تكتسب المبادرات الحقوقية والإنسانية المتعلقة بالمعتقلين السياسيين في
مصر، أهميتها لا بوصفها مؤشّرًا على انفراج سياسي أو استجابة محتملة من السلطة، بل بوصفها مدخلًا لكشف طبيعة البنية التي يُدار من خلالها هذا الملف، حيث لا يبدو الأمر مجالًا للتفاوض بقدر ما يبدو واقعًا أقرب إلى “الافتداء” في سياق اختلال عميق في ميزان العدالة والسلطة.
فالمسألة لا تتعلق بسلطة يمكن تذكيرها بالقانون أو دفعها إلى تصحيح مسارها، بل بسلطة صنعت الأزمة واستفادت من استمرارها، وحوّلت أدوات الاعتقال من إجراء استثنائي إلى آلية حكم دائمة لإخضاع المجال العام وإعادة تشكيله بالقمع. ومن ثم فإن هذه المبادرات، في جوهرها، لا تُقرأ كمسار تفاوضي، بل كمرآة تكشف حجم المأساة وتُبقيها حاضرة في الوعي العام، في مواجهة محاولة دائمة لتطبيع الاستثناء وتقديمه كأنه وضع طبيعي قابل للإدارة.
أرى أن هذه المبادرات، على أهميتها
الإنسانية والرمزية، لا تكشف حجم الانفراج في مصر، بل تكشف قبل كل شيء حجم الجريمة
السياسية المستمرة فيها. فالمشكلة ليست أن النظام لم يسمع النداءات بعد، ولا أن
هذا الملف ينقصه من يذكّره به، بل إن هذا النظام نفسه هو صانع الكارثة، وهو
المستفيد من بقائها، وهو الذي حوّل الاعتقال السياسي من استثناء إلى قاعدة، ومن
إجراء أمني مؤقت إلى سياسة دائمة لإخضاع المجتمع وكسر إرادته.
ولذلك فإن أي قراءة
جادة لهذه التحركات يجب أن تبدأ من الحقيقة الأكثر وضوحًا والأشد قسوة: نحن لا
نتحدث عن سلطة أخطأت ثم احتاجت إلى من ينصحها، بل عن سلطة بنت جزءًا مهمًا من
بقائها على القمع المنهجي، وعلى تجريم
الرأي، وعلى تحويل الحبس الاحتياطي والتدوير
والاعتقال التعسفي إلى أدوات حكم لا أدوات عدالة.
من هنا، فإن قيمة هذه المبادرات لا تكمن في
أنها ستوقظ ضمير النظام، لأن التجربة الطويلة أثبتت أن هذا النظام لا يتحرك بمنطق
الضمير، ولا حتى بمنطق القانون، إلا إذا دُفع إلى ذلك دفعًا تحت ضغط داخلي أو
خارجي أو لحسابات مصلحية باردة. جدواها الحقيقية أنها تفضح، وتوثق، وتمنع التعتيم،
وتذكّر المصريين والعالم بأن خلف الأرقام وجوهًا حقيقية، وأسرًا مكلومة، وأعمارًا
تُهدر، وأمهات ينتظرن، وأطفالًا يكبرون في ظل الغياب والظلم. وهي أيضًا تسحب من
النظام جزءًا من قدرته على تسويق الإفراجات المحدودة كما لو كانت إصلاحًا، بينما
الواقع يقول إن الإفراج عن عشرات أو حتى مئات لا يساوي شيئًا سياسيًا وأخلاقيًا
إذا كانت آلة الاعتقال نفسها ما تزال تعمل، وإذا كان الظلم نفسه ما يزال يُنتج
ضحايا جدداً، وإذا كان المفرج عنه قد يجد نفسه بعد مدة قصيرة داخل الدائرة نفسها
من الملاحقة والترهيب والاستهداف.
المشكلة ليست أن النظام لم يسمع النداءات بعد، ولا أن هذا الملف ينقصه من يذكّره به، بل إن هذا النظام نفسه هو صانع الكارثة، وهو المستفيد من بقائها، وهو الذي حوّل الاعتقال السياسي من استثناء إلى قاعدة، ومن إجراء أمني مؤقت إلى سياسة دائمة لإخضاع المجتمع وكسر إرادته.
أما السؤال عن جدوى هذه المبادرات في ظل
إصرار النظام على عدم الالتفات إلى هذا الملف، فجوابه في تقديري واضح ومركب في
الوقت نفسه. نعم، هي محدودة الجدوى إذا قيس الأمر بمعيار النتيجة المباشرة
والسريعة، لأنك في النهاية تواجه بنية سلطوية لا ترى في الحرية حقًا أصيلًا، بل
ترى فيها خطرًا يجب سحقه أو احتواؤه أو تقزيمه. لكنها ليست عديمة الجدوى، لأنها
تُبقي الجريمة مكشوفة، وتحرم السلطة من دفن الملف تحت ركام الخوف والانشغال
والإرهاق العام، وتراكم الشهادة عليها، وتؤسس لمحاسبتها سياسيًا وأخلاقيًا
وتاريخيًا. أما من يظن أن النظام قد يستجيب اقتناعًا بالعدل أو احترامًا للقانون
أو شعورًا بوخز الضمير، فهو يسيء قراءة طبيعة هذه السلطة. فهذه السلطة لم تُظهر
حتى الآن أي نية حقيقية لإنهاء هذا الملف من جذوره، بل تواصل الاعتقال التعسفي
والظلم، وتتعامل مع المظلومين وأسرهم بمنطق القهر المجرد، لا بمنطق الدولة، ولا
بمنطق العدالة، ولا حتى بمنطق الحد الأدنى من الإنسانية.
وفي ما يتعلق بفكرة المال مقابل الإفراج عن
المعتقلين، يجب هنا أن يكون الكلام دقيقًا وعادلًا في آن واحد. فهذه الفكرة ليست
تعبيرًا عن عرض قدمه النظام، ولا عن مخرج سياسي اقترحته السلطة، بل هي محاولة من
بعض الحقوقيين، في ظل انسداد الأفق الكامل ووحشية الواقع، للبحث عن أي وسيلة يمكن
أن تنقذ المخطوفين المساكين من هذا الجحيم. وهذه الحقيقة تغير زاوية النظر إليها
تغييرًا جوهريًا. فنحن هنا لا نتحدث عن
مبادرة طبيعية في سياق سياسي طبيعي، بل عن
اجتهاد مأساوي نشأ داخل ظرف غير طبيعي أصلًا، يشبه سعي الناس إلى دفع فدية لتحرير
رهائن من يد خاطف قاسٍ. ومن هذه الزاوية، لا يجوز أخلاقيًا ولا إنسانيًا تخوين
أصحاب هذا الطرح، لأنهم لا يشرعنون الجريمة، ولا يمنحون النظام صك براءة، بل
يحاولون انتزاع بعض الأبرياء من براثن سلطة مجرمة بأي وسيلة ممكنة بعد أن سُدت
معظم الأبواب، وتآكلت معظم المسارات، وصار اليأس نفسه جزءًا من المشهد.
لكن في الوقت نفسه، يجب أن يقال بوضوح كامل
إن مجرد الوصول إلى هذه المرحلة يمثل إدانة ساحقة للنظام المصري. لأن الوطن الذي
يُدفَع فيه بعض الشرفاء إلى التفكير في افتداء المظلومين من السجن، هو وطن انحدرت
فيه السلطة إلى مستوى التعامل مع البشر كما لو كانوا رهائن في قبضة عصابة، لا
مواطنين يفترض أن يحميهم القانون. والخطورة هنا ليست في نوايا الحقوقيين، بل في
طبيعة الواقع الذي أجبرهم على التفكير بهذه الطريقة. إن النظام الذي يواصل
الاعتقال بلا قانون، والظلم بلا رحمة، ثم يترك الناس يفتشون عن أي وسيلة لشراء
نجاة المظلومين، هو نظام لا يمارس فقط الاستبداد، بل يهدم المعنى الأخلاقي لفكرة
الدولة نفسها، ويفضح نفسه باعتباره سلطة لا ترى المواطن صاحب حق، بل موضوعًا
للضبط، أو رقمًا في معادلة القمع، أو عبئًا يجب إخضاعه، أو رهينة يمكن إطالة أمد
أسره إلى أن ينهك الجميع.
إن المأساة في مصر اليوم ليست فقط في وجود سجناء رأي، بل في اعتياد المشهد، وفي محاولة البعض التعامل معه كما لو كان ملفًا إداريًا قابلًا للتفاوض الهادئ، لا جرحًا وطنيًا نازفًا، ولا عارًا سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا يجب أن يتوقف فورًا.
أما هل يمكن أن تدفع الأزمات المالية وتفاقم
أعباء الديون النظام إلى القبول بأي صيغة من هذا النوع، فالجواب نعم من حيث
الاحتمال السياسي المجرد، لا من حيث الشرعية الأخلاقية أو القانونية. فالسلطة التي
أوصلت البلاد إلى هذا القدر من الاختناق الاقتصادي، وأغرقتها في الديون، وأفقرتها
سياسيًا واجتماعيًا، ليست سلطة يُستبعد عنها أن ترى في أي مدخل مالي فرصة تستحق
النظر. لكن حتى لو حدث ذلك، فلا ينبغي أن يُفهم بوصفه انفراجًا، بل بوصفه إدانة
أشد. لأنه سيعني أن النظام لم يكتف بسجن الأبرياء ظلمًا، بل صار الواقع نفسه يسمح بتخيّل
إمكانية تحويل مأساتهم إلى باب ابتزاز أو مساومة أو فدية. وعندها لا يعود الأمر
مجرد ظلم سياسي، بل يصبح اتجارًا بالجريمة ذاتها، واستثمارًا في الألم الوطني،
واستغلالًا وقحًا لحالة الانسداد التي أنتجها النظام بنفسه.
لذلك فإن تقييمي النهائي لهذه المبادرات هو
أنها ضرورية من حيث المبدأ الإنساني والحقوقي والسياسي، لا لأنها صادرة عن ثقة في
النظام، ولا لأنها تعني أن باب الحل قد فُتح، بل لأنها تعبر عن رفض الاستسلام، وعن
إصرار أصحاب الضمير على محاولة إنقاذ من يمكن إنقاذه في زمن صار فيه طلب الرحمة من
السلطة نوعًا من العبث. غير أن الحقيقة الأساسية تبقى كما هي: لا مخرج حقيقي من
هذا الملف إلا بقرار سياسي واضح ينهي هذه الحقبة السوداء كلها، عبر الإفراج الشامل
عن جميع سجناء الرأي، ووقف الاعتقال التعسفي، وإنهاء التدوير، وإنهاء إساءة استخدام
الحبس الاحتياطي، وفتح المجال العام فتحًا حقيقيًا، لا شكليًا ولا دعائيًا ولا
انتقائيًا.
الخلاصة أن هذه المبادرات لا تكشف ضعف
الحقوقيين، بل تكشف مدى التوحش الذي بلغه النظام. فعندما يُدفَع أهل القانون
والضمير إلى التفكير في افتداء المظلومين كما تُفتدى الرهائن، نكون أمام سلطة لم
تعد مجرد سلطة مستبدة، بل سلطة مجرمة دفعت المجتمع كله إلى حافة اليأس. ولهذا فإن
السؤال الحقيقي ليس: هل تنجح هذه المبادرات وحدها؟ بل: كيف وصلنا إلى مرحلة صار
فيها إنقاذ الأبرياء من سجون الدولة يشبه انتزاع الأسرى من يد خاطف لا يعرف الرحمة
ولا القانون؟ وكيف يمكن الحديث عن دولة، بينما الدولة نفسها أصبحت في نظر ضحاياها
وأهاليهم مصدر الخوف الأول، لا مصدر الحماية الأول؟
إن المأساة في مصر اليوم ليست فقط في وجود
سجناء رأي، بل في اعتياد المشهد، وفي محاولة البعض التعامل معه كما لو كان ملفًا
إداريًا قابلًا للتفاوض الهادئ، لا جرحًا وطنيًا نازفًا، ولا عارًا سياسيًا
وأخلاقيًا وقانونيًا يجب أن يتوقف فورًا. وحين يصل الحال إلى أن يصبح تحرير
الأبرياء أقرب إلى الافتداء منه إلى الإنصاف، فهذه ليست علامة على مرونة الحلول،
بل علامة على عمق الانهيار الذي أوصلت إليه هذه السلطة البلاد. ولذلك فإن أي حديث
عن هذا الملف يجب ألا يبدأ من السؤال عما إذا كانت هناك مبادرة ناجحة أو غير
ناجحة، بل من السؤال الأكبر والأخطر: إلى متى يبقى الوطن كله رهينة نظام يرى
الحرية تهديدًا، ويرى السجن أداة حكم، ويرى الإفراج مناورة، لا حقًا أصيلًا من
حقوق الإنسان والمواطن؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.