قضايا وآراء

الاختفاء القسري في مصر: الجريمة المستمرة

محمود جابر
"ظاهرة الاختفاء القسري باتت جرحا مفتوحا في الضمير الإنساني، وجريمة ممنهجة تتوسع رقعتها كل عام دون رادع أو مساءلة"- عربي21/ علاء القطة
"ظاهرة الاختفاء القسري باتت جرحا مفتوحا في الضمير الإنساني، وجريمة ممنهجة تتوسع رقعتها كل عام دون رادع أو مساءلة"- عربي21/ علاء القطة
في اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري في 30 من أب/ أغسطس، نسلط الضوء على جريمة الاختفاء القسري في مصر.

جريمة الاختفاء القسري مأساة إنسانية مدمرة تعيشها مصر منذ أكثر من اثني عشر عاما، فظاهرة الاختفاء القسري باتت جرحا مفتوحا في الضمير الإنساني، وجريمة ممنهجة تتوسع رقعتها كل عام دون رادع أو مساءلة.

ورغم ادعاء النظام المصري أن هذه الممارسة ليست موجودة أو أنها حالات فردية معزولة، تواصل المنظمات الحقوقية المحلية والدولية توثيق حجم الظاهرة، وتؤكد أن إنكار الدولة المصرية للجريمة لا يلغي وجودها ولا يبرر انتهاك الحقوق الأساسية للإنسان.

رغم ادعاء النظام المصري أن هذه الممارسة ليست موجودة أو أنها حالات فردية معزولة، تواصل المنظمات الحقوقية المحلية والدولية توثيق حجم الظاهرة، وتؤكد أن إنكار الدولة المصرية للجريمة لا يلغي وجودها ولا يبرر انتهاك الحقوق الأساسية للإنسان

الاختفاء القسري: جريمة بلا أثر ولا مساءلة

الاختفاء القسري هو ممارسة تجري فيها إخفاء الأشخاص قسرا عن عائلاتهم، دون أي اعتراف رسمي من الدولة بحرمانهم من الحرية أو الكشف عن مصيرهم.

في مصر، تحوّل هذا الانتهاك إلى سلاح لترهيب المعارضة والمدافعين عن حقوق الإنسان، وامتد ليشمل مواطنين عاديين بلا أي تهمة واضحة.

أرقام مقلقة ومصير غامض

سُجّلت آلاف الحالات منذ عام 2013، وما يزال أكثر من 300 شخص رهن الاختفاء القسري بحسب إحصاءات منظمات حقوقية، منها مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان (JHR)، بعضهم مضى على اختفائهم سنوات طويلة دون معلومة واحدة عن مصيرهم: هل ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم في غياهب السجون السرية أو مقار الأمن الوطني؟ هذا السؤال المرير يشغل قلوب عائلاتهم ويؤرق المجتمع الحقوقي بأسره.

تكريس للإفلات من العقاب

رغم التوثيق المستمر والشهادات المؤلمة لعائلات المختفين، ما زالت السلطات المصرية ترفض الاعتراف بالجريمة أو التعاون مع المساعي الحقوقية والدولية لكشف مصير هؤلاء. غالبا ما تصدر بيانات رسمية تتجاهل التقارير الحقوقية أو تلمح إلى وجود "مفقودين" غادروا البلاد، دون تقديم أي دليل أو السماح لعائلاتهم أو محاميهم بالوصول إليهم.

هذا الإنكار المتعمد يُعزز مناخ الإفلات من العقاب، ويترك الباب مفتوحا لمزيد من الانتهاكات دون رادع قانوني أو رقابة إعلامية مستقلة، خاصة في ظل التضييق المستمر على المجتمع المدني ووسائل الإعلام.

خلل تشريعي وعدم امتثال للنداءات الدولية

هناك خلل في البنية التشريعية المصرية فيما يتعلق بالاختفاء القسري لعدم تجريمه أو معاقبة مرتكبي الجريمة في أي نصوص قانونية أو دستورية، ورغم دعوة مصر إلى ضرورة التوقيع والتصديق على الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري إلا أنها لا تستجيب لذلك، وهذه دلالة مباشرة على إيجاد مناخ لجريمة الاختفاء القسري كي تنشط وتستمر الأجهزة الأمنية في ممارستها دون عقاب أو مساءلة.

حملة دولية لكشف مصير المختفين: أمل متجدد عبر المنصات الأممية

في ظل عجز القضاء الوطني عن إحقاق العدالة، تصاعدت جهود الحملة الدولية لكشف مصير المختفين قسرا في مصر، "هم فين؟"، وهي حملة تطرق أبواب المنظمات الأممية عبر الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي. هذا الفريق التابع للأمم المتحدة يعمل على تلقي البلاغات من أهالي الضحايا والمنظمات الحقوقية، ويرفع استفسارات رسمية للحكومة المصرية حول مصير كل مختفٍ.

هذه الخطوة التصعيدية الفريدة لا تعبر فقط عن يأس الضحايا من المؤسسات الداخلية، بل تشكل أيضا رسالة قوية إلى المجتمع الدولي مفادها أن قضية الاختفاء القسري في مصر باتت تمثل تهديدا للعدالة والكرامة الإنسانية على مستوى العالم، وليست مجرد شأن داخلي.

الإفراج عن المعلومات والعدالة الانتقالية: حق لا يسقط بالتقادم

إن استمرار الاختفاء القسري لأكثر من 12 عاما يطرح ضرورة ملحة على السلطات المصرية للاستجابة للمناشدات الإنسانية، والإفراج الفوري عن كل من لم تثبت إدانتهم، أو كشف مصيرهم دون مواربة. كما أن التوجه نحو العدالة الانتقالية وكشف الحقائق وتعويض الضحايا؛ خطوات جوهرية لا يمكن الاستغناء عنها إذا ما أرادت مصر طي صفحة الانتهاكات والبدء بمصالحة مجتمعية حقيقية.

الاختفاء القسري وصمة عار ونداء للضمير العالمي

يبقى الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، ونداء مفتوحا أمام الضمير العالمي بضرورة التحرك الجاد والضغط على السلطات المصرية لاحترام التزاماتها الدولية، والتوقف عن إنكار الحقيقة.

فكل يوم يمر دون كشف مصير المختفين هو انتهاك جديد للأمل والإرادة الإنسانية، وإنصاف هؤلاء الضحايا هو الخطوة الأولى نحو بناء دولة القانون والمساءلة.

أين هم؟

لأجل الأمهات المكلومات، والزوجات والأبناء، ولأجل الحرية، لا تدعوهم يغيبون، لا تنسوا أسماء الضحايا، واجعلوا من قصصهم شعلة تضيء طريق العدالة

سؤال تطرحه المنظمات الحقوقية المنظمة لحملة "هم فين؟" لأجل المختفين قسرا في مصر.. أين مصطفى النجار؛ البرلماني الذي اختفى في ظروف غامضة وغير معلوم مصيره؟ أين عبد الله محمد صادق؛ الطالب الذي اختطفته قوات الأمن المصرية من أمام باب الجامعة قبل أكثر من 7 سنوات ومصيره مجهول؟ وعمرو إبراهيم متولي؛ المختفي منذ 12 عاما أتعبت والده المحامي والحقوقي إبراهيم متولي الذي اعتقلته الشرطة المصرية لكي تسكت صوته وتضيع حقه في المطالبة بكشف مصير ابنه.. وغيرهم كثيرون نذكرهم على سبيل المثال لا الحصر، ونسأل أين عمر محمد حماد، وطارق صيام، وعمرو نادي، وأحمد صلاح، ومحمد عادل عدوي، ومحمد عبد اللطيف عبد الرحمن.. الخ.

القائمة طويلة لا يسعها مقال واحد لنذكرهم، ونقول لمن يشكك في أن هؤلاء وغيرهم في قبضة الشرطة المصرية والأجهزة الأمنية؛ إن لدينا توثيقات تؤكد قيام الأجهزة الأمنية باختطافهم، ولذلك يتعين عليها كشف مصيرهم.

لأجل الأمهات المكلومات، والزوجات والأبناء، ولأجل الحرية، لا تدعوهم يغيبون، لا تنسوا أسماء الضحايا، واجعلوا من قصصهم شعلة تضيء طريق العدالة. إننا نؤمن بأن الحقيقة أقوى من الإنكار، وأن العدالة ستنتصر في النهاية. دعونا نواصل العمل يدا بيد حتى يعود كل غائب، وتُكشف كل حقيقة، ويُجبر كسر كل أسرة.
التعليقات (0)

خبر عاجل