحقية وزن هذا الموقف، لكن ما ليس بصواب أن نهدر كل تاريخ الشخص بناء على هذا الموقف وحده.

نماذج من التاريخ القريب

لامني بعض الناس على مادة مرئية قدمتها عن أبي زهرة، وعن عطائه الفني، متذرعين بأنه لا يستحق، نظرا لما صرح به منذ سنوات بعد الانقلاب، والحقيقة أن هؤلاء معظمهم يتصرف بعاطفة في اتجاه واحد فقط، وهي ليست منصفة بهذا الحكم، ولو عاد لتاريخه لوجد نماذج كانت مواقفها لا تختلف عن مواقف أبي زهرة، وربما أكثر، أو أقل، ومع ذلك تعامل الإخوان والإسلاميون بروح أخرى مختلفة تماما مع أصحابها.

لامني بعض الناس على مادة مرئية قدمتها عن أبي زهرة، وعن عطائه الفني، متذرعين بأنه لا يستحق، نظرا لما صرح به منذ سنوات بعد الانقلاب، والحقيقة أن هؤلاء معظمهم يتصرف بعاطفة في اتجاه واحد فقط، وهي ليست منصفة بهذا الحكم، ولو عاد لتاريخه لوجد نماذج كانت مواقفها لا تختلف عن مواقف أبي زهرة، وربما أكثر، أو أقل، ومع ذلك تعامل الإخوان والإسلاميون بروح أخرى مختلفة تماما مع أصحابها.
فالأستاذ أنور الجندي والذي كان من الإخوان، وكان مقربا من الشيخ حسن البنا، تحول لكاتب يسبح بحمد جمال عبد الناصر، بل كتب مقالا ضد الإخوان في كتاب أصدرته السلطة بعنوان: رأي الدين في إخوان الشيطان، وكتب أكثر من كتاب عن عبد الناصر يمتدحه، ولما مات عبد الناصر، لم يعد طبع هذه الكتب، ونشر عدة كتب تخاطب جمهور الصحوة الإسلامية، وأصبحت مرجعا لكثير منهم، رغم افتقاد كثير من هذه الكتب للتوثيق والدقة العلمية.

وكذلك الشيخ أحمد حسن الباقوري، وقد كان من الإخوان، ثم تركهم وانضم لعبد الناصر وزيرا للأوقاف، ورأى المظالم والأحكام، بل هدأ من روع عبد الناصر عند قراره بإعدام عبد القادر عودة ومن معه من الإخوان سنة 1954م، ومع ذلك، ظل نشيد الإخوان الرسمي من كلماته: يا رسول الله هل يرضيك أنا، ولم يصدر قرار من الإخوان بإلغائه لأن كاتبه تحول من الإخوان وتركهم وأيد عبد الناصر.

وهكذا نماذج أخرى لا حصر لها، شخصيات انشقت عن الإخوان، ودارت حوارات ونقاشات شديدة معهم، وصل بأحد العلماء وهو الشيخ محمد الغزالي أنه نقل عن شخص أن مرشد الإخوان حسن الهضيبي له ارتباط بالماسونية، وإن تراجع عن ذلك ونفاه، ومع ذلك كتبه قررت في الإخوان، لأن الناس كان تتعامل بميزان العدل والإنصاف مع المختلفين في المواقف، ولو كانت مخطئة أو ظالمة في بعضها.

ميزان العدل والإنصاف

حين يرشد الفكر والموقف في الحركة الإسلامية وفي أبنائها، يكون الميزان منضبطا في وزن أعمال الناس، ووزن عطائهم، ولست هنا أدافع عن أبي زهرة، بقدر ما يعنيني إرساء المبدأ نفسه، ولو اختلف معي من رفضوا تعزيته، بل منهم من حذف التعزية بعد لوم البعض له على ذلك، كأحد أصدقائنا الفنانين الكبار، وهو سلوك يمارسه البعض للأسف بالضغط بالعاطفة والحب، فيرضخ الشخص لذلك، وهو ما نرفضه، فليترك الناس ليعبر كل منهم عن قناعته، والحديث عن مزايا وفضائل شخص، لا يعني مسح أخطائه، بل يعني أن نضع الأخطاء جنبا إلى جنب مع الفضائل والسجايا.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل