انتفاضة كنسية ضد الصهيونية المسيحية

قطب العربي
"موقف الكنيسة المصرية قديم في عدائه للصهيونية، وكان ذلك أحد ثوابت الكنيسة"- جيتي
"موقف الكنيسة المصرية قديم في عدائه للصهيونية، وكان ذلك أحد ثوابت الكنيسة"- جيتي
شارك الخبر
أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا، ينطبق هذا على ما تشهده الكنيسة الأرثوذكسية المصرية من صحوة متأخرة ضد انتشار تيار الصهيونية المسيحية بين أقباط المهجر، والتي تسربت تاليا إلى بعض الأقباط داخل مصر نفسها، ويظهر ذلك في حسابات العديد منهم على صفحات التواصل الاجتماعي.

صحوة أو انتفاضة الكنيسة الأرثوذكسية لم تكن مجاملة للمسلمين، أو للسلطة كما قال أحد قادتها، ولكنها صيانة وتحصينا للعقيدة المسيحية نفسها في مواجهة ما تعتبره مسا بها وعدوانا عليها، فصمتها أو تجاهلها من قبل جرّأ بعض أقباط الداخل المصري على المجاهرة بدعمهم للكيان، ولكل ممارساته العدوانية، ولمخططاته المستقبلية.

تيار الصهيونية المسيحية قديم في الولايات المتحدة والغرب عموما خاصة بين بعض الكنائس الإنجيلية، لكنه بلغ ذروة صعوده بتولي ترامب الرئاسة الأمريكية سواء في دورته الأولى (2017-2021)، أو دورته الثانية (2025-2029)، وتحكم صقور هذا التيار في المفاصل الرئيسية للحكم مثل وزير الدفاع الذي فاخر بوشم الصليب على ذراعة مع كتابة كلمة "كافر" باللغة العربية، ووزير الخارجية روبيو الذي تفاخر أيضا برسم الصليب على جبهته، وغيرهما العديد من كبار المسئولين في البيت الأبيض والوزارات والهيئات الأخرى. لم تكن المشكلة فقط في تلك الوشوم، ولكن الأخطر منها نظرة تلك القيادات للإسرائيليين باعتبارهم شعب الله المختار، وأن من حقهم التمدد من النيل إلى الفرات ( كما عبر صراحة السفير الأمريكي في إسرائيل) باعتبار ذلك جزءا من إيمانهم المسيحي الذي يؤمن بنظرية الملك الألفي (أي عودة المسيح عليه السلام إلى الأرض ليحكمها ألف عام قبل يوم القيامة)،
الخطر على الكنيسة القبطية المصرية يأتي بشكل أساسي من بعض أقباط المهجر خاصة في الولايات المتحدة، الذين اعتنقوا فكر الصهيونية المسيحية، وراحوا يبشرون به
وانطلاقا من هذا الإيمان يتنافس صقور البيت الأبيض، ووزراتي الخارجية والحرب والمخابرات؛ في تقديم دعم مفتوح للكيان الصهيوني لتحقيق رؤيته لشرق أوسط جديد، والتوسع الاستيطاني، وضمه للأراضي المحتلة في الضفة الغربية، وتدميره لقطاع غزة وسعيه المستمر لتفريغ القطاع من سكانه عبر تهجيرهم إلى دول مجاورة.


بعد حوارات تلفزية للإعلامي المصري باسم يوسف شرح فيها تطور هذا التيار وتمكنه من مفاصل الحكم في أمريكا، وبالتالي تبنيه لسياسات أكثر دعما للعدوان الصهيوني في غزة وغيرها باعتبار ذلك واجبا دينيا، تصاعد الجدل في الأوساط المسيحية المصرية التي انتفض بعضها ضد باسم، مع إظهار الدعم للكيان، في حين خشي قطاع واسع من المسيحيين أن يتم إسقاط الكلام عليهم بما يشوه صورتهم في المجتمع المصري، وفي المقابل أعلن البعض دعمه لحديث باسم وغيره عن الصهيونية المسيحية مطالبين بالتصدي لها.

جاءت الطلقة الكنسية الأولى على لسان القمص داود لمعي، راعي كنيسة مارمرقس (مصر الجديدة)، الذي قدم طرحا لاهوتيا رافضا لهذا التيار (الصهيونية المسيحية)، وما يحمله من أفكار حول عودة اليهود، وأنهم شعب الله المختار. وحسبما نقلت صحيفة وطني (أشهر صحيفة قبطية)، فإن القمص لمعي أكد أن تلك التوجهات قائمة على تفسير غير دقيق للنصوص الدينية، بل إنه تفسير لخدمة أهداف سياسية.

لم تمر عظة القمص لمعي بسلام، فقد تصدى لها المنتمون أو القريبون من ذاك التيار ووجهوا العديد من الاتهامات للقمص، مثل استدعائه السياسة في مكان ديني، وتأييده إيران، وكراهيته لإسرائيل، وتدليسه على الكتاب المقدس، وكل ذلك بهدف التشويش على عظته وإبطال مفعولها.

الصوت الأكثر تعبيرا حتى الآن للأنبا رفائيل، الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة، والذي نقلت حديثه قناة "سي سات" المعبرة عن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وقدم في حديثه نقدا دينيا صريحا من وجهة النظر الأرثوذكسية لوصف اليهود بأنهم شعب الله المختار، محذرا من الانسياق وراء تفسيرات وصفها بأنها "صهيونية أو سياسية" تحاول توظيف الدين لتحقيق أهداف دنيوية.

موقف الكنيسة المصرية قديم في عدائه للصهيونية، وكان ذلك أحد ثوابت الكنيسة في عهد الأنبا كيرلس الذي تولى البابوية (1959-1971) ثم كان الموقف أكثر وضوحا وتشددا في عهد البابا شنودة الثالث (1971-2012)، الذي وُصِف بـ"بابا العرب"، والذي بدا عهده بمحاضرة شهيرة في نقابة الصحفيين (5 كانون الأول/ ديسمبر 1971) بعنوان المسيحية وإسرائيل، أكد فيها أن إسرائيل لم تنشا بوعد إلهي وإنما بوعد بلفور، كما أن اليهود ليسوا شعب الله المختار في الوقت الحاضر، وأن لقب الشعب المختار كان لفترة زمنية محددة ولغرض معين، حيث كان اليهود قديما هم الوحيدون الذين يعبدون الله وسط شعوب وثنية، كما أكد أن الله ليس عنده محاباة لشعب أو جنس بعينه، وختم عهده برفض صارم لزيارة السادات للقدس وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد، كما رفض التطبيع مع الكيان، ومنعَ المسيحيين المصريين من زيارة القدس حتى يزول الاحتلال، لكن خلفه البابا الحالي تواضروس ألغى ذلك القرار.

لم تكن الكنيسة الأرثوذكسية وحدها في مواجهة الصهيونية المسيحية، فمن أوائل من واجهوا هذا التيار في مصر رجال الكنيسة الإنجيلية، وأذكر منهم الدكتور رفيق حبيب، المفكر القبطي ونجل رئيس الطائفة السابق، والقس أندريه زكي، الرئيس الحالي للطائفة، والقس إكرام لمعي.

مواقف مسيحية مقدرة، وهي جزء من موقف وطني وقومي رافض للكيان الصهيوني، وجرائمه، وخططه ومؤامراته لتفتيت المنطقة، وضرب قواها الحية حتى تخلو له الساحة يفعل فيها ما يريد

الخطر على الكنيسة القبطية المصرية يأتي بشكل أساسي من بعض أقباط المهجر خاصة في الولايات المتحدة، الذين اعتنقوا فكر الصهيونية المسيحية، وراحوا يبشرون به، وبالتأكيد فإن المجال الحيوي لهذا التبشير سيكون في أوساط المسيحيين، وهذا هو الخطر بعينه الذي استشعرته الكنيسة، وبدأت التصدي له.

إلى جانب الأصوات الكنسية المصرية الرافضة للصهيونية المسيحية لا يمكن أن ننسى صوت المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، والذي عبر كثيرا عن رفضه لهذا التيار الشاذ، وكتب بيانا على صفحته (24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025) تحت عنوان "لا نعترف بما يسمى المسيحية الصهيونية، فإما أن تكون مسيحيا وإما أن تكون صهيونيا"، مؤكدا أن أدبيات هذا التيار غريبة عن القيم والمبادئ المسيحية، بل إنه يسيء للمسيحية، ويوظف النصوص الكتابية في العهد القديم بناء على المصلحة الصهيونية، مضيفا أن حرب الإبادة الأخيرة التي دمرت غزة، وأدت إلى كم هائل من الآلام والأحزان والدموع والدماء إنما كشفت الكثير من الأقنعة وأماطت اللثام عن كثير من الوجوه.

وقال المطران حنا: "لا يوجد عندنا ما يسمى بشعب الله المختار فكل الشعوب مختارة، وهي خليقة الله، ولا يوجد هنالك إنسان من الدرجة الأولى، وإنسان من الدرجة العاشرة، فكل البشر هم إخوة في انتمائهم الإنساني، ويحق لكل واحد بأن يحيا بأمن وأمان وسلام بعيدا عن آلة الموت والخراب والحروب".

هذه مواقف مسيحية مقدرة، وهي جزء من موقف وطني وقومي رافض للكيان الصهيوني، وجرائمه، وخططه ومؤامراته لتفتيت المنطقة، وضرب قواها الحية حتى تخلو له الساحة يفعل فيها ما يريد.. لكن حلمه هو محض سراب.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل