في السابع
من نيسان/ أبريل 2026، ومن داخل "مجمع سجون بدر"، أسدلت الدائرة الأولى جنايات
الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل الحقوقي، المعروفة إعلاميا بقضية "التخابر
مع تركيا". لم تكن الأحكام الصادرة، التي تتراوح بين المؤبد والسجن المشدد، مجرد
عقوبة جنائية، بل جاءت كوثيقة سياسية تؤكد انسداد أفق الانفراج الحقوقي في
مصر، وتضع
ملف "المعتقلات المصريات" بشكل خاص والمعتقلين السياسيين بشكل عام أمام مفترق
طرق دولي.
لم تكن تلك
الأحكام الصادرة عن دائرة الإرهاب؛ مجرد ضربة للمرأة المصرية الممثلة في "سمية
ماهر" وزميلاتها، بل كانت تصفية حقوقية وقانونية لجيل من الأكاديميين والعلماء
وكبار السن، في محاكمة وصفتها التقارير الدولية بأنها "تفتقر لأدنى معايير النزاهة".
حكم جديد يأتي
ضمن سلسلة من الأحكام في قضايا ذات طابع سياسي دأب القضاء المصري على إصدارها منذ قرابة
ثلاثة عشر عاما تفتقر لضمانات
المحاكمات العادلة، تحمل هذه الأحكام في طياتها دلالات
عدة.
شرعنه الاحتجاز
التعسفي
الدلالة الأولى
والأخطر في هذا الحكم هي قضية "سمية ماهر أحمد حزيمة"، التي قُضي بحقها بالسجن
المشدد لمدة 10 سنوات. سمية، التي أتمت قرابة تسع سنوات في الحبس الاحتياطي والانفرادي
منذ عام 2017، يمثل الحكم بحقها "شرعنة" لسنوات من التنكيل خارج إطار القانون.
إن معاقبة سمية اليوم بعشر سنوات بعد أن قضت معظمها بالفعل في "برزخ" الحبس
الاحتياطي، يكشف عن استراتيجية قضائية تهدف إلى التغطية على الانتهاكات الإجرائية السابقة
عبر أحكام مشددة متأخرة.
هذا الحكم
ليس مجرد واقعة قضائية معزولة، بل هو مؤشر قانوني خطير على استمرار نهج "تسييس
العدالة". حالة سمية تفتح ملفا مسكوتا عنه يتعلق بالانتهاكات المركبة؛ فهي ضحية
للحبس الانفرادي المطول الذي يُصنف دوليا كنوع من أنواع التعذيب.
استهداف النساء:
الرسالة السياسية السلبية:
لم يقتصر الحكم
على سمية ماهر الفتاة التي اعتقلت قبل حفل زفافها بأيام، بل شمل أسماء أخرى مثل حنان
سمك (مؤبد) وبسمة السروي (مؤبد) ورشا ماهر إمام، مما يعكس نهجا تصعيديا في استهداف
النساء بمدد عقابية غير مسبوقة في قضايا ذات طابع سياسي.
هذه الأحكام
تكسر "الخطوط الحمراء" -أشرنا لذلك كثيرا في تقارير أصدرناها باسم
منظمة
عدالة لحقوق الإنسان- التقليدية
في التعامل مع المرأة في المجتمع المصري، وتستخدمها كأداة للضغط السياسي، وهو ما يشكل
انتهاكا صارخا لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي تعد
مصر طرفا فيها.
هذا الحكم
يرسل إشارة سلبية حول جدية "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، ويؤكد
أن ملف السجينات السياسيات في مصر ما زال يُدار بعقلية أمنية بعيدة عن روح الدستور
الذي يكفل حماية المرأة وصون كرامتها.
إننا أمام
"منعطف حقوقي" يتطلب من المنظمات الدولية والمدافعين عن
حقوق الإنسان الانتقال
من لغة "المناشدة" إلى لغة "المساءلة". إن ملف المعتقلات المصريات
لا يجب أن يظل رهينة للركود السياسي.
شيخوخة خلف
القضبان: مأساة رشاد بيومي
تصدرت قائمة
المحكوم عليهم بالمؤبد أسماء تجاوزت السبعين من عمرها، وفي مقدمتهم الدكتور رشاد بيومي،
أكبر سجين سياسي في مصر وتجاوز التسعين عاما. إن صدور حكم بالمؤبد على رجل في هذه السن،
ومعاناته من أمراض مزمنة وخطيرة تهدد حياته، يمثل "حكما بالإعدام البطيء".
إن القانون الدولي الإنساني يفرض معاملة خاصة لكبار السن والمرضى، إلا أن القضاء المصري
في هذه القضية ضرب بعرض الحائط كل المناشدات الصحية، ليؤكد أن الغرض من الاحتجاز هو
"التنكيل الجسدي" لا العقوبة التأديبية.
استهداف النخبة:
أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات
إن المتأمل
في قائمة المحكوم عليهم يجدها تضم صفوة المجتمع الأكاديمي والمهني في مصر؛ من أطباء
ومهندسين وأساتذة جامعات (مثل: محمد بديع، ومحمود عزت، ومحمود غزلان) قضوا عقودا في
خدمة العلم والمجتمع. تحويل هؤلاء العلماء من منابر الجامعات وغرف العمليات إلى زنازين
"سجن بدر" بتهم فضفاضة هو خسارة وطنية فادحة. إن استهداف النخبة العلمية
يعكس رغبة في تجريف العقل المصري وتخويف كل ذي رأي أو مكانة مجتمعية.
عوار قانوني:
تحريات مكتبية واختفاء الأدلة
بصفتنا حقوقيين،
راقبنا مسار هذه القضية التي خلت تماما من أي أدلة مادية ملموسة. لقد استندت المحكمة
بشكل كامل وحصري على "محاضر التحريات المكتبية" التي يجريها ضباط قطاع الأمن
الوطني، وهي محاضر لا تصلح قانونا لتكون دليلا منفردا للإدانة وفقا لأحكام محكمة النقض
المصرية نفسها.
• الإخلال بحق الدفاع: سُجل في هذه القضية منع المتهمين بشكل منهجي من التواصل
مع محاميهم.
• الحرمان من الزيارات: قبع المعتقلون لسنوات في عزل تام عن العالم الخارجي
وعن أسرهم، مما جعل حقهم في تقديم دفاع قانوني سليم مستحيلا من الناحية العملية.
ازدواجية المعايير
الدولية والصمت الأوروبي
يأتي هذا الحكم
في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية-الأوروبية والمصرية-التركية؛ تقاربات اقتصادية ودبلوماسية
واسعة.
إن شمول الحكم
لأسماء شخصيات تركية (مثل نهاد أكمان وفهمي بولنت) بالعقوبة المؤبدة، في مقابل صمت
العواصم الأوروبية التي تمد القاهرة بالدعم، يضع المجتمع الدولي أمام مرآة ازدواجيته.
كيف يمكن القبول
بشراكات أمنية واقتصادية مع نظام يُصدر أحكاما مؤبدة ومشددة في قضايا تفتقر لأدنى معايير
المحاكمة العادلة؟
رغبة في الانتقام
السياسي
إن صدور هذه
الأحكام من "سجن بدر" (المقر الذي قُدم للعالم كنموذج للإصلاح التأهيلي)
ينسف الرواية الرسمية التي يحاول "المجلس القومي حقوق الإنسان" تسويقها.
الصمت المطبق من هذه المؤسسات الرسمية تجاه استمرار "تدوير" القضايا والحبس
الانفرادي لسنوات، يجعلها شريكا في المسؤولية القانونية والأخلاقية عن هذه الأحكام
التي لا تعبر عن روح العدالة بقدر ما تعبر عن رغبة في الانتقام السياسي.
- هناك فجوة قانونية ناتجة عن التحايل على المادة 143 من قانون الإجراءات
الجنائية عبر ظاهرة "التدوير". لدينا أسماء بارزة تجاوزت مدد حبسها الاحتياطي
بكثير، ومن أبرزها المحامية الحقوقية هدى عبد المنعم التي تعد نموذجا صارخا لاستهداف
المدافعات عن حقوق الإنسان، والسيدة عائشة الشاطر التي استُنزفت صحتها خلف القضبان،
والسيدة حسيبة محسوب، وغيرهن كثيرات.
- إن استمرار احتجاز هؤلاء النسوة رغم انتهاء
المدد القانونية المقررة للحبس الاحتياطي، أو حتى بعد انقضاء عقوباتهن في بعض الحالات،
يعد احتجازا تعسفيا خارج إطار القانون ويستوجب المساءلة القانونية للقائمين عليه.
نحن أمام صمت
ممنهج تمارسه ثلاثة أطراف رئيسية:
أولا: المؤسسات
الحقوقية الرسمية المصرية، وعلى رأسها المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي يتبنى سياسة
الصمت السلبي أو التبرير، متجاهلا دوره الدستوري كجهة رقابية مستقلة. إن إحجام المجلس
عن إصدار تقارير تقصي حقائق شفافة حول وضع المعتقلات، وتجاهله لنداءات الاستغاثة بخصوص
ظروف احتجازهن، يجعله شريكا في إطالة أمد هذه المعاناة بدلا من كونه وسيطا للحل، وكذلك
تجاهل غياب ضمانات المحاكمة العادلة في القضايا ذات الطابع السياسي.
ثانيا: السلطة
التنفيذية المصرية التي تتعامل مع التقارير الدولية بسياسة "التجاهل الإنكاري".
فبينما تُروج الدولة لاستراتيجيات وطنية لحقوق الإنسان في المحافل الخارجية، نجد على
أرض الواقع إصرارا على استمرار احتجاز نساء وفتيات، وشباب، وكبار سن يعانون من أمراض
خطيرة، فضلا عن تعرضهم للإهمال الطبي المتعمد، في قضايا رأي، مع استخدام سلاح "التدوير"
لشرعنة حبسهم لسنوات دون سقف زمني، مما يفرغ النصوص القانونية والدستورية من محتواها.
ثالثا: القوى
الدولية والشركاء الأوروبيون؛ وهنا يبرز
الجانب الأكثر قسوة في المشهد؛ حيث تُغلّب العواصم الأوروبية لغة المصالح الاقتصادية
وصفقات التسليح وملفات الهجرة والأمن على مبادئ حقوق الإنسان.
إن هذا "الصمت
المقايض" يمنح الضوء الأخضر لاستمرار الانتهاكات، ويجعل من الخطابات الأوروبية
حول القيم الديمقراطية مجرد شعارات تفتقر للمصداقية عند اختبارها في الملف المصري.
مسؤولية تاريخية
إن هذه الأحكام
لا تُغلق قضية، بل تفتح ملفا دوليا حول استقلال القضاء في مصر. إن واجبنا كمنظمات حقوقية
دولية هو عدم السماح بمرور هذه الأحكام كـ"أمر واقع". إن المطالبة بالإفراج
الصحي الفوري عن الدكتور رشاد بيومي وزملائه من كبار السن، وإعادة المحاكمات أمام قضاء
طبيعي تتوفر فيه ضمانات الدفاع، هي الحد الأدنى لإنقاذ ما تبقى من سمعة العدالة في
مصر.
إن قضية "التخابر"
هي تجسيد للانهيار القانوني؛ حيث تغيب الأدلة، وتُصادر حقوق الدفاع، ويُسجن الشيوخ
والعلماء، وتُهدر كرامة المرأة.. وكل ذلك يتم تحت سمع وبصر عالم يفضل "المصالح"
على "المبادئ".
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.