لم
تكتف إثيوبيا ببناء
سد النهضة، وملئه، وتشغيله بشكل منفرد دونما اتفاق مع
مصر، بل
إنها أعلنت مؤخرا عن مناقصة لبناء 3 سدود جديدة على
النيل الأزرق، ضمن رؤية أوسع
لبناء 18 سدا لتحكم قبضتها أكثر على تدفق
المياه إلى مصر والسودان.
حين
بنت إثيوبيا سد النهضة ادعت أنه لأغراض تنموية، تتعلق باحتياجاتها من الطاقة، وتنظيم
الموارد المائية، ولا يمانع أحد في هذا الحق بطبيعة الحال، رغم أن السد سينتج 5
جيجاوات كهرباء أكثر بكثير من احتياجات إثيوبيا،
وسيحتفظ بقدر وافر من المياه أكبر من احتياجاتها، ولكن بناء 3 سدود جديدة تنتج من
الكهرباء ضعف ما ينتجه سد النهضة (أكثر من 10 جيجاوات) هو تحد سافر جديد لمصر،
وإحكام للحصار المائي عليها في ظل انشغال العالم بحرب إيران، وتداعياتها على مصر
وغيرها من دول العالم.
* * *
فشل نظام السيسي في التعامل مع سد النهضة هو أحد المحفزات لإثيوبيا لطرح السدود الجديدة، فهي قد خبرت هذا النظام، وتعرف حدود تحركاته وتهديداته التي لا تشكل خطرا حقيقيا عليها
السدود
الثلاثة الجديدة كشف عنها قبل أيام موقع "أفريقيا إنتليجنس" (Africa
Intelligence)، مؤكدا أن إثيوبيا طرحت مناقصة إنشائها في آذار/ مارس الماضي، ويتكلف
إنشاؤها ما يزيد عن 10 مليارات دولار، وستنتج طاقة كهربائية تصل إلى 10جيجاوات، وهو
ما يرفع إنتاج إثيوبيا من الطاقة الكهربائية بنسبة 25 في المئة ويعزز سيطرتها على
الموارد المائية والطاقة في المنطقة، ما ينذر بأضرار جديدة لدولتي المصب مصر (المشغولة
بأزمتها الاقتصادية)، والسودان (المشغول بحربه الداخلية).
استغلت
إثيوبيا من قبل حالة الاضطراب السياسي بعد ثورة يناير 2011، ثم الانقلاب العسكري
في 2013 لتبني سد النهضة غير عابئة باعتراضات مصر، واليوم تستغل حرب إيران، وما
تسببت فيه من جفوة في العلاقات المصرية الخليجية، لطرح مناقصات السدود الثلاثة
الجديدة، معتمدة على تمويلات خليجية مرتقبة ستتدفق لهذه المشاريع الجديدة كنوع من
العقاب لمصر على موقفها من الحرب.
* * *
الموقف
السلبي لدول خليجية تجاه نظام السيسي لا يستند لأي مبررات موضوعية، ولكنها وعبر أبواقها
الإعلامية تزعم أن النظام المصري خذلها، وأنه لم ينفذ شعاره "مسافة
السكة"، ولم يرد الجميل للدول التي حرضته على الانقلاب، ودعمت هذا الانقلاب
سياسيا، والأهم ماليا بمليارات الدولارات حتى يقف على ساقيه.
وعلى
الرغم من تسرب أنباء عن تقديم مصر مساعدات عسكرية وأنظمة دفاع جوي وتقنيات عسكرية
لدول الخليج، إلا أن ذلك لا يبدو كافيا لها، وكانت تنتظر تحرك قوات مصرية بشكل
علني إلى دول الخليج كنوع من الدعم العسكري الواضح الذي يعيد الطمأنينة للشعوب
الخليجية، مستندين إلى تجربة التدخل العسكري المصري ضمن التحالف الدولي لتحرير
الكويت من الغزو العراقي من قبل.
* * *
قد
تكون إثيوبيا تلقت رسائل مباشرة أو غير مباشرة عن استعداد خليجي خاصة إماراتي لتمويل
سدودها الجديدة، وهو ما شجعها على الإعلان عن المناقصات الجديدة، لتلقي بقفاز التحدي
مجددا في وجه مصر التي فشلت حكومتها في منع أي خطوات إثيوبية أحادية في عمليات
بناء وملء وتشغيل سد النهضة، واكتفى رئيسها السيسي بترديد رئيس الوزراء الإثيوبي لقسم
لا يفهم كلماته أنه "لن يضر بأمن مصر".
فشل
نظام السيسي في التعامل مع سد النهضة هو أحد المحفزات لإثيوبيا لطرح السدود
الجديدة، فهي قد خبرت هذا النظام، وتعرف حدود تحركاته وتهديداته التي لا تشكل خطرا
حقيقيا عليها، بل هي مجرد تحركات لإيهام الشعب المصري بأن ثمة تحركات سياسية أو
مخابراتية تتم ضد إثيوبيا حتى يبتلع الشعب لسانه، وينتظر نتيجة هذه التحركات!!
والنتيجة التي حصلت هي الانتهاء من بناء السد وملئه وتشغيله وافتتاحه رسميا العام
الماضي دون أي اتفاق مع مصر.
* * *
لم يفق
الشعب المصري من صدمة سد النهضة التي ستحرمه من جزء كبير من حقوقه المائية، وها هو
ينتظر صدمة جديدة تلتهم جزءا آخر من تلك الحقوق، بينما حكومته تواصل إلهاب ظهره
برفع الأسعار، وإطفاء الأنوار، وتكبيله بمزيد من الديون الخارجية، والزج بالمزيد
من الأبرياء في السجون والمعتقلات.
ظهرت الآثار الأولية في خطط ترشيد استهلاك المياه في الزراعة، وفي وقف زراعة بعض المحاصيل كثيفة استخدام المياه رغم أنها محاصيل استراتيجية، مثل الأرز وقصب السكر، وستظهر المزيد من الآثار تباعا
فشل
النظام في أزمة سد النهضة من قبل مؤذن بفشل جديد (لا نتمناه) تجاه السدود الإثيوبية
الجديدة، وتراجع هيبة مصر يغري إثيوبيا بالمضي في خططها ببناء السدود الثلاثة بل وغيرها
من جملة الـ18 سدا التي تتضمنها رؤيتها الاستراتيجية.
* * *
الدولة
المصرية بحكامها وشعبها وجميع قواها أمام اختبار جديد للدفاع عن حق الحياة المتمثل
في وصول حصة المياه المقررة وفقا للاتفاقيات الدولية (55 مليار متر مكعب سنويا)، والتي
لا تغطي احتياجات مصر من المياه، حتى مع إضافة كميات المياه الجوفية، ومياه
الأمطار، وفائض حصة السودان. لقد ظهرت الآثار الأولية في خطط ترشيد استهلاك المياه
في الزراعة، وفي وقف زراعة بعض المحاصيل كثيفة استخدام المياه رغم أنها محاصيل
استراتيجية، مثل الأرز وقصب السكر، وستظهر المزيد من الآثار تباعا.
ليس
مقبولا أن تنتظر السلطة إعلانا رسميا إثيوبيا عن بناء السدود الجديدة، فلدينا
أجهزة معلومات قوية واجبها متابعة النوايا الإثيوبية قبل ترجمتها إلى قرارات
علنية، ومن ثم التحرك العملي المبكر للتعامل مع هذا التحدي الجديد حتى لا نستيقظ
على أنهار وترع جافة تخلو من المياه.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.